نوارة التي أبدعت ربيعا
د.زكريا بوشارب/ باحث أكاديمي وناقد جزائري
الأزهار.. الأنوار.. الألوان.. ثلاث كلمات تراصفت لتؤسس نظرية فكر جمالي لا يفنى، نوارة هو الاسم المرادف للزهرة البرية أيضًا، كان في البدء اسمًا لامرأة من نور، وهل تصلح لذلك كالأم، كان أول عهدي بها قديمًا جدًا، لا تكاد تظهر بداياته الأولى إلا في صور ضبابية مع ظهيرة الصيف، ومطر الخريف، وليالي الشتاء، في تلك الفصول التي انتظمت غداة السنة الثانية أو الثالثة من عمري، أما الصورة الأكثر وضوحًا لذكرى هذه المرأة النورانية؛ كانت في فناء البيت القديم الذي احتوى وجودي أكثر من ثلاثين سنة، تحت أنوار شمس الربيع أشرقت أمي في ذاكرتي، كأنَّها شمس خجولة أشرقت لأول مرة، ولو أتيتُ على الشروق اليومي لها فلن تكتمل فصول هذه الحكاية أبدًا؛ والأرجح في النهايات المحسومة سلفًا أنَّ الشمس تغرب في عين حمئة..!
كنتُ طفلاً في براءة الفراشات الملونة التي تحلق بين زهرةٍ وأخرى، قبل أن يدرك نظام الربيع كيف يحرك عقل الطفولة إلى قانونه، فتنتقل عين المتأمل من الطبيعة إلى خالقها، وينتقل قلبه من الجمال إلى مبدعه، وكانت أمي في أصبوحة الربيع تنشر في فناء البيت زربية الألوان الزاهية على حبل الغسيل الممتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لم تكن ألوان الزربية تعنيني في شيء، رغم اشتغال تلك الألوان على الأوتار اللاواعية في النفس، ولم تكن المربعات ذات الأشكال الهندسية في معمارها الكلي تغريني بعملية الحساب كعادتي، لأنها كثيرة ومتنوعة، مختلفة ألوانها المتناسقة، ومتباينة أحجامها المتشابكة، كأن لا أول لها، ولا آخر، فكنتُ سعيدًا برؤية الزربية التي ترى نور الشمس مرة واحدة في الربيع، وتخزِّنها أمي في بقية فصول السنة، ولا تفرشها أبدًا، حتى في المناسبات والأعياد، لأنَّ قيمتها الغالية -بالنسبة لأمي- جعلها محرَّمة على تشكيل أرضية مفروشة لمقيم باقٍ أو ضيف آتٍ، تلك الزربية التي شكَّلت أرضية الوعي الجمالي لأديب قادم، سيكون أثره الأدبي باقٍ في أقدار ما هو آتٍ..!
ما كان يشغلني في تلك الصبيحة الربيعية، قبل زمن الكتابة، بل قبل زمن التأمل والتفكر والحساب؛ هو اللعب بالزربية التي شكلت جدارًا برلينيًّا يقسِّم فناء البيت إلى قسمين، كانت الزربية كبيرة جدًا كألمانيا، ولكنها أجمل، كنتُ أختنق أحيانًا لما أدخل في وسطها عندما تكون معلَّقة على الحبل كأنَّها نفق سرمدي مظلم، لأكتشف في وقت متأخر من الحياة بأنَّ تلك الزربية هي صورة مصغرة للدنيا الجميلة وللذات البشرية، حين اكتشفت بأنَّ كل شيء قد يبتسم في ظاهره، لا يعدم أن يكون له باطن مظلم، حتى القمر الذي يشبه وجوه الحبيبات له جانب مظلم، ولطالما كنتُ شغوفًا برؤية القمر والنجوم في الليالي الصيفية المظلمة، كأنَّ القمر حبيبة تجري إلى مستقر لها وسط حديقة النجوم في السماء، قبل أن تفقد النجوم توهجها في زمن التلوث الضوئي، وقد كانت مدينتي الصغيرة “باغاي” تفتقر للإنارة العمومية، والطرقات المعبدة، والغاز الطبيعي، في أيام طفولتي، فكانت ليالي الشتاء قاسية على خلاف ليالي الصيف، لولا دفء العائلة، وتوهج مدفأة الوقود، وعطف “الحنبل” الذي كنا نغطيه في ليالي الشتاء الباردة، وكان الحنبل طويلاً بالقدر الذي يشملنا جميعًا، فكبرنا تحت عطفه ودفئه، أنا وإخوتي، ولكثرة ما غطيناه شتاءً، وما افترشناه صيفًا؛ تهالك وتمزَّق وبهتت ألوانه الحارة المنتظمة طوليًّا في تدرج مدروس، وبقيت الزربية زاهية بألوانها الباردة تأبى أنوار الظهور وأضواء الشهرة إلا ربيعًا..!
وأتى على أمي حينٌ من الدهر لم تُخرج تلك الزربية إلى فناء البيت، حتى في فصول الربيع، لسببين اثنين؛ لم يعد الفناء متسعًا لها كما كان، وقد أتى توسيع بيتنا الضيق على أكثر من نصفه، وهذا السبب الأول، وأمَّا الثاني مفاده أنَّ أمي تقادم بها السن وتهافتت عليها الأمراض المزمنة، فوهن جسدها ولم تعد قادرة على حمل الزربية الثقيلة بمفردها، وكنتُ إذا عسعس الليل وأرخى سدوله، واشتاق كل معشوق إلى معشوقته، ولا معشوقة لي تستحق الشوق، فأتذكر زربية أمي التي كانت عنوان الشوق إلى أيام الطفولة، فأفتقد وجودها كثيرًا، ويصيبني الذعر عندما أتخيل بأنَّ أمي أهدت زربيتها لإحدى أخواتي المتزوجات، وكذلك تفعل الأمهات، حتى تقصيتُ أخبارها، وعرفتُ أسرارها، واطمأن قلبي لوجودها بين ممتلكاتها، فطلبتُ من أمي أن تورثني زربيتها، ليرثها أبنائي وأحفادي من بعدي، وما كانت لترفض طلبي، وقد فرحت فرحًا، وما جزعت جزعًا، وكان لسان حالها كالعادة؛ طلباتُكَ أوامرٌ يا ولدي، وكذلك تفعل الأمهات..!
وازداد تعلقي بتلك الزربية حبًا على حبٍ، لما استرسلت أمي في رواية حكايتها؛ قالت بأنها نسجتها بأناملها، لمَّا كانت حاملاً بالطفل المولود سنة ١٩٨٩م، وهو زكريا لا غيره، فتلك الزربية توأم لي، قضت أمي تسعة أشهر في نسجها دون كلل أو ملل، استنزلت خلالها أفكارها وخيالها، ولم تكن أمي تعرف صناعة الزرابي في طفولتها، وهو فن لا يكتمل جماله إلا إذا اكتملت عملية جمع الصوف وغسلها وتلوينها بالأعشاب الطبيعية البرية؛ كالحناء، وأوراق شجرة الكاليتوس، وأعواد شجرة الجوز، وقشور الرمان، وشقائق النعمان، والزعفران، وتجفف تحت أشعة الشمس بعد صباغتها، وتغزل خيوط الصوف بعناية الأنامل النسائية مع إضافة لمسات عصرية، لإنجاز تحفة فنية تحاكي تراثًا من الحرفة التي تتوارثها الحفيدات عن الجدات، للتعبير عن الثقافة الشاوية الأصيلة في زمن كان المنسج أداة أساسية في كل بيت، قبل أن تتنكر بنات القرن الواحد والعشرين لإرث الماضي، وهُنَّ غير مسكونات بمخاوف الاندثار لأنَّ الزرابي المبثوثة صارت تباع جاهزة في أفخر المحلات، وقد أدارت الأجيال الجديدة ظهورها لكل صناعة يدوية قديمة حتى بدأت شعلة التمسك بالتراث تنطفئ شيئًا فشيئان، فثلاثة..!
ولم يكن المنسج غداة الاستقلال من الأدوات المستعملة في بيت جدي لأمي “الحاج عثمان”، وكان خالي “الحاج الطاهر” رئيسًا للبلدية في ستينيات القرن الماضي، فأهداه أحد أصدقاء تلك المرحلة زربية جميلة، فأُعجبت أمي بالزربية البديعة، وكانت تختلف في ألوانها وأشكالها عن الزرابي المعروفة في ذلك العهد، فأرسلت أمي في طلب المرأة التي صنعتها، وكذلك تفعل الأميرات، لتتعلم منها فنون الرقم والنسج، فأطلقت العنان لمخيلتها وأحاسيسها لرسم لوحات فنية ساحرة تنبض بالحياة على المنسج الذي استلفته من عمتي، لتُحوِّل الخيوط الصوفية الملونة في يديها إلى ريشة مطواعة تعبر بها عن لحظات الفرح والحزن والعشق والانتظار والأحلام، كأنها ترسم صفات ابنٍ قادم سيرث تلك الزربية، وهي لا تدري..!
والغريب أنَّ تلك المرأة المعلمة، وهي من عائلة فقيرة؛ تعلَّمت نسج تلك الزربية بجمالها وجودتها وألوانها البرَّاقة، لما كانت طفلة صغيرة ترعى الأغنام على سفوح جبال الأوراس، حيث أقامت بجوارها منازل البدو الرحل من قبيلة “أولاد نايل”، ولفت نظرها البريء جمال زربية منصوبة تحت الخيام المرفوعة، بألوانها الحمراء والزرقاء والخضراء والصفراء، فأسرعت إلى حفظ تقاسيمها وعقدت في إزارها عدد أرقامها؛ لأنَّ عادة النساء في المنطقة أن يشتغلن في نسج الزرابي اعتمادًا على حسابات رياضية ووفق أشكال هندسية مضبوطة، فأحكمت حفظ قوانينها الجمالية كي تنسج على منوالها هدية تُهدى بمحبة لا تشوبها مصلحة، وحرفة تُلقن بمهارة لا تخطئها العين، مستمدة خيالها من امتداد الصحراء الكبرى دون أن تنسلخ عن جذورها وأصالتها المنبثقة من جبال الأوراس الشامخة، حتى تستقر حكاية تُكتب ذات مهارة أخرى في سجل التاريخ، والتراث خيرٌ وأبقى..!
