منظور آخر للذكاء الاصطناعي

منظور آخر للذكاء الاصطناعي
0
(0)

محمد جديدي/ الجزائر
توالت في الآونة الأخيرة الكتابات والنقاشات والمنشورات حول الذكاء الاصطناعي، فمنذ بروز هذا الاخير كظاهرة جديدة (مع أنها ليست جديدة إذ تعود لعقود تقارب خمسين سنة على الأقل) وانتشاره على نطاق واسع في وسائل الإعلام والتواصل وكذا الاهتمام الكبير في مجال البحث الأكاديمي ومنه الفلسفي الذي اختصر في الغالب في جانبه الأخلاقي.
بيد أن الأخلاق(وحتى لا نقع في التضليل الأخلاقي Le Bluff éthique) ليست هي المدخل الوحيد لتناول الذكاء الاصطناعي من زاوية فلسفية ولا يمكن حصرها في هذه الزاوية الإتيقية فقط وإن بدت هي الأهم ذلك أن مقاربة موضوع الذكاء الاصطناعي ممكنة عبر نوافذ فلسفية وميتافيزيقية ووجودية لا تقل أهمية عن المنظور الأخلاقي.
وهذا بالضبط ما سعيت إلى تبيانه في مداخلتي التي قدمتها ضمن الندوة التي نظمت في إطار المؤتمر العالمي للفلسفي بروما في أوت المنصرم حيث عقدت مائدة مستديرة تناولت الذكاء الاصطناعي خارج المسألة الأخلاقية واخترت أن تكون مداخلتي بعنوان ألا يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي سانحة أخرى للبشرية؟ وهو تساؤل يحمل في طياته بذور تفاؤل وتحميل الحقيقة أوجها أخرى غير السائد وتلك هي في اعتقادي مهمة الفيلسوف في التنقيب ملامح الحقيقة في غير ما هو معطى وعدم مسايرة المتاح.
سعيت في ثنايا ما اقترحت إلى النظر للذكاء الاصطناعي من زاوية مخالفة غير التي اعتاد الخطاب الفلسفي الأخلاقي تقديمها والترويج لها بالتحالف مع توجهات خطابية منسجمة في ترديد خطاب الكارثة والاستثناء الإنساني والتفوق الأبدي للإنسان.
فقد تتعد مداخل الذكاء الاصطناعي فلسفيا من جهة أنطولوجية أو كوسمولوجية وأخرى حضارية وثالثة سوسيو ثقافية ورابعة أنثربولوجية وهكذا تتنوع المقاربات وتتباين لتصب في النهاية في النظر والتحليل لظاهرة تكنولوجية علمية ميزت راهن الإنسان وألقت بظلالها على واقعه اليوم ففرضت عليه التعامل معه والالتفات إليه كجزء لا يتجزأ من الحقيقة الإنسانية الحالية في أبعادها المختلفة.
وهنا يطرح سؤال وجيه:
لماذا لا ينظر للذكاء كمنتوج بشري مثل غيره من المنتجات الثقافية والعلمية والتكنولوجية على أنه فرصة أخرى في تاريخ الإنسان بدلا من اعتباره خطرا يهدد الإنسان ومصيره؟ هذا السؤال يدفعنا إلى التساؤل بصيغة أخرى: ألا يكون الذكاء الاصطناعي بمثابة المرآة التي يتحدد معها لقاء الإنسان بالآلة في صورة متقدمة ومتجددة؟
في واقع الأمر إن الذكاء الاصطناعي فرض على واقعنا ممارسات وتطبيقات تسربت إلينا تدريجيا وبلطف من دون أن نعي حجم أثرها وتأثيرها على سلوكاتنا ومن دون أن ندرك مدى التغيّر الذي طرأ على تعاملاتنا فيما بيننا كبشر من جهة وفيما بيننا وبين الآلات من جهة ثانية.
