قراءة نقديّة في رواية (أم هانئ)لخديجة تلي
بقلم عبد الله اللي/ الجزائر
الجزء الأوّل (01)
الأديبة خديجة حسين تلي من مواليد 1986 من ولاية بسكرة (الجزائر)، تكتب الشعر والرواية ومتحصّلة على ليسانس في المحاماة من جامعة محمد خيضر بسكرة، حاصلة على عدّة جوائز وطنية في الشعر والقصّة والرواية
\\\\\\\”كبرت أم هانئ لتكون امرأة كما تمنى لها والدها بخدّها المعوج، وصمتها العميق، وأيامها العاثرة..\\\\\\\” ـــــــــــــــــــــــــــــــ مقطع من رواية (أم هانئ) ص 26
تكاد عروس الزيبان تتفجّر إبداعا من كلّ (زوابيها)، فكلّما حاولتُ عدّ مبدعيها وكتابها أخطئ الحساب، وأراجع العدّ وتقول لي هذا المدينة الثقافية بامتياز: هناك المزيد فأعدِ الحساب، فإذا قلنا تزخر بالشعراء رفع أهل القصّة أعلامهم خفّاقة، فإذا قلنا: وأهل القصّة لا يُنكَرون.. قال أهل الرواية: ولنا في السّرد الطويل باع لا ينكر.. وعارضة لا تبارى.
وهذه الشاعرة البارعة خديجة تلّي التي عرفت أكثر ما عرفت بالشعر؛ تخوض منذ بضع سنوات تجربة الرواية وتسجل فيها علامة فارقة، بروايتيها (أم هانئ.. غزالة الزيبان الجريحة) و(شموخ.. للقدر شأن آخر) فعندما وصلتني رواية (أم هانئ.. غزالة الزيبان الجريحة) أسرتني بعتباتها الساحرة، وأنهيت قراءتها في أقلّ من أربع وعشرين ساعة، تخللتها أوقات توقف إجبارية تفرضها ضرورات الحياة، وكنت أسجل بعض الملاحظات الهامة خلال القراءة وأكتب بعض الأفكار، وقررت منذ الصّفحات الأولى أن أكتب قراءة نقديّة جمالية تبحر في جنان هذه الرواية الجميلة، والتي وفقت الكاتبة في نسج فصولها توفيقا كبيرا.
في العنوان المركب:
العنوان يحتاج إلى قراءة فاحصة تستنطق ما لم تَبُحِ الكاتبة به صراحة، إنما نستشفه من إيحاءات هذا العنوان، وأولى هذه الاستنطقات الاسم الأول (أم هانئ)، وهو في الأصل كنية وهي اسم شائع في منطقة الزيبان، لاسيما بسكرة، وتنطق في بعض الجهات كأنها كلمة واحدة (امهاني) بتفخيم الهاء، وله أصل عند العرب، وكانت ابنة عم رسول الله أبي طالب تدعى (أمّ هاني)، ودلالة الاسم فيها تفاؤل واستبشار، وهو لم يحدث قط في الرواية، إذ كانت حياة البطلة لا هناء فيها أبدا، ونجد الإشارة إلى ذلك في الجزء الثاني من العنوان (الغزالة الجريحة)، وهو عنوان شاعري بامتياز، إلا أنّ كلمة (غزالة) بمفهومها الظاهري لم نجد لها أثر في الرواية، إلا إذا كانت الكاتبة تقصد الدلالة المعنويّة، فالبطلة لم تحظ بأية مسحة جمالية، وأكثر من ذلك ما أصابها من تشوّه في جانب من وجهها وهي رضيعة، ولكن يبقى العنوان جذابا ومؤثرا في القارئ؛ بحيث يدعوه إلى الإقبال على الرواية بشغف.
وقد ذكّرني هذا العنوان بعنوان قصيدة (حيزية) وقصّتها التي شاعت في ثقافتنا الشعبية، وكان لهذا الاسم في تراثنا الأدبي المحلّي سحر عجيب، وإذا كانت حيزية في سيدي خالد، فإنّ (أم هانئ) في طولقة وضواحيها بلد التمر الذهبي، والبادية العربية الأصيلة؛ حيث ترقد المنطقة على تراث مذهل من المقاومة الشعبيّة ضدّ المحتلّ الفرنسي الغاشم، وعندما شعرت من خلال العتبات الأولى أنّ أحداث الرواية حقيقية ووقعت في بداية العشرينيات من القرن الماضي في صحراء الواحات الشرقية (الزاب الظهراوي)، أحسست بنوع من الانجذاب القوي لاستكشاف تفاصيل هذه الرواية.
الجزء الثاني (02)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملخص للرواية:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحداث الرواية شملت الفترة ما بين 1920 إلى ما بعد قيام الثورة التحريرية المباركة ببضع سنوات، وتوزعت بين الريف (الصّحراء) الذي يمثل حياة التنقل والترحال؛ والقرية (الدّشرة)، حيث بعض السكون والاستقرار، وكانت البطلة فتاة عاشت طفولة يتيمة بائسة زادتها قسوة أخيها السعيد الجلف المتجبر قسوة وبؤسا، وكانت أصيبت في طفولتها بتشوّه في جانب من وجهها، على إثر حمى شديدة؛ ما جعلها أهلها يفكرون في دفنها حيّة، لولا لطف الله، ثم تزوّجت دون استشارتها أو الأخذ برأيها وجاءت المأساة الأخرى بعد وفاة زوجها الأول الذي أنجبت منه ثلاثة أبناء، في حادث سقوط من الجبل وهو في رحلة صيد، ويشاء لها القدر أن تتزوج بعده مرّات عديدة، ثم تفقد كلّ أزواجها في حوادث مأساوية سواء بالموت أو الفراق القاسي، كما فقدت أبناءها الثلاثة بسبب أكلهم فُطرا مسموما في لحظة واحدة، وختتمت الكاتبة روايتها ملخصّة حياة أم هانئ المأساويّة بقولها:
\\\\\\\”فارق يحي الحياة متأثرا بقوة الضربة، دفنوه هناك ببسكرة بعيدا عن دشرة طولقة وعن أهله وعن أم هانئ، التي لم تُلق عليه حتى نظرة وداع، وهي التي كانت في نفسها متلهفة لعودته واحتضانه ولو ميتا…. \\\\\\\”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ آخر مشهد في الرواية، عن استشهاد آخر أزواج أم هانئ.
وعلى هامش هذه الأحداث أحداث أخرى حول المقاومة ثم الثورة التحريرية المباركة، والتفاعلات الاجتماعية المختلفة من عادات وتقاليد وأعراف كثيرة فيها الصالح وفيها الطالح، تلقي بصورة تقريبية للمجتمع الزيباني في تلك الفترة للنّصف الأوّل من القرن العشرين، رواية تجعلنا ننغمس في تلك البيئة الصحراوية الفريدة بدفئها وجمالها الساحر حتى كتبت على هامش قراءتي الأولى لها:
\\\\\\\” وأنا أقرأ الرواية كنت أشعر بدفئ الصحراء وشمس الواحات الذهبية على تخوم الزيبان وعروس التمر طولقة.\\\\\\\”
عتبات الفصول الدافئة:
غلب على كثير من الروايات الحديثة أن يقدّم بين يدي متونها بعتبات ممهدة للأحداث، بحيث تلقي إضاءات خفيفة ومركزة على مضمونها بشكل مكثف، ولقد زانت الكاتبة روايتها هذه بعدّة عتبات هامة لابدّ من الوقوف عندها ومحاورتها لاكتشاف رسائلها المشفرة:
– العتبة الكبرى هي عتبة العنوان ولأنه نصّ مواز للمتن ويكاد يكون ملخّصا مركزا له، فلقد سبّقنا بالحديث عنه بشيء من التفصيل، أما العتبة الثانية فهي:
عتبة سمتها الكاتبة (تنويه) تقول الكاتبة فيه:
\\\\\\\”أحداث هذه الرّواية جرت في عشرينيات القرن الماضي، وجزء منها حدث في البادية؛ حيث هناك كلّ جزائري يُنسبُ إلى قبيلته وعرشه.\\\\\\\”
وبذلك تضع الكاتبة القارئَ في الإطار التاريخي العام للرواية، وتحدّد بذلك بعدها الزماني والمكاني، والعلاقات الاجتماعيّة السائدة (القبيلة والانتماء) بكلّ ما يحمل ذلك من سلبيات وإيجابيات..!
