نوال مسعودي/ الجزائر
أثار المقطع الذي قدمته الفنانة القديرة فطيمة حليلو ضمن أحداث مسلسل البراني نقاشا لافتا لدى بعضهم بالوسط الفني والثقافي، فقد بدا هذا المقطع في نظري على الأقل، أقرب إلى خطاب مباشر موجه إلى المتلقي، منه إلى جزء من البنية الدرامية المتماسكة للنص، وهو ما فتح الباب للتساؤل حول حدود التعبير عن قضايا الوسط الفني داخل العمل الدرامي، ومدى مشروعية تحويل المشهد التمثيلي إلى منصة خطابية خارج سياق الحكاية.
لا شك أن ما عبرت عنه الفنانة فطيمة حليلو يلامس واقعا معروفا لدى كثير من الفنانين الحقيقيين، واقع يتسم بتراجع فرص الإنتاج، وتقلص مساحة العمل أمام الأسماء ذات التجربة الطويلة، فضلا عن مظاهر التهميش التي طالت فئة من المبدعين الذين أسهموا في بناء الذاكرة الفنية، كما أن التحولات التي شهدها المشهد السمعي البصري، خصوصا مع صعود ثقافة “المؤثرين” واستثمارهم لجذب نسب المشاهدة، قد أعادت ترتيب الأولويات لدى بعض المنتجين، أحيانا على حساب القيمة الفنية والخبرة المهنية.
غير أن الإشكال لا يكمن في مضمون القضية بقدر ما يكمن في آلية طرحها داخل العمل الدرامي، فالدراما، بطبيعتها، فن يقوم على التخييل وبناء العوالم السردية، حيث تتجسد القضايا من خلال الشخصيات والصراعات الدرامية، لا عبر الخطاب المباشر الذي يقطع الإيهام الفني، وعندما يتحول المشهد إلى تصريح صريح خارج سياق الشخصية ومسارها الدرامي، يفقد العمل جزءا من تماسكه الجمالي، ويغدو أقرب إلى بيان احتجاجي منه إلى لحظة فنية مكتملة.
من هنا، فإن إدراج قضايا الفنانين ومشكلاتهم داخل الأعمال الدرامية يحتاج إلى تخصيص اعمال لها، ومعالجة درامية عميقة، تتكئ على البناء السردي،تظهر الأزمة من خلال الفعل الدرامي لا من خلال الخطاب المباشر، فالفن في جوهره أكثر قدرة على التأثير حين يلمح ولا يصرح، وحين يترك للمشاهد فرصة اكتشاف المعنى بدل تلقيه في صيغة خطابية جاهزة في مشهد عابر، في المقابل، يبقى السؤال الجوهري موجها إلى صناع العمل أنفسهم: المنتج والمخرج على حد سواء… القضية التي أثيرت لا تحتاج بالضرورة إلى جملة عابرة في مشهد تمثيلي كي تصبح معروفة، إذ إن واقع الفنانين ومشكلاتهم بات واضحا للمتابعين والمهتمين بالشأن الثقافي، الأجدر أن تترجم هذه القضايا إلى مراجعات حقيقية في آليات الإنتاج واختيارات الاعمال ووفرتها، بما يفتح المجال أمام الفنانين أصحاب التجربة والموهبة، ويعيد الاعتبار للكفاءة الفنية بوصفها معيارا أساسيا في صناعة الدراما، الفن الدرامي لا يقاس بقدرته على إطلاق الشعارات، بل بقدرته على صناعة المعنى داخل العمل نفسه، لذلك فإن معالجة أزمة الفنانين لا ينبغي أن تبقى في حدود التلميح الخطابي، بل أن تتحول إلى ممارسات إنتاجية عادلة، تعيد للفنان الحقيقي مكانته، وتمنح التجربة والخبرة حقهما الطبيعي داخل المشهد الدرامي، والهدف، في نهاية المطاف، ليس مجرد الإشارة إلى المشكلة، بل السعي الحقيقي إلى معالجتها، والكرة في هذا السياق، تبقى في ملعب صناع الدراما أنفسهم، فهم الأقدر على إعادة ترتيب المعادلة بين متطلبات السوق واحترام القيمة الفنية، بما يضمن للدراما أن تظل فضاء للإبداع لا مجرد وسيلة عابرة لاستقطاب نسب المشاهدة.