لذا يحتم علينا الذكاء الاصطناعي من خلال بروزه المكثف، الذي انتشر به قبل سنة تقريبا، التساؤل فلسفيا حول مآلاته ومستقبل الإنسانية إذا ما تعمم استخدامه. فهل سيكون مشروعا التخوف من فرط استعماله أم إن ذلك مجرد هاجس غير مبرر؟ من الأسئلة الفلسفية العميقة التي ستظل تلازمنا ضمن جدلية الإنسان والآلة ونحن نرى وننتظر ما يعدنا به خبراء التكنولوجيا والبيوتكنولوجيا ما هي مكانة الإنسان على السلم الكوني وهو يشهد في بدايات الألفية الجديدة تراجعا أنطولوجيا لصالح الآلة؟ فهل سنقف على نهاية الإنسان وموته؟ أي هل ستكون هذه النهاية هي الديستوبيا التي لم تكتب بعد؟ أم إن هذه التصورات والأفكار هي مجرد تخيّيلات وتوهمات لا أساس لها من الصحة وأنها مجرد ترويج لنهايات غير مرتقبة من طرف الذين يشيعون خطاب الكارثة؟ بل إن العاقل الذي سيتأمل بجدية وموضوعية محاسن الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في الميادين المختلفة (الصحة، التعليم، الفلاحة وأخرى) ويوازنها بما قد ينتج عنها من مساوئ سيقف على أهميتها وفائدتها الجمة لصالح الإنسان والإنسانية جمعاء.
يدعو بعض المحللين والخبراء إلى التريث والتأني في إصدار أحكام عاجلة ومستعجلة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي وتطور هذا الاستخدام وأنه من السابق لأوانه البت بشكل قاطع ونهائي حول ما بلغته البشرية اليوم مع تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعميم استعمالها. فقد تعلمنا من درس التاريخ أن كل فكرة جديدة أو نظرية علمية أو تقنية مستجدة إلا وجوبهت في بداية أمرها بالنقد والاعتراض بل والمنع أحيانا لا لشيء سوى أنها أمر غير مألوف وككل الأشياء غير المألوفة تجد احتجاجا عليها، كذلك الذكاء الاصطناعي الذي يعتبر نسبيا جديد (مع أن إرهاصاته تعود إلى أزيد من 70 سنة مع ألان تورين) بيد أن انكشافه الأخير على نطاق أوسع للجمهور جعله يبدو في صورة مستجدة.
في ظل تباين المواقف حول الذكاء الاصطناعي نجد أنفسنا أمام طرحين على الأقل:
أحدهما متفائل بمستقبل الإنسان في ظل تقدم سريع للذكاء الاصطناعي ولا يخشى من هيمنة هذا الأخير حينما يستخدم بحكمة وتبصر لصالح الإنسانية بل إنه فرصتها في بلوغ تقدم أعلى وأرقى تحقق لها في ظرف وجيز ولم تحصل عليه على مدى قرون وإن مثلت أرضية هذا الازدهار.
وآخر متشائم من تقهقر في الطبيعة الإنسانية جراء زيادة هيمنة الآلة على الإنسان وتعميقها أكثر بفعل تخلي واعي من الإنسان عن جزء يكبر في كل مرة عن إنسانية لصالح الآلة هذا من جهة ومن جهة ثانية لتسارع الابتكارات التي كشفت عنها التكنولوجيات مؤخرا وأهمها تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي مست جميع قطاعات ونشاطات الإنسان.
Donc, il est difficile de se prononcer face à un dilemme aussi vieux que l’humanité, celui de trancher quand il s’agit d’un duel entre l’homme et la machine. Entre les deux penseurs Miguel Benasayag qui s’inquiète d’une digitalisation rapide du monde qui abîme nos cerveaux tandis que Gilles Dowek fait confiance à l’être humain pour tirer le meilleur parti d’un outil qu’il a créé.
كل التخوف، المشروع طبعا، يقبع في القدرة على التحكم إذا أوكل هذا التقدم إلى الآلة فإن مفاتيحه ستكون بيد التفرد La singularité وهي المرحلة التي تخطط ما بعد الإنسانية بلوغها حينها يصير التخوف مشروعا ومبررا ويكون حينها موقف رائد البيوإتيقا فان رانسيلاير بوتر مؤسسا، إذ يصبح الهدف النهائي في هذا التقدم التقنوعلمي هو البحث عن التحكم في التحكم كحكمة جديدة.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *