وداعا أبو سعود..
لكأن جبلا انهدّ برحيلك أيها الرجل الاستثنائي. أنت الذي منحت الشعر والابداع ما لم تمنحه مؤسسات مختصة، وانتقلت عبر عواصم العالم مبشرا برسالة السلام من خلال القصيدة، فأنفقت من مالك ما تعجز عنه فعله دول، ونظمت دورات في كل العالم تاركا وراءك إرثا يليق برجل يستحق البكاء.
لا أعتقد أنّ عالم الأدب والثقافة وخدمة القيم الإنسانية سينجب واحدا بقيمة ومقام الشاعر وصاحب المبادرات الثقافية عالية الأداء، وأعني به الأستاذ عبدالعزيز سعود البابطين.
رجل من طينة مختلفة تماما، لماذا؟.
كتبت قبل عشر سنوات منشورا قلت فيه:
طرقت، أيام اتحاد الكتاب الجزائريين، باب واحد من أثرياء الجزائر طالبا منه تقديم دعم للعمل الثقافي، إمّا بإنشاء جائزة سنوية تحمل اسمه ويرعاها، أو شراء مطبعة للاتحاد، أو التكفّل بعلاج أحد المرضى من الكتّاب، فقال لي “اكتب لي رسالة تتضمن هذه الأفكار، وسأدرسها وأردّ عليك سريعا.. وانتظرت شهرًا دون أن يأتي الجواب. والتمستُ للرجل ألف عذر فهو يتنقل بين عواصم العالم لعقد الصفقات وقضاء الحاجات (..) وجدّدت الطلب، عسى ولعلّ، دون أن يأتي الردّ المنتظر، وأرسلت ثالثة وانتظرت ثلاثة أشهر، ففهمتُ أنّ الثريّ الجزائري لا يعنيه أمرُ الثقافة في شيء، وأن يستثمر في الماء الملوّن أفضل له من التكفّل بعلاج.. كاتب يغنّي للأطفال.
في الصورة المقابلة، رجلٌ يعقد الصفقات، ويبارك له الله في رزقه، اسمه عبد العزيز سعود البابطين، شاعر له أيادي بيضاء على الثقافة والإبداع، فكنتُ شاهدا على موقف ببيروت 1998، حيث تقدّم من الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي لمّا رآه مرهقا جدا، قال له “أراك متعبا يا عبد الوهاب” فأجابه “صحيح، وأشعر أنّ حالي لا يسرّ..” فجاء الردّ سريعا “اختر أيّ مستشفى في العالم، وأنا جاهز لكل المصاريف.. لا نملك اثنين منك”. فقام البياتي من مكانه، وقبّل البابطين وهو يقول “كلام كهذا، أفضل من أيّ مستشفى”. هل رأيتم الفرق بين الثريّ.. والغنيّ.
هذا الرجل غادرنا على حين غرة، وهو الذي أنشأ مؤسسة تعنى بجمع الموروث الشعري العربي عبر تاريخه، وتكفل بإصدار المئات من الكتب والمعاجم التى بذائقة العرب وديوانهم في التاريخ، الشعر، وأوجد لكل بلد نصيبا من التوثيق والتعريف بأعلامه من الشعراء. لقد أنتج ما تعجز عن فعله دول بمؤسساتها، إذا اقتطع جزءا من أمواله لهذا المشروع غير المسبوق، وأكثر من هذا فقد دأب على تنظيم دورات للشعر العربي والأجنبي في بلاد العالم، يدعو إليها المئات من الكتاب والأدباء ورجال السياسة، وقد تشرفت بحضور أغلبها، بيروت والكويت والمنامة والخرطوم ومراكش والجزائر وسراييفو واليونيسكو ولاهاي وقرطبة وشيراز وبروكسل وأوكسفورد.. فقد تطور أداء المؤسسة من رعاية الشعر إلى رعاية ثقافة السلام،
زار الجزائر مرات عديدة، وتكفل ببناء ثانوية بولاية الأغواط وعدد من السكنات التي خصصت لضحايا الإرهاب.
تشرفت بالانتماء إلى مجلس أمناء مؤسسة عبدالعزيز البابطين من 2000 إلى 2007، قدمت ما أمكنني من جهد وأفكار لتحقيق أهداف هذه المؤسسة الرائدة في خدمة الثقافة والابداع، وتعرفت على قامات كبيرة من أمثال الطيب صالح، عزالدين إسماعيل، فاروق شوشة، خالد الشايجي، مايكل فرندو، علي عقلة عرسان، كمال عمران، عبدالعزيز السريع وغيرهم من أساطين الكتابة في الوطن العربي..
لو ألفت كتابا في ذكر مناقب الفقيد الكبير أبو سعود ما وفيته حقه، فالرجل استثنائي في حقل الثقافة العربية..
رحم الله أبا سعود، وأنزله المنزلة التي تليق بصدقه وخدمته النبيلة لأمته والدفاع عنها وعن موروثها الثقافي والإبداعي، ورزق الله أهله وأبناءه وإخوته وأقاربه وأسرة الثقافة العربية جميل الصبر والسلوان. وخالص العزاء لدولة الكويت وقيادتها وشعبها الكريم.
إنا لله وإنا إليه راجعون