مع “إيلينا فيرنتي” .. و رواية l’amie prodigieuse
عبد القادر حميد
بعد طول تردّد، وقد استمر لسنوات طويلة، قرأتُ أخيرًا الجزء الأول من رباعية “إيلينا فيرنتي” l’amie prodigieuse”، فأنا من القراء الّذين لا تستهويهم روايات “البيست سيلر” إلا قليلاً، ورغم ذلك غامرتُ هذه المرة مع هذه الرِّوائية الايطالية، فلم يخب ظني. أنهيتُ قراءة الرِّواية (430 صفحة. حجم الجيب “فوليوم) بسرعة.
ذات مساء، تتلقى “إيلينا غريكو” وهي في السبعين من العمر (هل هي إيلينا فيرنتي؟) مكالمة هاتفية من “رينو تشيرولو” . يُعلمها، وهو في غاية الاضطراب، بأنَّ صديقتها “رافاييلا تشيرولو” (أو ليلى) اختفت بشكل مفاجئ، وقد أخذت كل أغراضها، ولم تترك أي شيء في البيت. قررت الاختفاء نهائيًا، ومحو كل آثر لها. فتقرر “رفاييلا” كتابة قصة حياتها، بل حياتهن منذ الصغر خلال خمسينات القرن العشرين بمدينة “نابولي” الايطالية”، بحي شعبي باهت ، وغامض، يقع قريبًا من بُركان “فيزوف”.
تتكفل “إلينا” بسرد تفاصل حياتها وحياة صديقتها (رافاييلا) منذ الصغر ، و إلى غاية سن السادسة عشر. وعلى مدى عشر سنوات، تنقلنا الرِّواية إلى عمق المجتمع “النابولياني”، خلال فترة ما بعد الفاشية. وتصور لنا مجتمع يعيش على وقع صراعات الماضي، وانتشار العنف، عبر شخصيات تردّد كلمة “القتل” بشكل عادي، كأنّه فعل مبتذل.
تخضع شخصيات الرِّواية لواقع تحكمه “الكامورا”، من جهة، والأيديولوجية اليسارية من جهة أخرى، وبرجوازية تسعى لفرض نفسها رغم ماضيها الفاشي، وترفض الزوال. وعلى وقع مظاهر الصراع الطبقي، يفرض الإخوة “سولارا” سلطة طبقية على باقي العائلات الفقيرة (بالأخص عائلات “غريكو”، “شيرولو”، “سكانو”، و “كابوشيو”) التي تسعى لفرض وجودها رغم كل الصعاب التي تواجهها.
وتفضح “رواية “الصديقة المذهلة”، ممارسات فئة المثقفين عبر الشّاعر “دوناتو سراتوري” الّذي تمكن من نشر ديوان شعري دون أن يقرأ كتابًا واحدًا، وهو صاحب نزعة استغلالية وممارسات منافية للأخلاق. وتبرز الرِّواية هذا التفاوت الطبقي بين برجوازية استغلالية ومثقفين عديمي الذِّمة، مع الإشارة لانتشار ازدواجية لغوية في الشارع المحكوم بمظهر “الغيتو”، حيث يتكلم الفقراء ايطالية دارجة نابوليناتية”، بينما يفضل المنتمين للبرجوازية الحديث بلغة ايطالية فصحى.
وبعد انتهاء سنوات الدراسة الابتدائية، تعرف العلاقة بين “إيلينا و “رافاييلا”، بعض الفتور، فبينما تكمل “إلينا” دراستها، تقرر “رافاييلا” التوقف رغم تفوقها، فتتفرع للأعمال المنزلية، ثمّ للعمل في محل والدها لتصليح الأحذية، فيتضح أنّ والدها “فيرناندو” يحتاجها كقوة عاملة، وليس كفتاة تذهب للمدرسة. بيد أنّ حلم الثراء يظل يُراودها منذ أن قرأت رواية “بنات الدكتور مارش الأربعة” (وهي رواية شهيرة للكاتبة الأمريكية “لويزة ماي ألكوت”)، وكذلك فعلت “إلينا”، التي تتقاسم معها الرغبة في الكتابة الأدبية .
تصبح العلاقة بين الصديقتين خاضعة لمنافسة واضحة، بالأخص من طرف “ايلينا” التي تشعر بالضعف تجاه صديقتها الذكية، صاحبة القدرة الخارقة على الحكي، والكتابة، فتسعى لفرض نفسها بشكل مثير، إلى درجة التماهي (بل والتقمّص) مع شخصية “رافاييلا”. وتستمر أحداث الرِّواية على وقع هذه المنافسة، بين صديقتين مختلفتين جذريًا فيما يتعلق بتصورات الحياة. فتصبح الرِّواية عملا أدبيًا يقوم على التضاد بين عالم “إلينا” وهو عالم الأدب والمثقفين، من جهة، وعالم “رافاييلا” اللصيق بالفئات الشعبية، والذي تتحكم فيه رغبة جامحة في الثراء والتسلق الاجتماعي، والتقرب من طبقة الأغنياء (ارتباط “رافاييلا بـالتاجر “ستيفانو كراتشيّ، ابن “دون أشيل كراتشي” الفاشي الذي أغتيل في بيته من طرف ألفريدو بيلوزو). ويظهر التّحول الأساسي في العلاقة بين الصديقتين حين تتحول “رافاييلا” الفتاة الصغيرة القذرة والعنيفة إلى فتاة جميلة، تنضح بسحر لا يُقاوم، وتصبح محل اهتمام الرجال في الحي (بما في ذلك مارشيلو سولارا المقرب من أوساط مافيا “الكامورا)، بينما تظهر “إلينا” كفتاة عادية، لكنها تشعر بالنفور من شبان الحي، بالنظر إلى مستواهم الثقافي المنحط، مع احتفاظها على نزعة استغلالية حين تقرر الارتباط بـ “أنطونيو”، وهو ميكانيكي بسيط الحال، رغبة منها في قضاء حاجياتها الجنسية .
فبينما قررت “رافاييلا” العيش وفق مقتضيات الواقع، والرغبة في الثراء بغية تخليص عائلتها من الفقر المؤلم، تغرق “إلينا” في قراءة الروايات، وحلم الكتابة ودخول عالم النشر، والابتعاد عن الواقع وتحقيق نقلة اجتماعية بواسطة التعليم، فتتحول إلى “مدام بوفاري” عصرية، بل إلى “دون كيشوت” نسائي. وهنا أود أن أفتح قوسا بخصوص “إيلينا فيرنتي” ورواية مدام بوفاري “لـ “فلوبير”. فحين قررت منشورات “فوليو” كلاسيك إعادة طبع رواية “مدام بوفاري”، سنة 2021، طلبت من “إلينا فيرنتي” كتابة مقدمة للرِّواية. فهل كانت تدرك فعلا العلاقة الموجودة بين “رواية “الصديقة المذهلة”، ورواية فلوبير؟
على وقع الصراع الطبقي إذن، تسير أحداث هذه الرِّواية المذهلة، والنابضة بالحياة، التي تُقرأ بنهم شديد، بلغة حكي أخاذة تجعل القارئ يلتهم صفحاتها كأنّه أمام وليمة أدبية دسمة، قلما يتركها جانبًا من كثرة امتلاكها لتوابل أسرة.
هي رواية مليئة بالحوارات المؤثرة، أثرتها العلاقات بين الشخصيات والمتغيرة دائمًا، حسب بيئتها الرومانسية والاجتماعية والسياسية.
