محمد بن بكريتي/الجزائر
مقاربة الشخصية بين التقمص والتسيير: نموذج شخصية “الدوص” في مسلسل الكية
إلى حدٍّ كبير نجح الممثل مراد أوجيت في تجسيد شخصية “الدوص” في مسلسل الكية، وهو نجاح لا يثير الدهشة بالنظر إلى امتلاكه أدوات الممثل المحترف القادر على تفكيك الشخصية وبنائها درامياً. فقد استطاع أن يوازن بين التقمص الداخلي للشخصية وبين تسييرها أدائياً على مستوى البناء الخارجي، وهو ما جعل حضوره مقنعاً ومؤثراً داخل النسيج الدرامي.
انطلق الممثل في تشكيل الشخصية من البعد الطبيعي الخارجي، الذي يتمثل في المظهر العام والهيئة واللوك، إضافة إلى العناية الدقيقة بطريقة الحركة والمشي. ويؤكد كونستانتين ستانسلافسكي في هذا السياق أن:
“الحركة الخارجية للممثل هي المفتاح الأول لاكتشاف الحياة الداخلية للشخصية.”
فطريقة المشي والإيقاع الجسدي للشخصية ليست مجرد تفاصيل شكلية، بل هي مدخل أساسي لبناء عالمها النفسي والاجتماعي.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد قدّم مراد أوجيت شخصية الدوص بوصفها شخصية تتحرك بين الغموض والإيضاح المزيّف؛ فهي شخصية قادرة على إظهار الولاء للوسط الذي تنتمي إليه، لكنها في الوقت نفسه تخفي طموحاً داخلياً يدفعها إلى التمرد والسعي إلى الصعود داخل هرم السلطة في عالمها الدرامي.
غير أن العنصر الأكثر تأثيراً في تركيب الشخصية كان البعد النفسي. فقد ظهرت شخصية الدوص ككيان درامي يتأرجح بين الولاء الظاهري والطموح الفردي الجامح، حيث تتحرك بدافع “الأنا” الراغبة في بلوغ قمة الهرم، وهو ما يتقاطع مع ما يؤكده لي ستراسبرغ حين يقول:
“الممثل الحقيقي لا يكتفي بتمثيل الشخصية، بل يعيش دوافعها النفسية ويجعلها تنبض بالحياة على الخشبة أو أمام الكاميرا.”
وفي مقابل هذا الطموح القوي، تكشف الشخصية عن نقطة ضعف إنسانية تتمثل في الجانب العاطفي والحب والسير نحو نورس، ما يمنحها عمقاً درامياً ويبعدها عن النمطية.
ويمكن القول إن شخصية الدوص كانت، درامياً، شخصية تنتظر الجسد التمثيلي القادر على احتوائها، وقد وجدت ذلك الجسد في أداء مراد أوجيت. فالعلاقة بين الممثل والشخصية تشبه ما أشار إليه بيتر بروك حين قال:
“الشخصية لا تولد كاملة في النص، بل تكتمل حين يجدها الممثل القادر على منحها الجسد والروح.”
ومن هذا المنطلق يمكن تشبيه هذا التلاقي بين الممثل والشخصية بما حدث مع الممثل توم هاردي عند تجسيده لشخصية فينوم، حيث بدا أن البنية الجسدية والحضور الأدائي للممثل قد انسجما مع طبيعة الشخصية، فخلقا حالة من التطابق بين الجسد التمثيلي والكيان الدرامي.
وعليه، فإن أداء مراد أوجيت لشخصية الدوص يمثل نموذجاً واضحاً لمقاربة تمثيلية تجمع بين التقمص الداخلي للشخصية وتسييرها التقني على مستوى الأداء، وهو ما مكّن الشخصية من الظهور بوصفها كياناً درامياً حيّاً يتجاوز حدود النص المكتوب إلى حضور بصري ونفسي مؤثر