لماذا يهرب أبوليوس من ظله؟!

لماذا يهرب أبوليوس من ظله؟!
0
(0)

عز الدين ميهوبي

في أكتوبر 2023 أصدرتُ كتابا بعنوان “أبوليوس يهرب من ظله”، يتضمن عددا من المقالات في شؤون التاريخ والهوية والانتماء واللغة والثقافة.. وافتتحتُ الكتاب بسؤال: لماذا يهرب أبوليوس من ظلّه؟.
هذا ما كتبتهُ:

يبدو العُنوان مثيرًا بعض الشّيء. ذلكَ أنّ الانسان عندما يقفُ بين مجموعةٍ من النّاس، تتداخلُ ظلالهُم، ولا ينتبهُون إلى ذلك. عندما يرحلُون، ويبقى هذا الانسان وحدهُ يمشي في طريقٍ طويلٍ، لن يُلازمهُ أحدٌ سوى ظلّه. هو الثّابتُ الوحيد معه، لا يُفارقهُ أبدًا، ولهُ أن يروي له همُومه، ويُقاسمه أفراحهُ، ويأتمنُه على أسراره.. هو الوحيد الذي لن يخذلهُ أبدًا، لأنّهُ صامتٌ لا يتكلّم، وأصمٌّ لا يسمع.. لهذا، تأكّد أنّهُ لن يفضحك أبدًا، إلاّ إذا آويتَ إلى فراشك حيثُ يتلاشى بعيدًا عن الضّوء..
الظلّ لا يختلفُ عن بصمَة الإصبع. يُشبهُها. إذ لكلّ إنسانٍ ظلُّه وبصمتهُ، لكنّ الهُويّةُ تُخفِيها تفاصيلَ هوامشِ الظلّ، وتخطيطاتٍ الإصبع، وهو ما لا تكشفُه العين. فظلالُ النّاس وأصابعُهم متشابهة، وأحيانًا متشابكة، لكنّها تمنحُهم التفرُّد.
الظلُّ هو الأنا الميّت. قد يتمدّدُ خلفكَ أو أمامك، أو يستقرُّ بجانبك. قد يقصُر أو يطُول، أو يأخذَ مسافة شبرٍ منك.. لكنّهُ يظلُّ دائمًا المرتبط بك. هُو هويّتُك التي لن تؤثّر فيها المصابيح المُلوّنة، لأنّه يملكُ لونًا واحدًا لا يتبدّل. تتبدّلُ أنتَ، وتتغيّرُ حولهُ الأشياء، لكنّهُ يبقى كما تعرفُه ويعرفُك. حافظ عليه، طالمَا أنّه الجزءُ الثابتُ مِنك، مهمَا كانتِ اتجاهاتُ الشّمس.
ذاكَ هُو أبّوليُوس الذي لم ينفصل عن ظلّه، وهو في مداوروش، وهو في قرطاج ورُوما وأثينا وأويَا.. يمنحُ كلّ موطنٍ لسانهُ، ويسترخي عندما يؤوبُ إلى بلدتهِ وحيدًا، يلهجُ بلسانِه النّوميدي الذي يُسعدُ أمّهُ ويُبهج أباه.. ويرى فيه طفولتهُ التي استوطنت وجدانهُ، وشكّلت كيانه.. وهو الذي تركَ بصمتهُ في آداب العالم، دون أن تُفقدَهُ ظلّهُ الذي يأبى أنْ يخاصمهُ أو يُنازعهُ في شيء.. فليحافظ كلّ واحدٍ على ظلّه، ولو كانَ محمولاً على الأكتاف..
كُنّا أيّام الطّفُولة، إن لم نُلاعب بعضنَا، نلاعبُ ظلّنا، فنجري سعيًا للهُروب منها، إن لم نلحقْ به، فإنّهُ يلحق بنَا حتمًا.. هو هكذا أبُّوليُوس أيضًا، يهرُبُ من ظلّه منهُ إليه. لهذا جعلتُ عنوان كتابي، وفاتحته أيضًا، أبوليُوس يخرجُ من ظلّه، ثم يعُودُ إليه. يهرُبُ من ظلّه، بعدَ رحلةٍ طويلة، ويبحثُ عنهُ عندما تمرُّ غيمةٌ في الشّتاء، تعقُبُها شمسٌ في الصّيف. يهرُبَ من ظلّه مِرارًا، ثمّ يسألهُ عن سرّ الغياب وعن سببِ الحضُور، وفي كل الحالات، لم يكُن الهرُوب إلّا رغبةً إنسانٍ تسكُنُه أسئلةٌ غير مألوفة ، وكأنّهُ في حوارٍ دائم مع رداء من الصّوف النّوميديّ. إنّهُ قلقُ الهُويّة.
عاشرتُ في مشواري الثّقافي عديد الكُتّاب والمبدعين الذين كانُوا مأخوذين بهاجس الهُويّة والانتماء، وكنتُ أراهُم يستنطقُون الجماجم ويبحثُون بين المخطوطات والدفاتر القديمة لعلّهم يعثرُون على أثرٍ يدُلُّهم على خُطوتِهم الأولى.. لا تذهبُوا بعيدًا. اتركُوا الأمر للظلّ الذي لن يخُونكم، واكتبُوا السّيرة التي تريدُون، كما فعلَ أبّوليُوس..

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *