تماس 3 بين بول وبول.. أكسفورد ترشح السّامبا!
حجم الخط:
عزالدين ميهوبي
عندما نتحدث عن الجاذبيّة نذكر نيوتن، وعندما نستحضرُ النسبيّة نستعيد طيّب الذكر أينشتاين، وعندما ننظر إلى المصابيح يتبادر إلى الأذهان إديسون، وعندما نشاهد فيلما هنديا نتذكّر جانيتو، وعندما نقرأ عن الحرب نذكر هتلر ، وعندما نسمع 11 سبتمبر تخرج القاعدة من كهوف أفغانستان، وعندما نتحدث عن مونديال جنوب إفريقيا نتذكر جابولاني وفوفوزيلا والأخطبوط بول..
هكذا يرتبط الشيء بالشيء، ويكون المكان ظلا للزمان، والتاريخ مرادفا لوقائع لا تنسى، فيصنع بعضها المجد، وتصنع الصّدفة مجدًا لمن لم يسعوا إليه. ولعل أبرز هذه الأشياء ما تحقق في مونديال إفريقيا. فقد انتظر الناس بروز ميسي فخطفت الأضواء كرة جابولاني، واعتقدوا أنّ كريستيانو سيتألق لكن الفوفوزيلا كان أقوى إيقاعا منه، وقال الناس إنه مونديال مارادونا المدرب لكن تبيّن أن حصاد المونديال كله عاد للأخطبوط الألماني الإقامة الإنجليزي المولد بول، الذي راهن على أن تؤول المباريات إلى منتخبات معينة ولم يخطئ، فصار حديث العالم كله، وقال باحثون إن مستوى الخطأ في الاحتمالات لديه أقل من واحد من المائة!.
أسَال هذا الكائن البحريّ حبرا كثيرا، وتبارى من أجل الحصول عليه عشرات رجال الأعمال الذين رأوا استثمارا حقيقيا لكسب المال والشهرة.
مات الأخطبوط بول ليلة 26 أكتوبر، فأفاق العالم على أكثر من 300 ألف تعزية وتأبين في ساعات.. ولم تتوقف المنتديات والمواقع الإلكترونية من الحديث عنه وعن إنجازاته الخارقة، وذهب بعضهم إلى ضرورة فتح تحقيق في موت بُول لأن هذا الكائن المثير للدهشة تعرض قبل المونديال إلى تهديدات حقيقية استهدفت حياته بعد أن قال بهزيمة ألمانيا، ولم يرحمه اليمين الألماني المتطرف الذي تعامل معه بعنصرية وطالب بتقطيعه إربًا إربًا ورميه للكلاب..
بول هذا، لا يتكلم ويتحرك في حوض ماء لا يتجاوز المتر المربع الواحد، أثار شهية الناس في القارات الخمس، وأخذ حيزا في اهتمامات الساسة والإعلاميين والخبراء في العلم والفلك وقراءة الفناجين من أمريكا إلى الصين!.
ولعل من المفارقات العجيبة أن الناس تعرفوا في العام 2010 على “بول Paul”، لكنهم تعرفوا قبل أربعين عاما على الكلبة “بال” التي لعبت بطولة كثير من الأفلام السينمائية، وتعرفوا قبل نصف قرن على الكلبة “لايكا” التي سبقت يوري غاغارين ونيل أرمسترونغ إلى اكتشاف الفضاء.. وهكذا تأخذ الحيوانات والكائنات البرمائيّة حيّزا كبيرًا في اهتمامات البشر، لمجرّد أنّ لها ملكة غير اعتياديّة. فالأخطبوط العرّاف كان يستبق نتائج المباريات مما يدفع الفضوليين إلى الدخول في مراهنات، وينتظرون رأيه، فيكسبُون من وراء ذلك.. الكثير.
هذه المرّة، مع انطلاق مونديال الدوحة، تخلّى الناس عن تنبؤات الأخطبوط بول، واتجهوا إلى عالم الرياضيات بول. ذلك أنّ جامعة أوكسفورد ذائعة الصيت، وذات المرجعيّة في المعرفة، حشرت أنفها في قراءة طالع المنتخبات في مونديال قطر، حيث نشرَ الباحث في الرياضيات جُوشوا بول Joshua Bull توقّعاته باستخدام منطق الإحتمالات، ليصل إلى أنّ الكأس سيظفرُ بها منتخب السّامبا البرازيلي بعد أن يطيح بمنتخب بلجيكا في النهائي. كيف ذلك؟. وضعِ عالم الرياضيات بول نموذجًا لمحاكاة مرحلة المجموعات مليون (1000.000) مرة، وحصل على النتائج الأكثر شيوعًا ومعرفة المنتخبات التي تملك قدرة المنافسة والتأهل، ثمّ وضع خوارزمية بمحاكاة كل مباراة تكون نتيجتها فوزًا حتميًا مائة ألف (100.000) مرة، وكانت محصّلة النتيجة النهائيّة هي نيل البرازيل النسبة الأعلى (14.72٪).. فإذا كان بول الأخطبوط لا يكلف نفسه عناء الحسابات المعقدة، إذ يكتفي باختيار صندوق يحمل اسم إسبانيا ويبتعد عن صندوق هولندا فيكون اللقب لمنتخب لاروخا.. أما بول أوكسفورد فإنه وضع محصّلة معادلات وحسابات واحتمالات وخوارزميات ليخبر النّاس أن الكأس سيحملها نيمار حتّى يتصالح مع الرئيس لُولا داسيلفا الغاضب منه.. ومع ذلك نقول كذب المنجمون ولو كانوا.. في أكسفورد!
شهادة النشر والتوثيق الأدبي المعتمدة
هذا العمل منشور وموثق رسمياً في مجلة إمزاد الثقافية ويحمل رمز تحقق رقمي فريد.