إشكالية الكتابة النقدية البينية في النقد القصصي والروائي الجزائري/ (الهوية والنص السردي) لمخلوف عامر أنموذجا / قراءة ثقافية

إشكالية الكتابة النقدية البينية في النقد القصصي والروائي الجزائري/ (الهوية والنص السردي) لمخلوف عامر أنموذجا / قراءة ثقافية
0
(0)

قلولي بن ساعد/ ناقد وباحث جزائري

لم يتردد أبدا النقاد الجزائريون في متابعة النصوص القصصية والروائية الجزائرية والمغاربية  على صعيد النقد والتحليل في أي زمن من أزمنة تحولات الكتابة السردية الجزائرية والمنظومات الثقافية المنبثقة عنها ،  أو تلك التي شكلت بعض محدداتها الأساسية  إن على الصعيد الإيديولوجي ، أو على صعيد مكونات الكتابة السردية ذاتها في بعدها الذائقي المتحول من حقبة إلى أخرى .

على عكس ما يشاع في بعض الفضاءات الثقافية والإعلامية ،   من أن النقد الأدبي الجزائري متخلف جدا عن الكتابة السردية الروائية على وجه الخصوص .

وانطلاقا من هذا المعطى ،  فإن التراكم الذي عرفه فن السرد القصصي والروائي الجزائري هو من الثراء بمكان ، ولا يمكن أن يتصدى لهذا السيل المتعدد من النصوص القصصية والروائية ناقد واحد أو عدد محدد من النقاد .

طالما أن تجربة الكتابة النقدية في الجزائر لا زالت لم تبرح كونها عمل أفراد ولم يتمأسس بعد .

وعليه يصح القول  أنه لدينا نقاد وليست لدينا حركة نقدية ،  بالمعنى الذي يشير إليه تيبودي الذي يستعير منه عبد الملك مرتاض قوله المتضمن \” وجود نقاد فقط وعدم وجود نقد \”  (01) .

على مانرى ذلك لدى جماعة (telkil) المجلة الفرنسية التي أخذت على عاتقها بناء خطوط المعرفة النقدية ضمن  معطيات المنظومة الثقافية السائدة ، في ذلك الزمن اعتمادا على جهود عدد من النقاد والمنظرين على غرار تودوروف وكريستيفا وجيرارجينيت فييما يشبه الجبهة الثقافية المضادة لنمط التلقي النقدي الكلاسيكي الذي كان سائدا في السوربون  الحصن العتيق للمأسسة الأكاديمية ، التي كان قد شبهها ميشيل فوكو بالعجوز البرجوازية .

مما يعني أن النهوض بعبء التناول البعيد المدى للكتابة السردية الجزائرية يتطلب توزيع هذا الجهد المأمول على فرق بحث  ،  تعمل على تمويله ومتابعته مؤسسات جامعية قادرة على الإحاطة بكافة التجارب القصصية والروائية بعيدا عن أية  خلفية إيديولوجية أو جغرافية في المركز أو في الأطراف .

ردما لعواصف الانتقاء والمزاجية والشللية التي حولت بعض التجارب القصصية والروائية إلى مجرد ملاحق تابعة لكتاب آخرين أو مكملة لهم بحكم جناية الجغرافيا على بعض القصاصين والروائيين المتميزين والقرب أو البعد من وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية الرسمية كمركز وهمي للإشعاع الثقافي والتداول الإعلامي للقضايا الزائفة والمغلوطة إلى حد طمس وعي الخصوصية والتفرد والاختلاف الناشيء عنها . ضمن مناخ \” لا زال يرسخ لسلطة المرجع والمعيار وجعل الحقيقة تأسيسا نصيا لا بحثا في مفازة الوجود وانبثاقا من التجربة الحية \”(02) . المنخرطة انخراطا في زمنها ومعيوشها صوب كتابة سردية لها مالها وعليها ما عليها ضمن معطيات اتسمت بتلاشي بريق مختلف اليوتوبيات والأسس العائمة التي أساءت إلى النص القصصي والروائي الجزائري .

