حينما يكره القارئ النص قبل أن يقرأه مساءلة نص لم يأت بعد

حينما يكره القارئ النص قبل أن يقرأه مساءلة نص لم يأت بعد
4.3
(18)

حينما يكره القارئ النص قبل أن يقرأه
مساءلة نص لم يأت بعد
عادة ما تجلب الشهرة لصاحبها أمواجا من المشككين والحاسدين بقدر ما جلبت له معجبين ومتابعين ومتعصبين، وهو أمر طبيعي لأي كاتب حقق نجاحا مفاجئا وباهرا فاق به من يشاركونه هوس الكتابة، وقد يصبح الأمر أكثر تعقيدا حين نتحدث عن كاتبة اختارت سارة ريفانس اسما أدبيا لها، ناهيك عن تسمية نفسها بالفتاة الغامضة، خلف فوضى التسميات هاته حققت ما لم يحققه روائيون جزائريون كبار، فمبيعات أحلام مستغانمي وواسيني والزاوي المعجب بروايتها وياسمينة خضرة وغيرهم من كبار الأدباء عندنا لا تساوي الكثير أمام المبيعات الخيالية لروايتها الموسومة بالرهينة، وهذا في حد ذاته حدث جلل في عالم الرواية، سارة شابة جزائرية في الرابعة والعشرين من عمرها، تكتب باللغة الفرنسية على منصة واتباد الكندية، هناك سطع نجمها هكذا فجأة دون سابق إنذار، فتهافتت عليها دور النشر الفرنسية بسبب ملايين القراء الذين اهتموا بنصها وأبدوا إعجابا وتقديرا له منقطع النظير فاقت به مذكرات الأمير ويليام الذي لولا مكانته التي لم يتعب في الحصول عليها لما كلف أحد نفسه عناء قراءتها، أو ربما بسبب ملايين الأوروات التي استشعروا كسبها إن تعاقدوا معها وهو الأرجح، فدور النشر ليست جمعيات خيرية، كان منظر الشباب في أروبا عموما وفي فرنسا خصوصا وهم يتسابقون للحصول على نسخة ورقية من الرواية مدعاة للفخر لي كجزائري، فأنا لا أعرف كاتبا جزائريا تسبب في مشهد كهذا ما عدا أحلام مستغانمي التي بزغ نجمها في المشرق قبل أن نستفيق من غفوتنا ونعلم متأخرين أن لنا كاتبة عملاقة، وأن روايتها ذاكرة الجسد تقدم هناك هدية تعبيرا عن الذوق الراقي والاحترام الكبير.
هنا، يطرح السؤال الكبير نفسه، ما السرّ وراء هذا النجاح؟ وهل أدبها امتداد لتراكم روائي جزائري أم أنّه نص يتيم وضائع جينالوجيا بتعبير الناقد أحمد يوسف؟
الأكيد هو أن سارة غير معروفة قبل الرهينة في الأوساط الثقافية، فهي لم تسلك مسلكا كلاسيكيا دأب الأدباء الجزائريون على عبوره، وليس هناك ناقد أو روائي جزائري كبير تنبأ بموهبتها أو أشار إليها على الأقل، الظاهر هو أنها شيدت عالمها الروائي سرا وبإتقان، مستترة خلف اسم مستعار ذي ملامح سكسونية يحتاج هو نفسه دراسة وتحليلا، فإذا كانت آسيا جبار اختارت هذا الاسم كي لا يعلم والداها أنها كتبت رواية، وإذا كانت فضيلة الفاروق اتخذت اسمها هذا لتتحمل مسؤولية ما تكتب وحدها، فما الذي يجعل (سارة) تتحفظ أو ربما تخاف من إعلان اسمها صراحة، هل تشعر بالخوف من شيئ ما أو تشعر بالعقدة من شيئ آخر، إنه سؤال وحدها سارة تملك الإجابة عنه إلى غاية الآن.
النص مكتوب باللغة الفرنسية، إذن لا صعوبة في فهم أن ثقافتها فرونكوفونية وهو خيارها وهي حرة فيه، وهي ليست الأولى في ذلك، فياسمينة خضرة يكتب بالفرنسية، ومحمد ديب كتب بها كذلك وحمل همّ الجزائريين أثناء الاستعمار الفرنسي في نصوصه، ومالك حداد الذي قال أن اللغة الفرنسية منفاه الذي يعيش فيه لم يمنعه ذلك الاغتراب اللغوي من ملامسة معاناة الجزائريين وأحلام الإنسان، لقد وجد هؤلاء الكتاب أنفسهم مكرهين على استعارة هذه اللغة لظروف موضوعية يطول شرحها، فهل سارة مكرهة؟ هل لغة موليير بالنسبة إليها منفى أم وطن؟ وأي معاناة تثقل كاهلها وأي قضية تحرّكها؟
ينتمي نصها إلى ما يسمى بالرومنسية السوداء، أين تسود العلاقات المسمومة والغريبة التي تتحكم في مسارات ومصائر شخصيات الرواية، وأحداث النص تدور في الولايات المتحدة الإمريكية، وبطلتها شابة اسمها إيلا تركت استراليا لتقيم مع عمتها في إمريكا، ولكن العمة مدمنة المخدرات تجرفها إلى عالمها لتصبح إيلا رهينة تنتقل من يد لأخرى ومن جلاد لآخر، هنا تنشأ بينها وبين سيدها آشر علاقة حب في جو غير طبيعي وسوداوي، بكل ما يحمله ذلك الفضاء من إيحاءات جنسية مغرية وآسرة، هكذا ولد النص كبيرا بإرادة القراء بعيدا عن أدبيات منظري الرواية الحديثة بكل ما تحمله تنظيراتهم من عمق فلسفي وتاريخي وحضاري لم تعبأ بها سارة تماما فراحت تسرد نصا خارج إطار الزمان والمكان لتحقق نجاحا لم تتوقعه ولم تحسب له حسابا، فأي كاتب مهما كان اسمه كبيرا لا يقدر على التنبؤ بمآلات نصه.
إن تحقيق كاتب مغمور نجاحا باهرا وخياليا ليس بالأمر الجديد، فقد أبهر إيريك سيغال القراء في السبعينات برواية رومنسية عنوانها قصة حب، بهذا العنوان التجنيسي البسيط جدا حقق مبيعات مذهلة في الولايات المتحدة الإمريكية، وهي رواية لا تعبأ بالأساليب الحداثية السائدة آنذاك، فهي رواية رومنسية بسيطة واضحة المعالم ولا ترقى تماما إلى روائع مرغريت ميتشل وشارلوت برونتي وغيرهما، لقد اختارت سارة عكس ذلك العوالم السفلية التي تتغذى على المتناقضات والجنس والألم والعنف، وهي مواضيع آسرة وجارفة في عصرنا هذا، فالقارئ الجديد يجد لذة ورغبة جامحة في معرفة مصائر الشخصيات، ففي جو من العلاقات المسمومة وغير الطبيعية يسافر القارئ شادا أحزمته مستسلما لهذا التيار الجارف متأملا ذلك العالم الذي عراه الكاتب وكشفه رغم أنه صار موضوعا مستهلكا، وهي بهذا إنما تكشف بهذا هشاشة الروح الضائعة بين أنياب الجنس والحلم والألم من خلال ثنائية ضدية طرفاها السادية والمازوشية ، لهذا استسلم الشباب ما بين 15 و 25 سنة لعالم سارة، وهي فئة مستهدفة ومثالية لهذا الغزو الرومنسي المظلم، أغلبهم أوروبيون ومنهم جزائريون فرونكوفونيون، إنها فئة هشة أمام هذا الإغراء السردي الذكي الذي يحرك الليبيدو في فضاء عاطفي عنيف، هكذا تبدو رسالة سارة سوداوية تعكس سواد الروح المعاصرة، معقدة بقدر تعقيداتها، لكن هل النص جيد إلى هذا الحد؟ وهل يستحق كل هذه الهالة؟
هناك قلة من القراء العرب ممن اطلعوا على النص الأصلي بالفرنسية رغم أنها صارت أشهر كاتبة في العالم العربي قبل قراءة نصها، لذا بدأت بعض المقالات حول روايتها تنتشر هنا وهناك بحثا عن تفسير منطقي لظاهرة معقدة، والظاهر أن البعض شعر بخيبة أمل بعد أن اطلع على النص، فشايت سليم يخلص إلى أن نصها “لايبدو رواية ولا أدبا بل هو كلام مراهقة كما يمكن إيجاده على التكتوك” وهو كلام منقول عن مريم بوزيد سبابو من مقال لها في يومية القدس العربي، رغم ذلك فقد أصبحت أيقونة للشباب الغربي، أما بروين حبيب فترى أن سارة تنتمي إلى صنف الكتاب الذين “لا يكتبون من منطلق الأدب الرفيع المستوى، بل هم حكاؤون ممتازون” فنصها مجرد حكي بلا قضية جوهرية صادف أن لاقى قبولا من جمهور متقلب وغامض وظالم في كثير من الأحيان مما دفع صاحبة المقال إلى التساؤل “هل علينا أن نقبل القارئ الجديد بمقاييسه الجديدة”؟
إنّ الأمر المثير هو غياب النص باللغة العربية رغم أنه ترجم إلى تسع لغات، وهو أمر محير لأن القراء باللغة العربية ينتظرون النص بشغف لاكتشاف كاتبة جزائرية أصبحت ظاهرة في ظرف قياسي، ورغم أنها مسألة وقت – وأتمنى ذلك – إلا أنه أمر محير، وبخاصة أن رواد المواقع وفضاءات التواصل الاجتماعي وبخاصة رواد الفيسبوك قد نفذوا فيها حكما قاسيا بأن اعتبروا نصها فضيحة قبل أن يقرؤوه، بل إن الكثير منهم يعتقد أنها صناعة دوائر ثقافية فرنسية يشاد بها هناك لأسباب مشبوهة، وقد علقت على أحدهم قائلا أن علينا أن نقرأ نصها قبل أن نحكم عليه فلم يرق له ذلك وكدت أن أدخل معه في تعليقات بيزنطية حادة وما أكثر ذلك في الفضاء الأزرق، ومن ثم نفهم أن علاقة سارة مع الناقد والقارئ العربي هشة وضبابية وغامضة منذ البدء، لأنها تجاوزته ببساطة وراحت تبحث عن نفسها في فضاء مختلف تماما، مما خلق هذا الجو من التشكك الذي لا يستقبل ما هو مفرنس بسلاسة لظروف يعلمها الجزائريون جيدا، فلو لم تكشف عن هويتها الحقيقية لاعتقدنا أن كاتب الرواية فرنسي أو كندي بناء على إطارها اللغوي والمكاني، وهنا لب الإشكال، فروايات مالك حداد رغم أنها كتبت بالفرنسية إلا أنها في العمق جزائرية بامتياز، وكذلك هو الحال عند محمد ديب وكاتب ياسين وياسمينة خضرة وآخرين، هنا يمكن الحكم على النص بافتقاره إلى الأصالة الأدبية، فأين هي البصمة الأدبية الخاصة في هذا النص، أين هو البعد الحضاري لفتاة تعمل وتعيش وتتلقى راتبا في إحدى مؤسسات الجزائر؟ إنّه سؤال كبير ستضطر الكاتبة للإجابة عنه ذات يوم أتمنى أن يكون قريبا، فهناك مرحلة لا يمكن بعدها لكاتب لامع أن يظل مختبئا تاركا الأسئلة المثارة حوله وحول نصه بدون إجابة.
لم يحظ نص قبل قراءته في الجزائر والعالم العربي بما حظي به نص الرهينة لسارة، وهذا شرف يكفيها، ولكن الشهرة أمر معقد وهي أكثر تعقيدا في عالم الأدب، وإن لم تتقن اللعبة فإن أوراقها ستحترق، مع ذلك أستطيع القول أن عملها لم يحقق كل هذا الزخم من العدم، وأنها بلا شك كاتبة ذكية كبرت قبل سن البلوغ الروائي مع ما يحمله النمو السريع والمفاجئ من مخاطر وشكوك، وهو أمر فريد وصعب أن يتعامل معه الكاتب وبخاصة إذا تعلق الأمر بأولى رواياته.

أ: طه قديسة 27/06/2023

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 4.3 / 5. عداد التقييمات: 18

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

لا تعليقات بعد على “حينما يكره القارئ النص قبل أن يقرأه مساءلة نص لم يأت بعد

  1. عنوان مستفز… يحيلنا إلى إعادة النظر في ما يكتب وما ينشر وإعادة التفكير في طرق استقطاب القاريء

اترك رداً على لزهر بوشارب إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *