أبناء البوادي يصنعون التاريخ
الملاحظ أنّ ايمان خليف (أول ميدالية ذهنية أولمبية في الملاكمة الأنثوية) قد بنت مجدها الباكر ضمن سياق الاعتماد على النفس (باعت خبزا يابسا، وبقايا حديد ونحاس لتبلغ مدينة تيارت / 10 كلم عن قريتها) بعدما تشبتت باليد التي مدّها لها مدربها المحلي.. يكاد كفاحها اليومي لبلوغ أهدافها وتحقيق طموحها لا يختلف في حرارة إرادته ومحنة تفاصيله عن كفاح نابغة بادية ولاية سعيدة بوحفص فضلاوي (يُحضر الدروس على ضوء شمعة داخل خيمة منسوجة بأسمال من أكياس الدقيق والسكر / باكالوريا رياضيات بمعدل 17,42 ) أو مسار كفاح خديجة بنت بادية ولاية البيض التي لم تحظ بأي تكريم من لدن الثانوية التي تدرس فيها ولا من مديرية التربية، يبدو أنهم لم يستصيغوا نجاح الغلابى !
هؤلاء البسطاء الغلابى انطلقوا من بيئة معدومة من وسائل النقل ووسائط الاتصال الاجتماعي، ومسلوبة من وسائل الدعم والتحفيز.. بيئة قاسية في مناخها ومنزوية في جغرافيتها ! غير أنّ أبنائها وبناتها رفعوا التحدي وتجاوزوا سقف أحلامهم فأصبحوا حديث دهشة وإعجاب ثم امتدت لهم الأيادي الكريمة بالسخاء والعطاء (فضلاوي تحديدا) لقد أقاموا الحجة على أهل المدينة من من أحاطت بهم أسباب النجاح والرعاية ثم لم يُحققوا شيئاً أو إلا القليل..
فإذا كان بوحفص فضلاوي قد أصبح أسوة حسنة وقدوة مثالية وداعية على المستوى الوطني والعربي إلى مراجعة منظومة قيم النجاح، ومراجعة طبيعة العلاقات بين البادية والمدينة في العصر الحديث فإنّ ايمان خليف أصبحت تعطي دروسا لأوربا الغربية وأمريكا وللعالم في المعاني السامية للرياضات الأولمبية ودروسا وعِبَرا في الاستثمار السلمي الحضاري للقاء شعوب العالم فعلت ذلك بخطابها البسيط النابع من مراس صهرته أيام لم تخلو من محن وخطوب.. ! لقد وصف رئيس الجمهورية منجزها الباهر وصنّفه في تغريدته : “بأنّ نصرك هو نصر الجزائر”. ثم ماذا نقول عن كيليا نمور العائدة أصولها لقرية جبلية بولاية جيجل.. هذه الصغيرة التي فضلت الجزائر وعلمها الثائر على فرنسا وعلمها الخائر !
أعتقد بأنّ هؤلاء الصغار في أعمارهم، الكبار بمنجزاتهم قد أقاموا الحجج الدامغة على السلطة وعلى الشعب بضرورة العمل بصدق وإخلاص من أجل تأسيس تقاليد جزائرية تهتم بالأطفال وبالشباب النابغين في شتى أصناف العلوم وفي شتى صنوف الفنون والرياضات، تقاليد تكفل لهؤلاء رعاية مستمرة ومُرافقة دائمة في ظل تكافؤ الفرص (لا فرق بين قرية/بادية ومدينة إلا بالنتائج والحصائل).
أمّا على شغاف قلوب الجزائريين، فقد كشفت نجاحات أولئك الصغار العظماء، ربما للمرة السبعين بعد المليون، عن طيبة الجزائريين وكرمهم الفياض تجاه الفقراء والمساكين، وعن أنفتهم ورفضهم للحقرة والاحتقار، هي قيم يجب استثمارها والاشتغال عليها باخراجها من الانفعال إلى الأفعال ! ليس لتقوية اللحمة الوطنية فحسب بل للنهضة بالجزائر وتأمين أمنها الغدائي والجيو-سياسي بالعلم والعمل.
في الأخير، ما أخشاه هو ضياع أو تضييع هذا الزخم الذي جاء به بنات وأبناء القرى والبوادي الجزائرية خاصة هذا العام 2024م، أخشى أن يكون حصاد الافادة منه مجرد فورة أو ذكرى حلوة ستنساب مع مرور الأيام من “ثقب الضياع” الذي اعتلت به ذاكرتنا الجماعية منذ بواكير الاستقلال..

أشكر إدارة تحرير مجلة إمزاد على نشر إفضاءاتي ولواعجي لأتقاسمها مع القراء.
مرحبا بك دوما إمزاد مجلة الجميع