فاصلة صغيرة؛ حول درس الفلسفة والموجة/ الموضة الديكولونيالية
محمد أبو هاشم محجوب/تونس
سأعبر عن فكرتي ضمن مفهومية تحاول أن تبقى فلسفية، ولذلك سأقول إنّ الانتماء الكلامي (في معنى الحجاج الجدلي الرشدي مثلا) إلى الفلسفة هو شكل من أشكال خذلان للفلسفة. لا بد من البقاء ضمن الفلسفة، ضمن الرّوح الفلسفي، حتى في أشد المواقف واللحظات النقدية والتفكيكية والتقويضية منها، بل حتى في أقصاها تشنجا. ولا يمكن البقاء داخل الفلسفة من خلال اتخاذ قرار بأن نجهلها وأن ندير وجوهنا عن معرفتها .. هذا المنزع هو الذي شبهته بممارسة العدول المنفذين الذين يحصون ما للغير من أجل بيعه في بتة .. لست مع الإحصاء وثبت قائمات الجرد ورصفها تحت التصنيفات المتسرعة. كل المواقف ممكنة ومشروعة ولكن الفلسفي منها هو ما يتجاوز مجرد الحكم التصنيفي إلى المعرفة بالدقائق (finesses) واللطائف (nuances). لا يمكن تحويل الدرس الفلسفي إلى خطبة يوم جمعة ولا إلى عظة يوم أحد ولا غيرهما .. الدرس الفلسفي درس موضوعه المفهوم من حيث التشريح وعلم الوظائف والجيولوجيا والتاريخ وتكون الصفائح وتكتونيانتها على مر الزمن الطويل. الدرس الفلسفي ليس تقنية تبيح لصاحبها أن يعوض إنماء المعرفة بتصنيفيات المواقف والإضحاك عليها أو تزيين معاداتها .. قد يؤدي الدرس إلى ذلك ولكن ذلك ليس من شأنه.. أما هو فمطالب بتقديم المعرفة قبل التصنيف لا بتعويض المعرفة بالتصنيف. الدرس الفلسفي درس صعب يمتثل لقانون الأناة ويضع نفسه من البداية في خانة العلم ضد الجهل ولو كان الجهل مصفقا لنا، مبتسما في وجوهنا .. وحتى مناصرا لنا .. ينبغي أن يفهم مدرسو الفلسفة في الجامعات، في كل جامعات الدنيا، أن عليهم الامتثال السقراطي الأرسطي الديكارتي الرشدي السينوي الكنطي النيتشوي الهيغبلي الهوسرلي الهيدغري ( … ) لواجب المعرفة وواجب التفكير الحذر. وإلا فما الفرق بين درس فلسفي وقعدة في قهوة، يبدو أن بعضهم أصبح لا يفصل بينهما بل يمر من هذه إلى ذاك كما لو كان في حصة تزحلق على الجليد.
أما عن الموقف من بناء الذات تحت راية الفكر الديكولونيالي فسأصوغه لاحقا ضمن خيار استئناف / استئنافات النفس حفاظا على الإمكانيات التي يتيحها لنا هذا الاستئناف ودفعا للإمية القاتلة : إما أمريكا أو الصين. قولولي بربكم: ألا تخشون أن ينتهي بكم التصنيف إلى التنازل عن ابن رشد والفارابي (…) إلى “كولونيالية” وريثة للفكر الغربي وأن ينتهي بكم بالتالي إلى نبذهما ضمن قائمة “المعقولات” (من العقلة) التي ينبغي بيعها أيضا؟ لا تبيعوا آباءكم فيسهل على المعسكرين بيعكم أنتم أيضا. الفلسفة ثم الفلسفة ثم الفلسفة.
10 جانفي 2024

دمت مبدعا أستاذنا الجليل فكرا ونقدا بناء للعقل البشري بعيدا عن كل قيود تاريخية و انثروبولوجية وداعما لكل ما جاء به العقل الإنتاجي بطريقة موضوعية دون قطيعة لأي إنتاج بشري بتعلة الإنتماء لأي تيار فلسفي تاريخي وفكري حيث تبتدأ الفلسفة والتثاقف بدحض الشخصي والتراثي التراكمي والصعود إلى خضم العقل المحض في أعلى تصوراته وتجلياته وتفكيكه للمفاهيم الحسية و التجريدية.