من حيث أرادت أن تؤثث مفازاته ودروبه لواذا بإغناء شكلي وطاريء على العملية الإبداعية منفصل تماما عن خصوصية الكتابة السردية ،  وما تطرحه من أسئلة جمالية وفنية كجنس أدبي متحرر على الأقل شكليا من مختلف التجليات والمسبقات الخطابية والإيديولوجية .

وقد لا أضيف جديدا إذ قلت أن الناقد الجزائري الدكتور مخلوف عامر يعد من أكثر النقاد الجزائريين اقترابا من تحولات الكتابة القصصية والروائية و سياقاتها البنيوية والثقافية منذ أن نشر كتابه المرجعي سنة 1984 (تجارب قصيرة وقضايا كبيرة دراسات في القصة والرواية ) .

وهو لم يأت إلى النقد الأدبي من باب النقد الاكاديمي .

والدليل على ذلك أن أغلب الكتب التي نشرها و استهل بها تجربته في عالم الكتابة النقدية ( تجارب قصيرة وقضايا كبيرة / تطلعات إلى الغد / مظاهر التجديد في القصة القصيرة بالجزائر ) وغيرها كتبها وهو لا يزال بعيدا عن سلك التدريس الجامعي .

وبعبارة أخرى فالناقد مخلوف عامر بدأ ناقدا عصاميا وحتى عندما كان يقدم هذه الدراسات فهي لم تكن تخلوا خلوا تاما من الضوابط المفهومية  والمنهجية والإجرائية التي يتطلبها البحث العلمي الرصين .

ولكنها أيضا لا تنحاز صوب تلك العدمية النصية التي لا ترى في النص سوى كونه أداة لقياس قدرة المنهج على جر النص بما يستجيب لمسلمات المنهج التعسفية بركونها بالإقامة داخل الغييتو النقدي ، أو المأسسة النقدية التي  وصفها ناقد ومفكر فرنسي من أصل بلغاري وهو تودوروف في كتابه ( الأدب في خطر ) (بالغيتو الشكلاني ) .

بدعوى التخصص والوفاء للمنهج لا للنص موضوع المعالجة النقدية .

بما يعني أن تجربة الناقد الجزائري مخلوف على أهميتها واتساع مساراتها ،  بما في ذلك ما كتبه من دراسات نقدية ضمن أفق النقد الأكاديمي بعد التحاقه بسلك التدريس الجامعي كتتويج مستحق لما سبقه من تجارب نقدية خاضها بوعي واقتدار، تندرج في ما أصبح يسمى (بالنقد البيني ) ،  المنبثق هو الآخر من خطاب أشمل في تحليل الخطاب هو الخطاب البيني بمعنى \” تلك المساحة المفترضة بين الخطابات المختلفة يكون مجالها هذا المشترك البيني \” (03) .

إنه  النقد الذي يتموضع ضمن مساحة هي مساحة (البين بين ) ،   من حيث أنه لا يتنكر لتقاليد الكتابة النقدية الأكاديمية بصرامتها المنهجية والإجرائية .

ولكنه أيضا لا يغرق في لعبة الدوال والمصطلحات على حساب النص ،  أي لا يجعل من الثقافة النظرية متكآ للإشهار النظري والإبستيمي  لثقافة الناقد وموسوعيته الوهمية في إهمال تام للنص  موضوع النقد .

ونحن إذ نشدد على أهمية \”الكتابة النقدية البينية\” في تجربة الناقد الجزائري الدكتور مخلوف عامر ، كما تشكلت عبر بعض نصوصه النقدية فإننا سنقتصر على ملاحقة هذا المفهوم مفهوم الكتابة النقدية البينية كما تتجلى لنا عبر أحد كتبه التي أصدرها في السنوات الأخيرة ونعني بذلك ( الهوية والنص السردي) .

ولذلك سنحاول استخراج أسئلة الكتابة النقدية البينية كما تشكلت في ( الهوية والنص السردي ) وفتح حوار مع الناقد الجزائري مخلوف عامر من زاويتين الزاوية الأولى :

وهي المتعلقة ببحثه المحموم عن ( القاريء النموذجي) في النصوص السردية من  منظور أمبيرتو إيكو الذي جعل مخلوف عامر من كتابه (ست نزهات في غابة السرد) متكآ له .

وفي الزاوية الثانية :

سنحاول الإحاطة ببعض المفاهيم الرئيسية للنقد ما بعد الكولونيالي الذي ظهر كما لو أن مخلوف عامر قريبا منه دون أن يلزم نفسه بالتقيد ببعض المفاهيم التي تتأسس عليها النظرية ما بعد الكولونيالية أو حتى بتسميتها وتحديد مجالاتها والأسئلة الحاضنة لها عندما كان  يحوم حولها وبين أجواءها في (النصوص الكولونيالية والنصوص المضادة ) .

وهو عنوان أحد فصول كتابه (الهوية والنص السردي ) .

وينبغي أن لا ننسى أن هذا النوع من النصوص يتطلب نوعا مختلفا من القراءة عن ما كان سائدا من أنماط القراءة النصية  صوب القراءة الثقافية لما تتضمنه من مواد إجرائية تعنى بالبحث عن الأنساق المهيمنة في النص ومحاولة الرد عليها بدل أسئلة النص الجمالية والبنائية أو ما يسميه إدوارد سعيد ( تيه النصية ) .

وبالطبع فمخلوف عامر لا يقدم نفسه بوصفه ناقدا ثقافيا ، والغاية من كل ما قدمه من نصوص نقدية مثلما يردد في أكثر من مناسبة أنه يحاول التعريف بالنص السردي الجزائري لا غير ، وربما كان يقدم نقدا هو النقد البيني أو (المشترك البيني) ما بين النقد الثقافي والنقد العملي .

القارئ وغابة السرد

تحت هذا العنوان ( القارئ وغابة السرد)  تتشكل منظورات التحليل السردي التي شغلت

مخيال مخلوف عامر النقدي من خلال الاتكاء على بعض المرتكزات القائمة على توسيع دائرة الرؤية والتحول  بما سيحتاج إليه القارئ النموذجي كما يتجلى في بعض محددات التنظير السيميو تأويلي عند أمبريتو إيكو ليس فقط من خلال (ست نزهات في غابة السرد ) ،   وإنما ايضا عبر بعض كتبه الأخرى التي كرسها لما يسميه ( بالتعاضد التأويلي للنصوص ) كما في (القارئ في الحكاية ) ( آليات الكتابة السردية ) ( الأثر المفتوح ) وغيرها .

ويبدوا أن مفهوم القاريء  النموذجي  عند أمبرتو إيكو يعود بجذوره إلى كتابه المرجعي ( الأثر المفنوح ) .

هذا ما تكشف عنه باحثة جزائرية هي الدكتورة نادية بوشفرة فترد ذلك إلى بحث إيكو عن \”هذا القارئ  النموذجي من خلال علم الجمال والنقد الجدلي للحد من الانغلاق الذي يؤطره شكل النص باتجاه حرية تأويله \” (04) .

ففكرة النموذج على ما تستنج ذلك نادية بوشفرة \” يمكن العثور عليها مبأرة على نظرية النص في كتابيه (القارئ  والحكاية ) و( حدود التأويل ) حيث يتحدث عن القارئ  النموذجي والكاتب النموذجي لا ليشير إلى الصورة التجريبية أو المثالية لدى المؤلف والقارئ وإنما على العكس من ذلك فهو يريد الإشارة إلى الإستترتيجية النصية المسجلة في النص \” (05) .

وثمة مفهوم آخر  يحتل موقعا أساسيا في مشروع إيكو السيميو تأويلي تضع له نادية بوشفرة عنوانا بارزا هو :  ( الشراكة النصية عند أمبرتو إيكو ) .

الشراكة التي تبدأ منذ اللحظة التي أيقن فيها أمبرتو إيكو أن الكتابة لا تعني البرهنة أن ما كتبناه شيء جيد .

ولتوكيد هذه القناعة يستعين إيكو بما ورد في قول شهير لأدغار بو مفاده \” أن وقع العمل الأدبي شئ ومعرفة السيرورة شئ آخر \” (06) .

لكن مخلوف عامر لا يتقيد بكل هذه المفاهيم ولا يحاول الغوص فيها ولا يقدم نفسه بوصفه باحثا سيموطيقيا والدليل على ذلك أنه يختار من كتاب إيكو (ست نزهات في غابة السرد ) ما يتعلق بالقارئ النموذجي مما ورد في كتاب إيكو أربع محاضرات فقط   وهي :

\” ولوج الغابة / غابات لوازي / التريث في الغابة / الغابات الممكنة \” (07) .

ورغم أنه لا  يتردد في استثمار عددا من المفاهيم والأدوات الإجرائية الواردة في نزهات إيكو المساعدة على اعتبار نفسه قارئا نموذجيا على غرار التباطؤ والتهدئة والولوج والقرار وغيرها باحثا عن ما يقابلها في التراث البلاغي العربي .

كأن يرد مفهوم التهدئة  عند إيكو إلى ما يسمى في البلاغة العربية بوظيفة الاستطراد   ورغم أنه لا ينكر أن تشبيه النص بالغابة تشبيه ذكي من إيكو .

لكنه سرعان ما يقابل ذلك بماورد في رؤية عبد السلام المسدي في ( الأسلوبية والأسلوب ) عند تمييزه النص الأدبي بمن سواه \” بوصف  الحدث الألسني العادي هو خطاب شفاف نرى من خلاله معناه ولا نكاد نراه هو في ذاته بينما يتميز عنه الخطاب الأدبي بكونه ثخينا غير شفاف يستوقفك هو نفسه قبل أن يمكنك من عبوره واختراقه \” (08) .

ومخلوف عامر لا يطرح هذه العودة إلى التراث اللساني العربي وإلى عبد السلام المسدي على وجه الخصوص انطلاقا من رؤية أصلانية للقول بالعودة إلى التراث البلاغي العربي عودة على مستوى القول فقط .

وأحيانا تأخذ شكل رد فعل نفسي بروح عاطفية ومن دون تأسيس علمي ، ولا تملك من إمكانات البقاء شيئا ، وإلا لتحولت هذه العودة إلى مجرد نوع من الاحتماء هو أشبه \” بالولع بالأصل \” بتعبير أدموند جابيس  وطلب النجدة هروبا من الآتي وعدم القدرة على مواجهة المستقبل المنظور من دون عدة أو استعداد للتعامل مع معطيات إفرازاته الفكرية والمعرفية بالشكل الذي نريده أو ينسجم مع ما نتطلع  إليه من آفاق لم نشارك  بكل أسف في صنعها ومعرفة استرتيجيات المنظومة المعرفية التي انبثقت عنها وتشكلت منها طالما أننا ملزمون بالبقاء والتمسك بالحق في الوجود والكتابة .

وهو ما يتطلب وقتا وجهدا وإرادة فعلية خالصة للنهوض بتراثنا  البلاغي العربي بدل الاحتماء به  هروبا من رياح العصر أو ما بقي حيا منه وهو كثير وفيه من الجوانب المضيئة ما يمكننا من ذلك  لأن (يعيش معنا مشاغل عصرنا) على رأي محمد عابد الجابري .

ولذلك يمكن اعتبار مخلوف عامر   أقرب إلى فكرة نيتشة عن العود الأبدي \” كإيذان  بعودة المعنى ولكن كإختلاف وفرق وليس كتطابق وهوية \” (09) .

ومن هنا ضرورة وضع هذه العودة لمخلوف عامر على صعيد نقد النقد في سياق هو سياق النقد ما بعد الكولونيالي بالاتكاء على ما تسميه غياتري سبيفاك (التفاوض) مع النظرية الغربية للحد من مفعول الهيمنة الإبستيمية ،  كما وردت إلينا من مراكز إنتاج المعرفة النظرية بالغرب المرتبطة بالسرديات أو علم السرد أو (الإرجاء)  بمفهوم ديريدا كلحظة وعي نقدي لا بد منها لتوطين الأدلة والمفاهيم أو (تبيئتها ) بتعبير الجابري أو ( أقلمة المفاهيم) بتعبير الباحث السوري الدكتور عمر كوش .

الأقلمة التي خصص لها عمر كوش كتابا سماه ( أقلمة المفاهيم تحولات المفهوم في إرتحاله ) .

