ؤغماين_ؤمّاين الألوان وحضورها في الثقافة المحلية الجزائرية

ؤغماين_ؤمّاين الألوان وحضورها في الثقافة المحلية الجزائرية
1
(1)

ؤغماين_ؤمّاي

بقلم يوسف لعساكر

الألوان وحضورها في ثقافتنا ، تشكل جزءا من ذاكرتنا الشعبية ، تذكي في ذواتنا نوستالجيا وحنينا إلى الأصل والزمكان وتربطنا بالذكريات الجميلة، بملذاتها و مواجعها ، كما نجد ذلك جليا في الثقافات الكونية ويتشارك فيها بنو البشر مع اختلافات متناغمة أحيانا و متنافرة أحيانا اخرى . فالمنظومة اللونية متجذرة في ممارساتنا اليومية و المناسباتية ، فجل الألوان ان لم أقل كلها حاضرة فينا و من حوالينا ، سواء أدركنا دلالاتها و أبعادها ، أو لم ندركها . مما يفسر : ان البعض من شدة تعوده وإيلافه لرؤيتها حتى أصبحت جماليات تلك الألوان لا تدهشه .
و للتعبير عن ماهية اللون ، و التلوين ، عند الأمازيغ بتنوعاتهم اللهجية ، تستعمل العديد من المرادفات مثل ؤژم ، ئني ، يكلا ، يمًوتي ،يزوق، يجرضم …الخ ) و هي معاني توسعية مرتبطة بالسياق كالتحول و التغيّر ….الخ ، لكن اشهرها لفظة ، ؤغماي ⵓⵖⵎⴰⵢ . او ؤمّاي ⵓⵎⵎⴰⵢ بشد الميم عند الاستغناء عن الغين . و اللفظة مشتقة من مصدر اسغمي ⴰⵙⵖⵎⵉ اي عملية الصباغة، و (يغما) التلوين ، و اغمًا , ⴰⵖⵎⵎⴰ جمع ايغمٌاين. ⵉⵖⵎⵎⴰⵢⵏ تعني الخضر من الثمار التي تطهى مع الكسكسي مثلا ، و الخضر كما نعلم مختلفة ألوانها، و اسغمي ايضا دلالته التنشئة بالمعنى التوسعي ، و الإنشاء و التفرع من الأصل و الملة ، و مرادفه بلغة التوارق اغنا اي الخلق وهو ابدال بين ( الميم و النون) ( اغما،ⴰⵖⵎⴰ اغنا ⴰⵖⵏⴰ ) هذا ما يحيلنا إلى معاني القرآن في الآيتين 27 ، 28،من سورة فاطر : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) . و أيضا في الآية 138 من سورة البقرة : “صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)”صدق الله العظيم.
إلى هنا ، أ لا تفتح لنا هذه المفاهيم باب القول ان المعاني و الدلالات ، و إن توسعت السياقات و اختلفت ، هي شيء انساني مشترك !!!؟
ومن الالوان الأكثر حضورا اللون الابيض المرتبط بالقداسة ، بالطهر ، و بالفضاءات التعبدية ، الافراح و الأتراح ..الخ ، واللون الأزرق الفاتح بدرجة ثانية بعده و الذي تطلى به سطوح البيوت ، بغرض كسر اشعة الشمس و التقليص من شدة حرها سيما في موسم الصيف . كما في العديد من الثقافات ، الأزرق له دور بليغ في رسم الدلالة و توسيعها في التداول بامتداداتها من مجتمع لآخر.
ومن الألوان الحاضرة ايضا، في تجمعاتنا، البرتقالي و الأخضر ، بالخصوص في افراحنا سواء الاعراس او المواسم و الفضاءات التي تعبر عن الابتهاج و السرور ،و فيها تحضر الأنسجة و الألبسة التقليدية لاسيما لدى العرائس و الاطفال المختونين.
لو تأملنا جليا هذين اللونين لوجدناهما مُستلهمين من بعض الفواكه و الخضر والنباتات كالازهار و الزعفران ، واللذين يضفيان رونقا وارتياحا للناظرين ، كما يعتبران من الألوان الاكثر شعبية في الملاعب من طرف الانصار ، أو كلباس لبعض الفرق الرياضيّة ، لأنهما المحفز و الباعث على الحيوية و النشاط، والتطلع إلى الانتصار.
و اللون “احنّي” أي البرتقال ، كما يشاع في ثقافتنا المحلية ،مشتق معناه من لفظة “الحنّي” اي الحنًاء او الخضاب ، و التي أصلها نبات اوراقه خضراء اللون ، كما يُدعى ايضا بـ التشيني ، نسبة إلى فاكهة ” تشينة” اي البرتقال ، كلها تفسر المعنى ذاته.
و من دلالاته، الحنين والشوق،و المعزّة من العز ، …الخ .
هذا المعنى يدفعنا إلى التعمق أكثر في الدلالة اللغوية المغاربية و الأمازيغية بتبديل فقط حرف الحاء بالهاء ، من خلال لفظة اهني ،ahni، لإخواننا ايموهاغ او التوارق و التي من معانيها الدم، الذي لونه احمر يميل الى البني ، او اللون العسلي او العسل بحد ذاته ، كما يعبر عنه باللغة الانجليزية honey, و تنطق هاني ، و تعني ايضا العزيز ، الذي نعبر له بالحنين اليه و لهفة لقائه و رؤيته.
إذًا البرتقالي و الأخضر ينسجمان و يتناغمان في السحر والجاذبية و راسخان في مخيالنا الجمعي كرمز للقداسة و الطهر و النقاء ، والارتياح وفتح الشهية والاستمتاع بالحياة.
و هذه الشروحات هي جواب على أسئلتي الفضولية التي طالما شغلتني و اشتغلت على البحث فيها منذ زمن، كدلالة هذين اللونين و علاقتهما بـ (#دال ) و هو خيط اخضر اللون الحاضر ، في التسريحات التقليدية لدى النساء ؟ و الاطفال؟ وبعض المقتنيات للزينة ؟ كالغطاء الذي يزين به وعاء مشروب العريسين (تاكروايت ) في ايامهما الأولى،
كما نجده اي اللون الاخضر كسبغة للأواني الفخارية سواء في البيوت أو على الأضرحة و القبور ؟
علما ان خيط #دال مشتق من اللون الاخضر اي ادالي، او دال نفسه هو الاخضر و منه توسعت معاني التغطية و الحجب و التستر ، و مرادفه في الأمازيغية ازگزاو azegzaw ، او ازيزاو / ازيز ، ازگزا ، اي الازرق لدى المزابين في حين هو الاخضر عند جل الأمازيغ . …لكن الغريب اننا نستعمله بمعنى الاخضر في عبارة فلفلة (تاخلابت) تازيزاوت اي خضراء او نية لم تطبخ .
#تيخلاّبين_تورويرنت #Tixellabin_twerwirent
واللون الازرق في بعض الثقافات يعبر عن عدم النضج و قلة التجربة او الشخص الجديد في ميدان معين اين يكون فيه ناقص التجربة !!!؟؟
أما اللون الأحمر أي ما يعرف بـأزوڨّاغ ، من فعل يزوغ اي لحمر ، و يزوغ / ايزوگغ اي احمر دائم ، و ربما ازوق من نفس الجذر اي التلوين .
و اللون الاحمر مرتبط بالانسان منذ القديم يعكس آلامه و آماله ، و طقوس تقربه و تعبده . و هو من الألوان الأساسية مثل الأزرق و الأصفر ، و بالمزج فيما بينها تنتج ألوان أخرى ، كلها تتناغم فيما بينها و تدخل في جماليات الأزياء التي يُتزين بها تعبيرا عن البهجة و التفاءل و العطاء ، كالأخضر و البرتقالي و البنفسجي كما ذكرنا.
و اللون الأحمر يرمز إلى الأضحية، و سفك الدم و سيلانه ، و نجده عند الأمازيغ مرتبطا بهذا المعنى ،حتى اصبح دلالة للقربان ، و لفظة #تافصكا اقلاب في اللفظة العربية ” سفك” و هي من الالفاظ القديمة التي تعني اراقة الدم ، الإصابة ، التضحية و الذبح تقربا للخالق، في شتى المواسم و المناسبات سواء كانت افراحا أو أتراحا إلى أن تطور المفهوم إلى معنى العيد أو الإحتفال و المهرجان ، لذلك نجده أي( اللون الأحمر) يتجلى في لباس الفرسان، دليلا عن الدفاع و التسبيل فداء للارض و الوطن، ونجده مع الابيض و الأخضر و البرتقالي في زي العُرس ، العرائس ، و حتى #ايمزورن اي الأطفال المختونين ، و في #امنديل كغطاء على الأكلات الشعبية المناسباتية ، تعبيرا عن البهجة و السرور .
و أعتقد أن اصل كلمة ازوڨّاغ من فعل يسواغ أي اصاب ، إصابة ، و هو مشتق من لون الدم ، فالإنسان اثناء إصابته بجرح يسيل دمه، كأن اللون الاحمر هو السيلان بعد الإصابة فيقال اسوّاغ فخفف السين زاي لسهولة نطقه و شدد الواو الى جيم مصرية و الاصل يزوغ .
دلالة اللون الاحمر تتقاسمها العديد من المجتمعات الانسانية
وهو يشترك مع الألوان التي تطرقنا إليها في رمزيته للدفء، والحب، والأحاسيس القوية، لأنها من الألوان الجلية الناصعة الملفتة للإنتباه و الساخنة المستمدة من حرارة الشمس، و وهجها، كما يعبر بها في بعض الأحيان عن المأساة، العنف ، العنفوان، القوة ، الإثارة، الطاقة, التحفيز ، العمل, الخطر، الغضب, الشغف, الوجل ، الخجل، كما يرمز به لعيد الميلاد و عيد الحب، و أيضا هو رمز الرخاء و حسن الحظ كما في بعض الأمثال الشعبية ، و الفرح عند اقترانه باللون الأبيض، و يرمز للنقاء و الخصوبة، و للمرأة المتزوجة.
و تبقى منظومة الألوان من أساسيات أشكال التعبير و جماليات الذوق ، حتى و إن بدى لنا الإختلاف في التأويلات و الإسقاطات من حيث الدلالات التي تعكس نمط تفكير المجتمعات البشرية و تساعد على فهم رمزية الألوان في ثقافاتها المختلفة، و على إدراك أبعاد و كنه بعض الممارسات و العادات ذات الصلة بتلك الألوان ، و إمكانية إعادة توظيفها في المجالات الفنية، كرافد حضاري يساهم في التراكم المعرفي من خلال التبادلات الثقافية لمد جسور التعارف و إزالة كل ما من شأنه يزيد من هوّة التنافر بين الإثنيات المختلفة.
يوسف لعساكر .

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 1 / 5. عداد التقييمات: 1

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *