ملتقى الأغنية الصحراوية بأولاد جلال
عبد الحميد بورايو
حضرتُ ملتقى نظمته جمعية نون والقلم حول الأغنية الصحراوية ودورها في الحفاظ على الشعر الملحون بالتعاون مع مديرية الثقافة بولاية أولاد جلال. شرفني الإخوان في الجمعية بالرئاسة الشرفيّة للملتقى وإلقاء كلمة افتتاحيّة أنشرها هنا كاملة:
ملتقى “الأغنية الصحراويّة” (الكلمة الافتتاحيّة)
سيّداتي، سادتي؛ السلام عليكم
أتوجّه بالشكر لجمعيّة “نون والقلم” الثقافيّة التي شرّفتني برئاسة هذا الملتقى. أذكر أنّ فكرة هذا الملتقى التي كانت مندرجة في مخطّط الجمعيّة النونيّة لاعتبارات ترتكز أساسا على عنايتها بالتراث في مختلف أشكاله، كان قد حدّثني عنها الأستاذ عبدالمجيد لغريّب في في لقاء جمعني به ملتقى أدبيّ عُقِدَ في أدرار منذ أكثر من سنة، لمّا تحادثنا في إمكانيّة تنظيم لقاء حول الأغنية الصحراويّة، وقد تحمّست لهذا الاقتراح، الذي سعت جمعيّة “نون والقلم”، وعلى رأسها السيدة الفاضلة حياة بزيّو، إلى برمجته، وأخبرتني بذلك لما التقينا في السنة الماضية هنا في أولاد جلاّل بمناسبة مهرجان عقدناه تكريما ووفاء للأستاذ أحمد لمين الذي كان باحثا متخصصا في الشعر الملحون بمنطقة سيدي خالد، وكان قد قام بجهد بحثي وتحقيقيّ حول “حيزيّة” الأغنية- القصيدة”، والذي أعتبره رائد البحث في العلاقة بين الشعر الملحون الجزائري والغناء، فكثيرا ما حدّثني عن طبيعة هذه العلاقة، وأذكر أنه كان أوّل من أفادني بمعلومة، ظلّت راسخة في ذهني، استقاها من حواراته مع الشعراء الذين التقى بهم ومن الرواة، مفادُها أنّ الشعراء في سيدي خالد وهم يُبْدِعُونَ قصائدَهم يتغنّون بكلّ بيت يُنجزونه (يُلَحِّنُونَه)، لكي يضبطوا إيقاعه، وهي الفكرة التي رجّحت مفهوم مصطلح “ملحون”؛ الْمُفَارِقَة لفكرة اللحن في اللغة والْمُدَعِّمَة لكونه يتعلّق باللحن الموسيقيّ. قصدتُ بإثارة هذا الموضوع أنّنا بإمكاننا أن نعتبر ملتقانا هذا امتدادا لملتقى السنة الفارطة الذي ركّز على الظاهرة الشعريّة وعلى جهود المرحوم أحمد لمين في دراسة شعر المنطقة، وهو ما يبرّر اقتراحي أن ينتظم عقد هذا الملتقى بصفة دورية باسم المرحوم “أحمد لمين” ليتناول مختلف الفنون الصحراويّة، سواء منها الشعريّة أو الموسيقيّة أو غيرها. وقد تأكّدت لي أهمّية هذا الملتقى لمّا اقترحني مركز البحوث في ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ لأكون عضوا في لجنة علميّة لتوثيق تراث أغنية “الآياي”، التي برمج المركز اقتراحها في إطار مشروع تسجيلها باعتبارها من الموادّ الثقافيّة المرشّحة للاعتراف بها ضمن قوائم “تراث الإنسانيّة”، تنفيذا لتوصيات الاتفاقية الدوليّة لحماية التراث الثقافي غير المادي لليونسكو لسنة 2003. سمح عمل اللجنة الذي دام حوالي عشرة أيّام، بزيارة مناطق الجلفة وأولاد جلال ومسيلة وبوسعادة بالتعرّف على طاقات بشريّة هائلة حاملة لنوع من أنواع الأغنية الصحراوية المسمّى “الآي ياي”.
يُعْتَبَرُ الشعر الملحون الدعامة الأساسيّة للأغنية الصحراويّة، فهو يحتوي في لغته على الإيقاع اللفظي القابل للتنغيم الصوتي؛ إنّه نسيج لغويّ يعتمد على الإيقاع الصوتي المتأتّي من نظام الحروف المكوّنة لكلماته وطبيعة نطقها. يأتي اللحن الغنائي كتكملة لجماليّات الشعر، ليعبّر عمّا تعجز معاني الكلمات عن أدائه، ويمكن أن نستشهد بنصّ نعثر عليه في كتاب من عيون التراث العربي القديم، وهوكتاب “الْمُسْتَطْرَف في كلّ فنّ مُسْتَظْرَف”. يذكر شهاب الدين الإبشيهي: <<أنّ النَّغَمَ فَصْلٌ بَقِيَ مِنَ النُّطْقِ لَمْ يَقْدِرْ اللِّسَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ فَاسْتَخْرَجَتْهُ الطَّبِيعَةُ بِالْأَلْحَانِ عَلَى التَّرْجِيعِ لَا عَلَى التَّقْطِيعِ>> (الكتاب المذكور، ج2، ص146). يشير هذا النصّ إلى التكامل القائم بين الغناء والشعر الْمُغَنّى (الملحون)، وهي حقيقة ندركها بوضوح عندما نستمع لقصائد ابن قيطون والشيخ السماتي وابن يوسف، وهي تُؤَدَّى غناء عبر ما نسمّيه الأغنية الصحراويّة، فتعتمد أساسا على الترجيع المسنود بالعزف على الْقَصْبَة؛ الآلة الموسيقيّة المميّزة للغناء الصحراويّ.
