الفن في مواجهة العنف قراءة في ديوان “أبناء السماء يرحلون باكرا” للشاعر عبد الحاكم بالحيا

الفن في مواجهة العنف قراءة في ديوان “أبناء السماء يرحلون باكرا” للشاعر عبد الحاكم بالحيا
1
(2)

د. عبد الرحمن شاهد

مقدمة:

تسعى الكتابة الشعرية إلى الحديث عن أزمة الإنسان، حديثٌ يكون أحيانا بحثا عن حلول لأزماته، بينما يكون في أحيان أخرى مجرد إخراج لهذه الأزمات إلى ساحة النور، وديوان \”أبناء السماء يرحلون باكرا\” للشاعر عبد الحاكم بالحيا يحكي أزمة مجتمع خاص تنكر لصفوته وعاث فيهم تقتيلا ودمارا، إنها تبدأ من مأساة الإنسان الجزائري، ولكنها تنفتح وتحتضن كل المأساة الإنسانية.

صدر ديوان \”أبناء السماء\” في طبعته الأولى سنة 2023، وقصائده تنبت من لحظة مرعبة هي تلك اللحظة التي أحرقت فيها الغوغاء شهيد الإنسانية \”جمال بن سماعيل\” ليمثل الشرارة التي ستشعل قلب الشاعر وتشعل روحه وإنسانيته، فيتذكر بواسطتها شهداء الوطن الذين اغتالتهم أيادي الغدر في العشرية السوداء بداية من الرئيس \”محمد بوضياف\” مرورا بـ \”الشاب حسني\” ثم \”بختي بن عودة\” وغيرهم من الأصوات الجزائرية التي ظلت تغرد بين خرائب الأزمنة، وبين حطام الحرب الدموية التي عاثت فسادا في الإنسان، وكان أكبر ضحاياها من الفنانين والمثقفين الذين لم يستسلموا لإيديولوجيا الموت.

لكن، يبدو أن جرح الشاعر اتسع واتسع النحيب على شكل قصائد تبكي الإنسان في كل مكان، ذلك الإنسان الذي ظل يؤمن بالفن والحب والحياة، فحضر \”الشابي متقمصا ابن خلدون\” كما سمعنا نشيد \”لوركا\” و\”الموريسكي المجهول\”. لا شك أن الشعر في كل هذه القصائد طغى عليه البعد الإنساني، حيث كان سؤالا مفصليا حول قيمة الإنسان في هذا الوجود.

إن الشعر في هذا الديوان وإن كانت تحركه شخصيات حقيقية من تاريخنا الخاص كان يستجيب لنداء الإنسانية العام، إذ يمكن أن نأخذ أي مقطع من قصائده ونقرأه فوق حطام الحرب في غزة، فيبدو أن الشاعر كتبه فوق ذاك الحطام، كما يمكن أن نقرأه ونحن نتذكر ضحايا الحروب والانتهكات في كل مكان، الانتهاكات العظيمة التي تزيل حضارات أو تلك التي تبدو صغيرة ولكنها تفرق بين الأخ وأخيه وبين المرء وزوجه.

الذاكرة الجماعية والقيم الإنسانية والتأثيرات الثقافية هي الأبعاد الثلاثة التي غذت قصائد الديوان، ولأن الديوان انطلق من أزمة اجتماعية فلا بد أن تكون لها جذورها في الذاكرة، وهي ذاكرة قلقة فيها من البطولات والأمجاد ما يحسدنا عليه القريب والبعيد وفيها من الأزمات والأحداث التي تركت جراحا غائرة في كيان هذه الأمة القلقة.

وإذا أردنا أن نتحدث عن الذاكرة الجماعية للأمة الجزائرية فستحضر أمامنا صور البطولة والتضحية في الثورة المجيدة، كما تحضر أمامنا فترة الاستعمار الطويلة والأليمة، وتحضر لحظات الاستقلال وبناء الدولة المشرق، وتقاطعها محنة العشرية السوداء، فإلى أي ذاكرة سيرجع بنا الشعر؟

لعنة البرابرة أو ذاكرة العنف

يفتتح الشاعر ديوانه بقصيدة لعنة البرابرة، وهي قصيدة تؤرخ رمزيًا لأمة لا تعرف إلا العنف، أو لم تشهد استقرارًا خلال حقبها المتعاقبة. وهو عنف أصبح نهج الجميع وديدنهم:

برابرةٌ أنتم ونحن برابرةٌ
سنسلكه دربًا ونعرف آخره

نخرِّبُ أرضًا كم تظلُّ كريمةً
ونمحُ سماءً ليس تبرحُ ساهرة

خسرتم ولم نربح، سقطتم ولم نقم
وبُئنا جميعًا لعنةً متواترة[1]

يلجأ الشاعر إلى اللغة الرمزية ليعمّق الدلالة، ويبين أن الحال التي نحن فيها لا تؤدي إلا إلى دمار الإنسان وهلاكه. وقد استعان الشاعر برموز متنوّعة، منها:

\”ننحر غابة\”: وهي إشارة رمزية إلى الحرائق التي تلتهم رئة العالم، وبالأخصّ الحرائق التي نشبت في الجزائر سنة 2021، والتي دمّرت مساحات شاسعة من غابات الشرق الجزائري، خاصة في ولايتي \”تيزي وزو\” و\”بجاية\”. وكان من ضحايا هذه الحرائق جمال بن إسماعيل، الذي أُحرق ظلمًا بعد أن اتُّهم زورًا بالتسبب في تلك الحرائق. وهكذا أصبحت الحرائق رمزًا للعنف والدمار، والحرائق هنا لا تقتصر على الأشجار والغابات، بل هي حرائق الإنسان وهلاك البشرية بالدرجة الأولى.

\”وما ثَمّ باخرة\”: دلالة على ضعف الأمة التي باتت غير قادرة على حماية نفسها، أو مجتمعها، أو غاباتها، من شتى المصائب. فهي لم تعد تستطيع حتى إطفاء الحرائق الطبيعية، فضلًا عن الحرائق الاجتماعية.

\”يباركُنا ربٌّ\”: هنا يخرج الشاعر بمفهوم \”الرب\” من معناه الاصطلاحي إلى معنى شعري رمزي؛ فالمقصود هو ذلك \”الرب\” الذي تقتل باسمه الجماعات الإرهابية، وتدّعي أنه يبارك أفعالها الإجرامية. في هذا التصوير دلالة على الفهم المتشدد والضيق للدين، الذي تستخدمه الجماعات المتطرفة في تأويلات محرفة تدعو إلى القتل والدمار. إنه، باختصار، ربُّ البرابرة. وهو لا يقتصر على الرب بالمفهوم الديني، فقد يكون الرب صورة لعرق يعتقد أنه أفضل الأعراق، وقد يكون الرب صورة لإيديولوجيا ترى أن الحق محصور في معناها، فالرب هنا هو الفكرة التي تختصر فيها جماعة الحق وترفض وتلغي كل ما عداها.

\”يرافقُنا ذئبٌ\”: إشارة إلى السياسي الذي ينتهز الفرصة ليسرق شعبه، ويغدر بمن أوصله إلى سدة الحكم.

حتى يصل الشاعر إلى قوله:

هنا أمّةٌ بالقِلّةِ الضَّنكِ آمنتْ
ستبقى بكافِ الكوثرِ الرحبِ كافرة[2]

ليُشير إلى القِلّة الفكرية، لا القِلّة المادية. فالأمة التي تمتلك تاريخًا من العنف وتعيش عليه، لا تؤمن بالتعدد والاختلاف، وما زالت تحيا وفق ثقافة القبيلة، رافضةً أن تعيش في مدينة مزدهرة، وهذا مل تقرره البيات التالية:

يعلِّمُنا التاريخَ أنْ قبيلةً
ستسقطُ منه أحرفًا متناثرة

فما ثَمّ إلا جامعٌ من مدينةٍ
تضمُّ إليها صوتَها لتحاوره[3]

