إيزابيل ايبرهارت ملهمة الروائيين
بقلم الدكتور بوداود عميّر/ الجزائر
ألهمت حياة ايزابيل ايبرهارت قرائح العديد من الروائيين الجزائريين باللغتين الفرنسية والعربية، فكتبوا عنها أعمالا روائية جميلة؛ أذكر في هذا الصدد، رواية “سكوت، العارفة إيزابيل تتحدّث” للباحث والأكاديمي الدكتور عبد القادر عميش؛ وقد كتبها بلغة صوفية راقية، رواية استوحى أحداثها من تجربة ايزابيل الصوفية في انتمائها للطريقة القادرية؛ هناك رواية أخرى مهمة، للكاتب والإعلامي سعيد خطيبي، تحمل عنوان “أربعون عاما في انتظار ايزابيل”، صدرت بالاشتراك بين منشورات الاختلاف الجزائرية وضفاف اللبنانية؛ رواية حتى وإن لم تتناول حياة ايزابيل كثيمة رئيسية، لكنها استندت إلى مسارها كخلفية، في تناول قضايا ذات الصلة بموضوع الآخر والاغتراب، وهناك رواية ثالثة مهمة عنوانها “عرائس الرمل” للكاتب والأكاديمي محمد حسن مرين. روايات ثلاث، كتبها كل روائي برؤيته السردية الخاصة وأسلوبه في تعامله مع ثنائية الواقع والخيال في تناول حياتها أو جزء من حياتها.
صدرت رواية “عرائس الرمل” لمحمد حسن مرين، عن دار التنوير بالجزائر، وتعتبر واحدة من الروايات المتفردة في أسلوب كتابتها وطريقة سردها، في مزجها بين الواقع والخيال، وهي تتناول جانبا حافلا بالأحداث المؤثرة في رحلة ايزابيل ايبرهارت صوب الصحراء الجزائرية. حاول الروائي من خلالها أن يقتفى أثر ايزابيل ايبرهارت، وهي تجوب الصحراء الجزائرية من الشرق إلى الغرب، بعد أن اختارت عن سبق إصرار حياتها البدوية، بعيدا عن ارستقراطية جنيف المدينة السويسرية حيث ولدت وترعرعت، وهي تسجّل لحظات رحلاتها المضنية والممتعة، انطلاقا من وادي سوف المدينة التي أحبتها وأطلقت عليها مدينة الألف قبة؛ وانتهاء بالعين الصفراء، المدينة التي أحبتها هي كذلك، وأطلقت عليها وصف العاصمة الصغيرة لمنطقة الصحراء الوهرانية.
استند محمد حسن مرين في سرده، على يومياتها وملاحظاتها ومقالاتها الصحفية، وخاصة قصصها التي كانت عبارة عن مزيج من التحقيق الصحفي والقصة التوثيقية، بحيث كانت تحرر مقالاتها الصحفية بصيغة غير بعيدة عن السرد، في إطار منهج يعتمد أساسا على المعاينة والمعرفة المقرّبة.
الرواية بتلك الرؤية السردية الحديثة، من خلال تطويع ضمائر المخاطبة وفق سيرورة الزمن، حتى وإن استعصى عليك تتبع خيط الحكاية، التي يستدعي لإدراكها قراءة فاحصة ومتمعنة، لكنك لن تخرج خالي الوفاض، ستستمتع بلغة باذخة نسجها ببراعة محمد حسن مرين؛ وهو الأمر الذي دفع بالقائمين على الشأن التربوي الجزائري، إلى اختيار أحد نصوص الرواية، ضمن الكتاب المدرسي للغة العربية، وهو النص الذي تحدث فيه الروائي، عن سوق العين الصفراء، الذي يأتيه القبائل البدو من كل جهات الوطن، كتبته ايزابيل، وأعاد صياغته الروائي بأسلوبه.
اخترت مقطعا جميلا وموحيا، يتحدث فيه الروائي على لسان ايزابيل في مناجاة، ترسم ملامح فلسفتها في الحياة:
“تساءلت في مرات عديدة، في كل محطة على طريق سفري، فوق دروب تيهي، على سبيل الترحال، إلى أين أمضي؟ أنا التي أغمضت عيني عن الماضي وعن القادم، ورضيت بحياتي البدوية، إنني ملكت القناعة والغنى السماوي، الذي يجعلني راضية بقدري، يكفيني من الحياة متعتي في سفري الدائم، وفي فتنة الشغف المضطرم على أسطح البلدات الصحراوية، تكفيني حريتي في هذه الآفاق السحرية، حريتي هي سعادتي الوحيدة، وسفري وحبي للصحراء وهو الذي أعاد إلى يُتمي ألفته، وعوضني طفولتي الضائعة وأهلي الغائبين… وكلما فقدت بلدة صحراوية وجدت بلدة أخرى في طريق منفاي، أنا بنت الرمل والشمس… وجدت في الصحراء عزائي وسعادتي، ووجدت في الحرية السعادة التي تناسب قلقي، وأخيرًا وجدت بين الأهالي الصحراويين، عند بسطاء الريفيين والبدو، عيون وينابيع الإنسان بداخلي، أرجع في الصحراء إلى ينبوع الحياة الحقيقية، الحياة غير المزيفة، أغور في رمال الصحراء، في أعماق الإنسانية…”
“عرائس الرمل” لمحمد حسن مرين، رواية ممتعة لغة ومشوّقة حكاية، نجح مؤلفها ببراعة في تحويل نصوص مبعثرة بين مخطوطات إلى نصوص تنبض بالحياة، صنع منها مسارا حكائيا متجانسا. رواية لم تتح لها – لسبب أو لآخر – فرصة الانتشار والترويج؛ وما أكثر الروايات الجميلة عندنا التي لم تتح لها تلك الفرصة.