سعينا في برمجة هذا الملتقى إلى أن نفسح المجال لمعالجة هذه العلاقة الوطيدة بين الشعر والغناءالصحراوي، وأن نفسح المجال لتناول مختلف أشكال هذا الغناء، إلى جانب العناية بأعلام الشعر والغناء الصحراويّ، وهم الذين يمثّلون الطاقة الإبداعية اللغويّة (بالنسبة للشعراء) والطاقة الإبداعيّة الصوتيّة (بالنسبة للمغنّين) وهما معا يمثلان الطاقة البشريّة التي تكفّلت بما قدّمته من عطاءات فنّيّة لابدّ أن تُصَانَ، وأن يُعتنى بنقلها للأجيال القادمة بمختلف الوسائل، إذ لا يخفى ما أدّته من أدوار في الحفاظ على هويّة المجتمع الجزائريّ، وفي التعبير عن تاريخ نضاله وعن ثقافته والتحوّلات التي تعرض لها. لهذه الأغنية حضور واسع في التراث الشعبيّ الجزائريّ، وهي متنوّعة بتنوّع المناطق الجغرافيّة والجماعات الحاملة لها ووسائط التداول والمناسبات التي تُؤَدَّى فيها، من بينها على سبيل المثال “الأغنية البدويّة الصحراويّة” و”الآياي” و”الأهلّيل” و”الأهازيج النسويّة” و”المدائح النبويّة” و”مدائح الأولياء الصالحين” و”أغاني المغازي الإسلاميّة”، و”مُرَدَّدَات حفلات الزواج والختان” الخ.. جميع هذه الأشكال لها علاقة وطيدة بالبيئة الصحراويّة وبالجماعات السكّانيّة المقيمة بها. لها ارتباط وثيق بالطبيعة الصحراويّة المتنوّعة، وبالجماعات القاطنة في مناطق الأطلس الصحراوي والسهوب والواحات، كما لها صلة بحياة الناس وبأسلوب معاشهم وحضارتهم وعمرانهم وبتاريخهم. نسعى من خلال هذا الملتقى إلى التعريف بها، والتشجيع على صيانتها وبحثها ونقلها للأجيال الجديدة، وتوطيد مكانتها في الثقافة الوطنيّة وفي التاريخ الثقافي للمجتمع الجزائريّ.
سيّداتي سادتي؛ يجري ملتقانا هذا بعد مرور أيّام معدودات عن ذكرى أحداث 8ماي1945، والتي أسهمت في بلورة ذاكرة المقاومة الجمعيّة ضدّ الاحتلال الفرنسيّ، ولعبت دورا أساسيّا في التهيئة لثورة التحرير المجيدة، وقد سجّلت مدوّنة الأغاني الشعبيّة ذكرى هذه الأحداث إلى جانب وقائع ثورة التحرير وحدث الاستقلال. نلتفت أيضا بهذه المناسبة لما يجري في غزّة من مقاومة لغطرسة الاحتلال ومعاناة الفلسطينيّين من همجيّة الجيش الصهيونيّ، وهو وضع يشبه كثيرا ما عاناه المجتمع الجزائري في 8 ماي وأثناء ثورة التحرير، ونذكّر هنا بأنّ مدوّنة الأغاني الشعبيّة الفلسطينيّة قد سجّلت بدورها فعل المقاومة، وقد رأى المشرفون على الملتقى أن يوفّروا للجمهور وثيقة لمقالة قدّمها أستاذ باحث من القدس متخصّص في دراسة الأغنية، هو “مُعْتَصِم عَدِيلَه”، وهو مدير مركز البحوث والدراسات الإثنوموسيقيّة بجامعة القدس، كان قد شارك بها في ملتقى جرى بالجزائر في نهاية عام 2009، تحمل عنوان: <<نصوص وألحان الغناء الفلسطينيّ بين ثقافة المقاومة وشبح الخوف>>، وهو عنوان كما ترون يعبّر عن فعل المقاومة الجاري حاليّا في غزّة وما يعترينا من غضب ومخاوف بسبب ما يتعرض له الفلسطينيّون من إبادة ممنهجة على يد الصهاينة وحلفائهم.
