بقلم: عزالدين ميهوبي
زُرها.. ولا تخف!
حجم الخط:
اتصل بي صديقٌ يشتغل في حقل الثقافة، ويقيم في بلدٍ أوروبي. سألني: “لو جئتُ بلدكم لأجل قضاء أيّامٍ.. بم تنصحني؟” ولم يكن زار الجزائر قبل أن يبدي رغبةً في ذلك.. قلتُ لهُ: “سأرسلُ لك فيلمًا عنوانُه (الجزائرُ من علِ)، أنتجته وزارة الثقافة الجزائريّة بالاشتراك مع مؤسسة إنتاجٍ خاصّة يديرها المخرج العالمي المختص في الأشرطة الوثائقيّة، يان أرتوس بيرتران. وعندما تنتهي من مشاهدته، وأسمعُ رأيك، سأقترحُ عليك زيارة مواقع أخرى ذات دلالة ثقافية وتراثية، لم يشر إليها الفيلم”. أرسلتُ له رابط الفيلم، وانتظرتهُ حتّى آخر المساء، ليتصل بي ليلاً ويقول لي: “لقد شاهدت الفيلم ثلاث مرّات، وفي كل مرة أشعرُ أنني أشاهده للمرة الأولى. يا أخي، ترتكبون حماقة في حقّ بلدكم، وتجنون عليه وعلى أنفسكم. لماذا تخفون هذا البلد الجميل عن عيون العالم. سأجيئه ولو مشيًا على قدميّ..”. شكرته علىصفعة اللوم، وقلتُ لهُ: “هناك مواقع، تكاد تكون منسيّة، عليك أن تزورها.. هي أشياء لا يعرفُها إلاّ كهنة معبد الثقافة. ستزور مغارة الإسباني ميغال دي سيرفانتيس، صاحب رائعة دونكيشوت، حيث قضى سنوات مختفيا عن الأنظار، يترقّب لحظة وصول سفينة إسبانية، فيهربُ إلى موطنه بعد أن قضى أعوامًا في زنزانةٍ بالجزائر، عندما قُبض عليه. لم يكن مجرّد ساردٍ متفرّد، بل كان محاربًا صليبيا، عاد من القدس بذراعٍ واحدة، تاركًا ذراعهُ الأخرى في إحدى تلال فلسطين.. وأدرك حينها أنّ جيش صلاح الدين لا توقفُه طواحين الريح. وستزور خلوة عبقري علم العمران عبد الرّحمن بن خلدون في تاوغزوت القريبة من فرنجة بتيهرت، وستسأل كيف خرجت المقدّمة الشّهيرة من هذه الحفرة الصّخريّة، وغير بعيد عنها أوصى المستشرق جاك بيرك بأن يُحفظ إرثهُ من كتبٍ ومخطوطات في مكتبةٍ تحمل اسمه في بلدة فرندة التي أحبّها وتعلّق بها.. وعلى مسافة منهما تزور أهرامات الأجدار الثلاثة عشرة التي هي مدافنُ أمازيغيّة قديمة رباعية القاعدة شُيّدت على تلال تُوسنينة، وتزور زيتونة القديس أوغستين بسوق أهراس حيث قضى جانبًا من عمره في ظلّها يتأمّل ليكتُب مدينة الله، وتزور في تبسة كنيسة القدّيسة مونيكا المرأة التي قضت عمرها تصلّي ليكون ابنها صالحًا بعد شباب قضاه منحرفًا، وحين تخلّى عن طيشه، اكتشف النّاس أنّهُ أكثرُ من جدّد في المسيحيّة، إنه أوغستين. وتزور مدينة مداوروش حيث وُلد أوّلُ روائي في التاريخ، المفوّه صاحب المرافعات، لوكيوس أبوليوس، الذي تركَ إرثًا لا يُجارى، كتاب الأزاهير والحمار الذّهبي. وتزور منطقة سيدي خالد، القريبة من بسكرة، حيث تذكر كُتب الأثر أنّ النبي خالد بن سنان العبسي، هو دفين تلك الأرض، ويقولون إنّهُ نبيٌّ ضيعهُ قومه، ظهر بين بعثة عيسى ومحمّد عليهما السلام، زرهُ حتّى وإن نزاعنا فيه آخرون في بلاد المشرق، وإذا أردت شيئا من الموروث الشعبي، ففي سيدي خالد تسمع أرقّ قصّة حبّ بين حيزيّة وابن عمّها سعيّد التي تتغنّى بها القلوب “عزّوني يا ملاح..”، وتزور قبر الفاتح عقبة بن نافع غير بعيدٍ عن بسكرة حيث مجمّعه الديني الكبير، وتأخذ نصيبك من بلحها ودقلة نورها، وتزور في تلمسان ضريح العالم الصّوفي سيّدي أبي مدين الغوث الذي حارب الصليبيين إلى جانب صلاح الدين، وعاد بذراعٍ واحدة هو كذلك، بينما دفنتِ الأخرى بتلك الأرض المباركة، بعد أن ترك وراءه بابًا للمغاربة الجزائريين بالقدس، شاهدًا على جهاده ومن كانوا معه، وغير بعيدٍ عنه في منطقة سيدي يوشع في تلمسان، يمكنك أن تقف على قبر النبي يوشع بن نون الذي ارتبط اسمه بكليم الله موسى، هو أصيل تلك الأرض كما جاء في عديد الروايات. وتزور خلوة سيدي أحمد التيجاني مؤسس أشهر طريقة في العالم، التيجانيّة، في بوسمغون، حيث قضى الرجل الصّوفي الصّالح أكثر من عشرين عامًا متعبّدا، يحتكمُ إليه النّاس في شؤون دينهم ودنياهم، دون أن أنسى مرقد الكاتبة والمستكشفة إزابيل إيبرهارت بعين الصفراء، هذه الأيقونة السويسرية التي أسلمت وفتنتها صحراء الجزائر وصارت مأخوذة بمتصوفتها، وقضت في طوفان ولم تبلغ الثلاثين، ليتحوّل قبرها إلى مزار وكأنها قدّيسة الصحراء.. وهناك مواقع أخرى سأستحضرها عندما تأتي.. وفي الختام تزورني طبعًا، فنتناول وجباتٍ وأطباقا لن تعثر عليها في فنادق خمس نجوم.. لا تُحسن طبخها إلاّ أمّهاتنا الماجدات”. قال لي: “انتظرني بعد يومين”.. قلتُ له “لا يمكنك المجيء. لقد أعلنوا عن حجر صحيّ غير محدود بسبب كورونا..”..
مرّت أشهر على رفع الحجر. اتّصلتُ بصديقي، قال لي “عندما ينتهي مونديال قطر.. أجيء. المهمّ ادع معي لتفوز كوستاريكا!”..
شهادة النشر والتوثيق الأدبي المعتمدة
هذا العمل منشور وموثق رسمياً في مجلة إمزاد الثقافية ويحمل رمز تحقق رقمي فريد.