أنــيــــــس الـحـــي

أنــيــــــس الـحـــي
4.3
(6)

 إنصاف كركب / الجزائـر ( إلى روح محمد بوترعة ) ٠

في أحد أزقة هذا الحي العتيق، يقف كالمعتاد ويلقي بكتفيه على جدار يعرفه جيدا، أفضل من معرفة سكان الحي له، فلعلّ كلّ جدران هذا الشارع وأرصفته تكلّمه بما لا يكلّمه النّاس، لعلها ترعاه لنقائه و وفائه ، فعندما تغير الجميع، حين رحلوا عنها وتركوا دفء أحضانها بعدما عانقت طفولتهم، كان هو الوحيد الذي لم يتغير، ابنها البارّ الذي يلازمها طيلة الوقت. يقف هناك منتظرا الجميع، تمرّ بجانبه قطة فيمسكها من خلف عنقها ويردّد ضاحكا:« ڨطة…مياو ». يؤذن العصر فيكتظّ الشارع بالمصلين، يفرح، يتبعهم وهو يجرّ قدميه كرضيع يتعلّم المشي لأول مرة، بالصورة ذاتها يستيقظ كلّ صباح كأنه يستيقظ لأول مرة، ويخرج إلى نفس الشارع وكأنه يخرج إليه أول مرة، و طبعا يسلّم على المصلين..ككل مرّة، يحبونه ويحبهم، يسألونه عن حاله فيردّ بعفوية :« غاية غاية! » ويضحك. بعد قليل يخرج الأطفال للّعب، ينادونه: « محمد حاوقنا… محمد حاوقنا»، يلاحقهم فيهربون مفزوعين إلّا طفلة واحدة تمسك يده وتقول له : « هيا نحاوقوهم مع بعض »، يسألها ببساطته: « وين راهم ؟ ». أحيانا، يشتري له المارّة علب شكولاطة لأنه كثيرا ما يطلبها، لكن هناك من يترصّده ليسرقها منه ويعطيها لأولاده، لا يعرف كيف يستردّها لذا يضحك ويكرّر : « هاتْ لي شيكولا… هاتْ »، لكنّ السارق لا يعيدها ومع ذلك لا يكرهُه “حمّو”، لا يفهم الكراهية بل لا يفهم الكثير من الأشياء لذلك يقولون عنه (عڨون/مهبول/مجنون)، إلا أنّه يفقه ما لا يفقهون، إنّه يفقه الحب ويوزّعه عليهم. كبر الأطفال وجاء بدلهم أطفال آخرون، كبرت الطفلة التي لا تخافه، توقّفت عن إمساك يده لكنّه لا زال يسلّم عليها كما كان يفعل سابقا ويخبرها عن ابنة أخته :« أميرة راحت» فتبتسم وتسأله :« وين راحت ؟» فيجيب: « راحت تقرا ».أحيانا تعطيه قطعا نقدية ليشتري الشكولاطة، صارت تتصرّف كما يتصرّف العابرون، كبرت هي بينما بقي هو طفلا في بداية طفولته عالقا في مقدمة رواية جميلة، فقدت هي شيئا من براءتها و على عكسها:ما ينفكّ عن كونه بريئا دوما، بريئا كأول مرّة وفي كلّ مرّة، حَمْل البراءة إلى الكهولة أمر لا يطيقه الجميع، وحدهم الصالحون يطيقونه. ما زال يلاحق الأطفال ويرتاد المتاجر والمقاهي فيعانقه البعض ويطرده البعض الآخر… ذات “أحدٍ” نام “حمّو” لآخر مرّة ، ارتقى إلى حيث ينتمي نقاؤه الأكبر؛ بكى سكان الحي على فراقه، بكت الطفلة التي لم تخفه، وكان النصيب الأكبر من الحزن لجدران وأرصفة “خميستي” التي مضى وتركها للوحشة.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 4.3 / 5. عداد التقييمات: 6

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *