سيميائيات الإدارة البيروقراطية

سيميائيات الإدارة البيروقراطية
2.5
(2)
  1. بقلم: سمير عباس- طالب دكتوراه في الأدب العربي الحديث جامعة عنابة الجزائر
    1) تمهيد:
    ربما يعود ظهور فن الإدارة إلى آلاف السنوات الماضية مع الحضارة الصينية، و بحكم اتساع رقعتها الجغرافية و ضخامة كثافتها السكانية اهتدى العقل العقل الصيني إلى ابتداع هذا الفن في سبيل التحكم في تدفق الثروات الطبيعية و الاصطناعية و تيسير استغلالها بشكل راشد يضمن المحافظة عليها و تطويرها، و في هذا العصر ظهر مصطلح البيروقراطية ضمن مباحث علم الاجتماع للدلالة على المفهوم الإيجابي للإدارة كما تقدم ذكره، و على الرغم من أنه ظل محتفظا بهذا المظهر في الدول المتقدمة، إلا أنه سرعان ما تطور إلى مفهوم سلبي في الدول المتخلفة يمثل مظهرا بائسا من مظاهر تخلفها العديدة، و هذا المفهوم السلبي يدعو الفكر إلى تحليله بشكل وصفي موضوعي قد يكون سبيلا من سبل فهمه و مكافحته في هذه الدول، و تتوفر السيميائيات على آليات إجرائية تجعل من تحليل سيميائي للإدارة البيروقراطية أمرا ممكنا.
    2) سيميوز الدواليب:
    يدعو التنظيم الإداري المجتمعات لضرورة تشكيل هرم إداري شديد التعقيد يتدرج السلم الإداري فيه من القاعدة صعودا حتى أعلى الهرم، و لكونه يمس كل جوانب الحياة المدنية الحديثة، من مصالح الحالة المدنية و المستشفيات و التعليم و البنوك و البريد و الاتصال و السكن و العمل و القضاء و الصناعة و الزراعة و العمران إلى غيرها من الجوانب، فإن هذا الهرم يتم تشكيله من أهرامات جزئية متواصلة فيما بينها بشكل منسجم على المستوى النظري، لكن و للأسف فإن هذا الانسجام بعيد جدا عن التحقق في الواقع حتى ضمن الهرم الجزئي الواحد، و هذا ما أدى إلى ظهور مفهوم الدواليب الإدارية البيروقراطية، فعلى سبيل المثال يتطلب تسجيل طفل في المدرسة ملفا إداريا يستخرج من عدة إدارات، فضمن هذا الملف ما يتعلق بالهوية و منه ما يتعلق بمقر الإقامة و منه ما يتعلق بالحالة الصحية للطفل في مجمل الحالات، و لو كان لقب الطفل على سبيل المثال في شهادة الميلاد مفتقرا لهمزة قطع موجودة في لقب والده، يكون هذا الأب ملزما بالسير وفقا لدولاب بيروقراطي يأخذه من مكاتب الحالة المدنية مرورا بالقضاء في بعض الأحيان من أجل عملية تصحيح للقب انتهاء إلى نقطة البدء أي المدرسة، فكل مكتب ضمن كل إدارة من هذه الإدارات يمثل دولابا يحيل على مكتب آخر أي دولاب آخر و هكذا دواليك، حتى يتم قبول ملف تمدرس الطفل.
    تقترح سيميائيات الفيلسوف الأمريكي شارل ساندرس بيرس مصطلح السميوز semiosis و هو يتضمن معنى السيرورة الذهنية التي ندرك من خلالها العلامات، بمعنى أنها تمكننا انطلاقا من الماثول( الدال) استحضار الموضوع( المدلول) بوساطة وجهة نظر معينة يسميها بيرس المؤول، فالدال ( عسل) يحيلنا لإدراك المدلول ( النحلة) عبر مؤول ( الصناعة) على سبيل المثال، و من جهة أخرى يمكننا السميوز من إدراك تسلسل العلامات عبر الذهن، فالمدلول( النحلة) في المثال السابق يصير بدوره دالا يحيل على مدلول آخر هو ( اللسع)، و هذا المدلول الثاني يصير بدوره دالا يحيل على مدلول آخر ثالث هو ( الألم)، و هكذا يكون بالإمكان تصور تسلسل للعلامات أي سميوز بحسب نشاطنا الذهني، و في الواقع ربما جاز عد المفهوم السابق أي الدواليب البيروقراطية بسميوز دواليب، يصير فيه كل مكتب في إدارة معينة بمثابة علامة أي دال يحيل على مكتب آخر أي دال ثان بشكل متسلسل طويل، و انطلاقا من هذه النقطة بالإمكان الشعور بالإحساس الثقيل المتعب الذي يتحمله المواطن لدى إقباله على الدخول في سميوز الدواليب البيروقراطية ابتداء.
    3) اللاتجانس المؤشري:
    يميز بيرس بين ثلاثة أنواع للعلامات بحسب العلاقة التي يرتبط بها الدال بالمدلول في العلامة، فحين تكون هذه العلاقة تشابه تكون العلامة أيقونة، و هي حالة الصورة الفوتوغرافية في دلالتها على الشخص الماثل فيها على سبيل المثال، و حين تكون العلاقة جوارية تقوم على مبدأ العلة و المعلول تكون العلامة مؤشرا، و هي حالة الدخان في دلالته على النار، و عندما تكون العلاقة بين الدال و الدلول اعتباطية بمعنى أنها تقوم فقط على التواضع و التعاقد بين أفراد المجتمع تكون العلامة رمزا، و هي حالة مفردات اللسان مثلا.
    يعتمد تسلسل دواليب الإدارة على مبدأ العلة و المعلول، فتوجه المواطن إلى مكتب إداري معين معلول علته المكتب الذي وجه هذا المواطن إليه، فسميوز دواليب الإدارة سميوز مؤشري على المستوى النظري، فالحاجة لوثيقة إدارية معينة تمثل بابا للانخراط ضمن هذا السميوز، و لكن ما يحدث في الواقع بشكل متواتر هو أن هذا السميوز المنظم لا يتم احترامه من قبل موظفي الإدارة بشكل مقصود أو غير مقصود، و عدم احترام هذا السميوز يشكل في حقيقة الأمر عدم الامتثال للقوانين التي تحكم الإدارة، و تتعدد أسباب هذا الكسر للسميوز بين انعدام للكفاءة أو الانضباط لدى الموظفين، و بين الافتقار إلى وسائل العمل من أدوات مكتبية أو فقدان الشبكة لدى أنظمة الحاسوب، و بين وجود المحسوبية و الجهوية لدى هؤلاء الموظفين و تعسفهم، و أحيانا أخرى لتعنتهم أمام كثافة العمل و تزايد أعداد مرتادي الإدارات يوميا و سوء معاملة من قبل كثيرين منهم، دون ذكر أسباب كثيرة أخرى منها العوارض الطارئة كمرض الموظف مثلا.
    يمثل كسر سميوز دواليب الإدارة بشكل متواتر على مستويات هرمية متنوعة من الإدارة لاتجانسا على المستوى المؤشري، و إذا كانت العلامة المؤشرية تقوم على علاقة منطقية هي علاقة العلية، فإن اللاتجانس المؤشري في واقع الأمر وجه لغياب المنطق و استفحال الفوضى، و لهذا تصير دواليب الإدارة أماكن لهدر الوقت بالنسبة لأفراد المجتمع، و بالنظر إلى أهمية الوقت المتزايدة في كثير من المعاملات الإدارية، يصبح هدر الوقت هكذا أسلوبا لشحن الضغوط النفسية لدى المواطنين و إرهاقهم، خاصة عندما تتعلق المعاملات الإدارية بأمور مصيرية في حياة الناس، و لهذا يبدو جليا أن سميوز الدواليب البيروقراطية في ظل تفشي اللاتجانس المؤشري يصير سميوزا للاستنفاد، بمعنى أنه يستنفد وقت المواطن و طاقاته و يجعله دائم التوجس من الانخراط في هذا السميوز.