ثم تصل القصيدة إلى مناسبتها الأساسية، وهي حادثة اغتيال جمال بن سماعيل في صائفة 2021، والقصيدة لا تذكر جمال بالاسم ولكنها تحيل إليه برموز مختلفة:

هنا أول القتلى استطالت دماؤه

حبالا على جيد القبيلة دائرة

هنا طائرٌ يشدو، قطعنا غناءه
وفي النار دسْنا حلمَه وكياثره
ستتبعُنا عيناه في كلِّ مُلتوى
ونحملُ في كلِّ البلادِ مناظرَه
هنا ننسفُ الفجرَ الجميل وندّعي

بأنَّا الذين.. يهجسونَ بشائرَه
لينبتَ جيلٌ من رمادِ خرابِنا
يصبُّ لأطرافِ الوجودِ جرائرَه[4]

في لغة شعرية رمزية تؤرخ القصيدة للجريمة الشنعاء التي راح ضحيتها جمال بن إسماعيل.  ويأتي هذا الاسم في دلالات ورموز مختلفة، أولها رمز الطائر المحترق، حيث يقول الشاعر: \”هنا طائر يشدو\”. ورمزية الاحتراق في قوله: \”وفي النار دسْنا حلمَه وكياثره\”

وهناك رمزية أخرى لجمال بن إسماعيل وهي الفجر: \”هنا ننسفُ الفجر الجميل\” فالقتل لم يكن لشخصٍ فقط، بل كان قتلًا للفجر، للحلم، وللأمل الذي كانت الأمة تتطلع إليه. إنه استمرارية لتاريخ العنف الذي لم ينتهِ، إنه امتداد لِلعنة البرابرة. والأسوأ من ذلك، إن هذه الجريمة لن تكون النهاية، بل ستنجب جيلًا أشدّ عنفًا، جيلًا خرج من رماد الخراب، لن ترى منه الأرض خيرًا، بل سترى الدمار فقط.

لا تشير القصيدة إلى جمال بن إسماعيل بشكل مباشر، بل تستعين باللغة الرمزية لتتجاوز الحادثة الجزئية إلى المعنى الإنساني الأعمّ. فـ جمال بن إسماعيل هنا ليس مجرد فرد، بل هو رمزٌ للروح الإنسانية المقهورة في عالمٍ يضجّ بالظلم، والطغيان، والتقتيل، والحروب.

إنه رمزٌ للفن، للحياة، للإنسان في مواجهة الغوغاء، والشر الأرضي، وتاريخ العنف، وذاكرة القتل المتجذّرة في الأمة. ولذلك، يجعل الشاعر من هذه الحادثة نقطة تحوّل في تاريخ الأمة، حيث تصبح وصمةَ عارٍ وندبةً في صدرها، فيقول:

\”ستتبعُنا عيناه في كلِّ مُلتوى
ونحملُ في كلِّ البلادِ مناظرَه\”[5]

الخاتمة:

إن ديوان \”أبناء السماء يرحلون باكرًا\” ليس مجرد مجموعة من القصائد، بل هو صرخة في وجه الظلم، وتأريخ رمزي لأمةٍ لا تزال تعاني من جراحها. في هذا العمل، يضع عبد الحاكم بالحيا يده على الجرح الإنساني العميق، محاولًا أن يعيد الاعتبار للفن، للحب، وللحياة وسط عالمٍ يضج بالعنف. إنه دعوةٌ للتأمل في قيمة الإنسان، واستعادة الذاكرة الجماعية بعيدًا عن دوامة القتل والدمار، ليصبح الشعر رسالة سلام وسط الخراب.

 

[1]. عبد الحاكم بالحيا: أبناء السماء يرحلون باكرا، دار فكرة كون، ورقلة/الجزائر، 2023، ط1، ص5-6.

[2]. المصدر نفسه، ص7.

[3]. المصدر نفسه، ص نفسها.

[4]. المصدر نفسه، ص8.

[5]. المصدر نفسه، ص8.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 1 / 5. عداد التقييمات: 2

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *