نافذة على النقد، ما تبقى لكم من غزة
عبد الرحمن شاهد
التيمتان الطاغيتان على رواية “ما تبقى لكم” للروائي الفلسطيني غسان كنفاني، هما تيمتا الزمان والمكان، وكأن الرواية تريد أن تستكشف أنطولوجيا المكان والزمان من خلال إنسان يشعر بوطأته وثقله. حيث لا أحد يحس بثقل الزمان وبقوة المكان مثل الإنسان الذي سُلبت منه أرضه وأصبح سجينا داخل وطنه.
تبدو غزة وصحراؤها المحتلة في رواية كنفاني وسطا ضاجا بالمكان ومحتقنا بالزمان (الزمن الميت)، ولذلك تمثل الساعة أيقونة دلالية تتردد دقاتها في كل منعطف سردي، وليست الساعة فقط بل نشهد تجليا للزمان عبر ظهورات مختلفة، وكأنه ما تبقى للفلسطيني بعد أن فقد المكان. لكنه زمان ميت ولذلك هو جثة تثقل الروح.
الرواية لا تتعدى تسعين صفحة، فهي اعتبارا لذلك من أقصر الروايات التي يمكن أن تقرأها، وهذا الاختصار عائد إلى طبيعتها اللغوية، إذ يعتمد كنفاني على الاقتصاد اللغوي، “لا مجال فيه للجماليات المجانية” (خالدة سعيد، حركية الإبداع، ص237)
منذ البداية تأخذ الصحراء بعدا حيا، وبما أنها “المكان” وهو يكشف عن وجوده فسيكون وجودا “مريعا” وهذا ما ينقلنا لمفهوم “الرائع” عند كانط في “نقد ملكة الحكم”، الرائع أو السامي أي “العظيم” وما يتخطى حواسنا وما لا قبل لنا بتمثله رغم أنه يثير فينا متعة جمالية. الرائع الذي يتحول في تفكيكية نيتشه إلى “مريع”.
يصر كنفاني على هذه المفارقات، فالمدينة واهنة وصامتة، والصحراء تتنفس وتتحرك، والإنسان قوي وضخم ويتدفق صلابة، وفي الوقت نفسه مملوء بالعجز المهيض الكامل. (كنفاني، ما تبقى لكم، ص10)
ينقل لنا كنفاني عالما يتداخل فيه كل شيء، فقد الحياة ففقد النظام.
حتى أحداث الرواية تتداخل تداخلا عنيفا تداخل ينعكس في حركة الخطاب بين المكان والإنسان، بين الحاضر والماضي، بين الوصف والحوار، ومن الحديث الداخلي إلى الحديث الخارجي، ليعكس عالما روائيا صاخبا عنيفا. ليس لأن أحداثه أو شخصياته عنيفة، وإنما هو “سرد عنيف”، يذكرنا بـ “الصخب والعنف” لفوكنر.
أحداث الرواية تجري ليلا، والمكان هو غزة وصحراؤها، الصحراء في الرواية هي مكان مفعم بحياة مريعة ورائعة، أما “غزة” فتبدو باهتة بدون لون:
“غابت غزة في ليلها العادي… وبقيت أضواء الشوارع معلقة هنيهة، متعبة وواهنة، ثم انطفأت بدورها واحدا وراء الآخر”. (كنفاني، نفسه، ص10).
هذا المشهد الباهت لغزة تقابله الصحراء:
“وفجأة جاءت الصحراء. رآها لأول مرة مخلوقا يتنفس على امتداد البصر، غامضا ومريعا وأليفا في وقت واحد، يتقلب في تموج الضوء… جسدا هائلا يتنفس بصوت مسموع… فأحس بدنه يعلو ويهبط فوق صدرها.
ولم يعد ثمة إلا هو والمخلوق الموجود معه، تحته، وفيه، يتنفس بصفير مسموع، ويسبح بجلال في بحر من العتمة المرصعة” (كنفاني ص16).
استلقى على الأرض وأحس بها تحته ترتعش كعذراء… عندها فقط شدّ نفسه إلى التراب وأحسه دافئا ناعما… فغرس أصابعه في لحم الأرض وذاق حرارته تسيل إلى جسده… -زوجتك أختي مريم- أراح وجنته فوق صدرها الدافئ مرة أخرى- لو كانت أمي هنا- استدار ومرر شفتيه فوق التراب الدافئ: ليس بمقدوري أن أكرهك ولكن هل سأحبك؟ أنت تبتلعين عشرة رجال من أمثالي في ليلة واحدة- إنني أختار حبك، إنني مجبر على اختيار حبك، ليس ثمة من تبقى لي غيرك” (كنفاني،ص17)
يختار كنفاني هذا السرد المتداخل المربك ليعبر عن حالة مربكة مختلة يعيشها الفلسطيني، فيها تداخل بين الأرض والأنثى: (مريم-الأخت) والأم.
لا توجد فواصل أو علامات إحالية، توضح لمن يوجه البطل-حامد خطابه، وهذا سرد مقصود إذ يعمد الكاتب إلى مشاكلة المبنى للمعنى.
الأرض: هي أرض الفلسطيني سلبت منه، وهي في الوقت نفسه الصحراء-المكان المريع.
الأخت مريم: هي الأنثى الوحيدة -التي عاش معها حامد بعد أن فقد أمه في ليل الفرار على الشاطئ- تختار أن تتزوج زكريا الخائن بعد أن حملت منه فرارا من عنوستها.
ومن هنا نفهم اللازمة التي تتكرر:
ليس بمقدوري أن أكرهك، ولكن هل سأحبك؟ إنني أختار حبك، إنني مجبر على اختيار حبك.
لم يتبق من غزة كنفاني إلا الصحراء يهرب إليها البطل، فماذا تبقى لنا من غزة اليوم؟
غزة اليوم تذكرني بحديث للرسول سأل فيه عائشة عن الشاة التي ذبحوها، ما بقي منها؟ فقالت: ما بقي منها إلا كتفها. فقال: “بقي كلها غير كتفها”.
وهكذا بعد أن دمر المحتل كامل العمران، بقيت غزة المكان، وغزة الإنسان، وغزة الحرية، وغزة الضمير العالمي. أنا متأكد لو كان كنفاني حيا بيننا الآن -وهو الذي اغتالته يد الغدر- لكتب عن غزة أخرى، غزة الزمن الحي، والإنسان الحر.