    4) التجانس الأيقوني و الاستبداد الرمزي:
    يشكل تواتر و تكرار مظاهر اللاتجانس المؤشري في دواليب الإدارة علامات أيقونية متظافرة ترسم المفهوم السلبي للبيروقراطية الإدارية، و قد ظهرت عبارات عديدة يتداولها الناس في مواقع التواصل الاجتماعي على سبيل المثال تشير بوضوح إلى هذا التجانس الإيقوني من قبيل عبارة( عد غدا) أو عبارة ( من أرسلك؟) أو عبارة( من تكون؟)، و لعل الطابع الهزلي الذي يتم تداول مثل هذه العبارات به بين الناس يعكس بشكل واضح مدى التشابه في يوميات هذه الإدارات، و لكنه أيضا يعكس من جانب آخر مدى سلبية النظرة التي يحملها المواطن في هذه المجتمعات تجاه الأجهزة الإدارية التي يفترض بها أن تنظم حياته و أن تجعلها أكثر يسرا و مرونة، و لعل ما يزيد من سلبية هذه النظرة ما يحدث من مساءلات قضائية للمواطنين الذين يصل بهم الإحباط لدى هذه الإدارات إلى درجات من الغضب و اليأس تدفعهم إلى القيام بتصرفات متهورة غير محسوبة يعاقب عليها القانون.
    يمثل التغاضي عن إصلاح عيوب الإدارة على المدى المتوسط و المدى الطويل إلى ترسيخ التجانس الأيقوني للبيروقراطية الإدارية، و هذا ما يتسبب تدريجيا في اصطناع مواضعة لرمز للبيرقراطية المتجذرة التي تتحدى إرادة المواطنين و رغبتهم في حياة مستقرة، بيروقراطية تجعل من يوميات المواطن رهينة لدى موظفي المكاتب يتحكمون في مصيرها وفق رغباتهم و أهوائهم، و تصنع مناخا من الانهزامية و الإحباط و الإحجام عن تبني المبادارت البناءة الهادفة لتطوير المجتمع و ترقية مؤسساته، و ربما كان هذا المناخ الانهزامي سببا محوريا في تفكك عرى التماسك في البنية الاجتماعية عبر مستوياتها المتنوعة، و أيضا في تنصل الأفراد من تحمل مسؤولياتهم الاجتماعية و الثقافية طالما أن محاولة تحمل هذه المسؤوليات محاصرة بسميوز بيروقراطي متفش لا يلوح أمل في إصلاحه و لا في مقاومته أو التعايش معه.
    5) خاتمة:
    نتج عن هذا البحث الموجز أن التحليل السيميائي ليس بمستعص في مقاربة ظاهرة اجتماعية معاصرة هي البيروقراطية بمفهومها السلبي، فآليات السيميائيات الإجرائية تسمح بملاحظة هذه الظاهرة و وصفها بشكل منهجي يستند إلى الواقع المعيش، كما تسمح بتنظيم هذه الملاحظات في عناصر متماسكة منطقيا يصدق بعضها بعضا آخر، و من جهة ثانية فإن استثمار هذه الآليات الإجرائية في تحليل ظاهرة البيروقراطية يوكد فعاليتها و أهميتها المنهجية، كما يجعل التفكير باستثمارها في تحليل ظواهر أخر أمرا غير مستبعد، و من جهة ثالثة يبدو أن الدعوة إلى ترسيخ الاعتماد على السيميائيات في البحوث الاجتماعية و الثقافية هي دعوة مبررة إلى حد بعيد.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 2.5 / 5. عداد التقييمات: 2

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

لا تعليقات بعد على “سيميائيات الإدارة البيروقراطية

  1. في العمق دكتور عباس ،ومن واقعنا المتردي تحليل رائع لهذه الظواهر اليومية والتي تشكل راهن المواطن وجزءا من معاناته المريرة.دمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *