تَـقريرُ “بُستانيِّ الـمَلِكَة”
ميلود خيزار/الجزائر
1
مَولاتي،
أمسِ، قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ بِـغمزة، فَاجَأتُ “الواشِنطُونِيا”
تَدُسُّ رأسَها الأشعَثَ في نَافِذَةِ غُرفَتِكِ العَالِية.
نَظرَتْ إلَـيَّ بخَجلٍ بالغٍ، و أظنُّـها اعتذَرَتْ بلَباقةٍ و أشارْتْ إلى عَازفِ “تانغو الرّيح”.
و هَمسَتْ لي: لا تُخبِـرْ مَولاتي أنِّـي قِستُ طُولي بقامَتِـها الـمَلكيِّة (تَعرِفُ غَيرَةَ النِّساء).
2
لا أدري لماذا تَـرتَدي “الجَهنَّميّةُ” فُستانَـها الأحمرَ هذا المساء
أتُراها، المسكينةُ، ثَمِلَتْ بِغنائِكِ القادِمِ في غُرفةِ نومكِ.
(لو أنّي أعرفُ ماذا كان يَجولُ بخاطرها
و هي تَتـرنَّ،ـحُ غُنجًا بينَ ذراعيّ ضَوءِ المِصباحِ الأنيق).
3
أهِ، مَولاتي،
لقدْ شَرِبَ خَطُّ “النَّرجسِ الشّاعريِّ” الجَديد
حتّـى انفَجرَتْ أجراسُ زَهراتِهِ البَيضاءُ في وَجهِ كَنسيةِ الظهيرةِ.
لكنّهُ قَتَلَ، بِدَمٍ باردٍ، نَبتَتَـيْ قَرَنفُل، في الجِوار.
(و أمرُهُ عائِدٌ إليكِ).
4
لا أدري مُنذُ متَـى و هُما على ذلك العِناقِ الرُّومانسِيِّ،
و لا إلى أينَ تُحلِّقُ بهما أجنِحةُ خَيالِهما البَـرِيِّ،
– زَهرَتا الأخيليا السَّوداء –
(هذه أوّلُ مَرّة أرَى فيها “الطِبَّ البَديلَ” مَحمُومًا).
5
كهالةِ نَـهدَينِ خُرافِيّيـنِ
تَتحلّقُ بَتلاتُ زَهرَتيِّ الأقحُوانِ
حولَ خاتَمَين من الذّهبِ النّباتيِّ الخالِص.
(خاتَمانِ يَلِيقانِ بأصابعِ عاشِقَينِ من رَعايا مَملَكتِك).
6
شَجرةُ الـجَوز الـمُعمِّرَة
تَغمِسُ، بغُنج سافِرٍ، ساقَها الوَحيدةَ
في ساقيةِ صَوتِك.
فتَـرقُصُ روحُها، حتّـى تَرتَعشُ الأوراقُ.
(لا يُسعِفُني الخَيالُ لوَصفِ ذلك لمولاتي).
7
يَكفي أن تُصغيَ بامتلاءِ العَاشِقِ
إلى حَفيفِ تَنـهيدَةٍ واحِدةٍ
على الوَرَق اليابِسِ للَحظةِ الوَداع.
بكلّ كبرياء، تَرقُصُ ورقةُ التّوت،
حاضِنةً فَداحةَ السّقوط من أعالي “فكرةِ البَيتِ”
(بعضُ الموتِ ميلادٌ خالِصٌ، مَولاتي)
8
عَشرُ بَكُوريّاتٍ
شُموسٌ صَغيرةٌ طلَعتْ شَرقَ السِّندِيانَة
تليقُ أزرارُها الذّهبيّةُ بمِعطفِ ظلّك.
(هل أقطِفُها كلَّها… لِيَدفَأَ مِعطفُ انشغالاتِكِ، موَلاتي؟)
9
لنْ أحدّثكِ عن شِرذمةِ النّحلِ التي هاجَمتِ أمسِ
أزهارَ اللّيمونَتَينِ،
لكنّي سَمعتُ نَحلةً، على الأقلّ،
تَـهمِسُ إلى رِعشةِ غُصنٍ ببُشرَى مَوسِم وَفير.
(هل أصدّقُ النّحلَ، أم أهدئُ روعةَ الغُصن ؟ أشيري على بُستانيّك الحائرِ، مَولاتي)
10
ها هو ذا العُصفورُ الطنّان
يَدُسُّ مِنقارَهُ في زَهرةِ جَرسٍ حَليمَةٍ
و يَرضَعُ حليبَ النّدَى مَمزوجًا بالرّحيق.
أخشى على العصفور من صدمة النبوّة.
11
لقد طمَسَتْ ضَفائرُ الياسَمينةِ
وَجهَ السِّياج الوَهميّ لمربّع النّعناع، حتّى فاضتْ على كَتفَيه.
ما أتعسَ سياجا وهميّا، تُمزّقُ روحَهُ
مَخالبُ أشهى العُطورْ.
(هل أربّتُ على قَلبِه، باسمِكِ، لـمُواساتِه ؟)
12
كطواويسَ، تَتحلّقُ حَول نافورة ضِحكتك،
نافشًةً ذيولَها الملكيَّة، مَزهوًّةً بريشِها الأرجُوانيّ.
أصائصُ الخُزامَى،
(هل أَنْتِفُ لمولاتي ريشةً من ذَيلِ طاووسِ الصَّدَى ؟)
13
نافِذتانِ مُشرَعَتان على جَنّتِـها،
هُما عَيناك.
و كلُّ ما الجنّةِ ليسَ أكثرَ من نَظرةٍ واحدةٍ
تَحسَبُـها الطّبيعةُ طَقسَ صَلاة.
(حتّى أنّ شَجرةَ الكاسيا لَتَرفعُ إليكِ أزهارَها الصّفراءَ بالدُّعاء)
14
هذه الوَردةُ البالغةُ الحُمرة
هي روحٌ جَريحةٌ، تأخّرَ نَزيفُها
و تَدفّقَ، دُفعةً واحدةً، لرُؤياك.
(ما أقسَى علاماتِ البلوغِ المتأخِّر، تَقولُ مَولاتي)
15
بزَهرَةِ عُطاس،
يُضمِّدُ جَرحَ كِبريائهِ،
أنفُ الـمَلِكةِ المُفرطُ الحَساسِيّة.
(أحدُهُمْ يُفشِي أسرارَكِ الـمَلَكيَّةَ، مَولاتي)
– بُستـانـيّك –