وكل هذه المفاهيم تتناص أيضا  مع مفهوم آخر للناقدة الهندية ما بعد الكولونيالية غياتري سبيفاك وهو(التعديل) التعديل  الذي قاد مخلوف عامر في مرحلة أولى إلى الاستغناء عن ماورد في محاضرات إيكو من ممرات لمفاهيم غيرية بسبب الالتباس الذي يرده إلى خلفية إيكو الثقافية التي يستشهد فيها بأعمال لم نطلع عليها وليست من تراثنا .

وفي المرحلة الثانية ، عمد مخلوف عامر إلى إضافة مفهوم جديد لم يرد في استراتيجية إيكو النصية وهو ( الحافز ) \”الذي يجعلك تقدم  على دخول الغابة أو تحجم \” (10) .

هذا ما جعله يختار غابات معينة دون غيرها من الغابات السردية ممثلا لها ( بالموت في وهران ) للحبيب السائح و( تغريبة أحمد الحجري ) لمحمد براهم و( موسم صيد الزنجور) لإسماعيل غزالي و( أعوذ بالله) للسعيد بوطاجين وغيرها .

فهل نجح في ذلك مخلوف عامر .. ؟ .

لست هنا بصدد الإجابة عن هذا السؤال  مما يبعدنا عن الغاية المرجوة من هذه الورقة و( الإطار المرجعي ) لها بتعبير محمد عابد  الجابري المعنية  أساسا بإسقاط وهم التخصص للتمكن من استخراج بعض دلالات أسئلة الكتابة النقدية البينية والأنساق المضمرة لها في ( الهوية والسرد ) لمخلوف عامر.

مخلوف عامر والكتابة النقدية نقد سياقي أم نقد بيني .. . ؟

سيلاحظ القارئ لكتاب ( الهوية والنص السردي ) لمخلوف عامر انطلاقا من الفهرس أو ما يسميه جيرار جينيت (الملحقات النصية) أن عددا من الفصول التي يتألف منها الكتاب موضوع هذه المعالجة المندرجة في حقل نقد النقد تتموضع على مسافة قريبة من مشروع جيرار جينيت العتباتي الحامل لعنوان كبير  هو ( محيط النص ) أو (النصوص الموازية ) وسنكتفي من هذه الفصول يثلاثة منها هي :

( من وحي الملك الضائع ) وتحت هذا العنوان الكبير هناك ملحقات نصية أخرى هي على التوالي ( البيت الأندلسي ومحاكم التفتيش ) ثم ( الأنا والآخر تسامح أم كراهية ) .

وفي الفصل الثاني ( النص الكولونيالي والنص المضاد ) يضاف إلى ذلك ( المقاومة في مرآة الآخر) ثم (العربي في غريب كامو) ( رقان حبيبتي وشهد شاهد من أهلها ) .

وسيعود الناقد في الفصل الأخير لمناقشة قضايا الأنا والآخر في السرد الجزائري ورهانات الهوية وغيرها .

هذه هي الأطر العامة التي يدور حولها  موضوع مدونته النقدية في تفكيكها لأشكال تعامل الروائي الجزائري مع تيمة الهوية في النص الروائي الجزائري .

وربما اهتم مخلوف عامر بنوع محدد من أنواع الهوية وهو الهوية الثقافية بمكوناتها التاريخية والنفسية والأنتروبولوجية .

وهي عندما تحضر في النص الروائي والقصصي الجزائري والمغاربي عموما تحضر بوصفها هوية خطابية بالمعنى الذي يقترحه الناقد الهندي ما بعد الكولونيالي هومي بابا عندما يرى أن الأمم سرديات .

ومعنى ذلك أن الهوية الخطابية ليست هي الهوية الواقعية كما تتجلى في الخطابات  الدينية والإعلامية والسياسية أو كما يشعر بها المواطن والقارئ المحدود التكوين .

فالأمر يتعلق بهوية أخرى هي هوية ( الجماعات المتخيلة ) كما افترض انتشارها المفكر البريطاني من أصل صيني  بندكت أندرسن في كتابه القيم ( الجماعات المتخلية تأملات في القومية وانتشارها ) .

أي أن الأمة كما يرى الناقد الثقافي البريطاني ستيورات هول \” ليست كيانا سياسيا فقط إنما هي أيضا شئ ينتج معاني أي أنها نظام من التمثل الثقافي أو جماعة رمزية وهذا هو الشيء الذي يفسر سلطتها في توليد حسها بالهوية والولاء \” (11)  .

وفي مقابل ذلك هناك الآخر وهو آخر مخيالي شبيه بما كان يسميه إدوارد سعيد (الإستشراق المخيالي ) حملته إلينا بعض النصوص الغيرية التي اشتغلت علينا بنوع الدونية والإنتقاص من إنسانية الذات العربية  في مرحلة مفصلية من مراحل (بكاء الغرب على حليب الكولونيالية المسفوح ) حسب توصيف إدوارد سعيد لتمثيلات الآخر في النصوص الروائية كما في مدونات النقد الاستشراقي المهني المتخصص .

عندما كان سعيد  بصدد الرد على ذلك السعي البائس لأهواء نايبول في كتابه ( بين المؤمنين رحلة إسلامية ) ،   الكتاب الذي ضمنه  بعض أهوائه المستفزة مما توهم أنه شاهده في الرحلة التي قادته لإيران   وباكستان وماليزيا وأندنوسيا عندما يكشف عن استخراج المعنى بالقوة على نحو في نصاب يسميه إدوارد سعيد نصاب  الاستقطاب بين الإسلام والغرب \” إذ يتحول  فجأة حديث جرى في كوالا لامبور مع شباب مسلمين إلى أمثلة عن الإسلام غير النقدي وغير الإبداعي والغرب الإبداعي والنقدي \” (12) .

فتقع الذات المسيطر عليها داخل مأزق (الانشطار) بين الهنا والهناك ،  ولهذا السبب يستنتج مخلوف عامر أنه بأثر من ذلك  \” أنحفرت هوة عميقة بين أبناء الوطن الواحد فلم نستثمر الفرنسية لنجعل منها مكسبا يساعدنا على اختصار المسافات كما فعلت بعض البلدان التي استعمرتها فرنسا ولم نتقن العربية بدرجة مرضية \” (13) .

وفي جل النصوص التي اختارها مخلوف عامر للتدليل على تشابك الهوية بالآخر .

وهي النصوص التي تتجلى فيها أشكال تجليات الأنا والآخر بما في ذلك النصوص الروائية الغربية أو نصوص (الإمبريالية الثقافية ) المسكونة إلى حد الولع المزمن بسياسة ( الحذف الإجتماعي ) كما وقف عليها هومي بابا .

ولعل نظرة سريعة مما يقترحه الناقد من نصوص غربية تلك التي بنى عليها مخلوف عامر رؤيته التناظرية لنصوص الرواية الغربية التي يموضعها إدوارد سعيد ضمن سجل المحفوظات الغربية المتواطئة مع إرادة القوة أو المصابة كما يقول  \” بعدوى الإدراك المشحون بالمفارقة اللاذعة للحساسية الحداثية الما بعد واقعية القابلة للتمييز بين إنسان وآخر \” (14) .

كما لنصوص الهامش أو نصوص \” الرد بالكتابة  \” ، في سياق هو سياق ما بعد الكولونيالية ، وفقا لنوع المقاربة التي اختارها ناقد من نقاد ما بعد الكولونيالية وهو بيل أشكروفت في كتاب جماعي بعنوان (الرد بالكتابة النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة )  .

وبهذا المعنى فالمسوغات التي يقدمها مخلوف عامر على التدليل على رؤيته التناظرية من خلال يسمى بالتمثيل أو تمثيلات الآخر ، مع فارق بسيط وهو أن مخلوف عامر يسمي ذلك ( صورة الجزائر في مرآة الآخر ) .

غير أن مفهوم التمثيل هو الأقرب لتعرية أنساق الهيمنة المختبئة وراء استخدام ستيفن كيف  لعبارة ( الذكاء المظلم تبرير الرجل الأبيض للهيمنة ) .

وهي المسوغات التي لا يفرق فيها مخلوف عامر بين نصوص الرحلة على غرار ما كتبه مورتس فاغنر عن قسنطينة ونسائها والسكان الذين خيبوا  ظن القائد دامريمون وبين بعض التقارير أو ما يسمى النثر السياسي على ما يكشف عنه مخلوف عامر مما كتبه شارل سيمون في ( قصة واحد من أبناء الشعب ) في نص هو أقرب إلى ما كان يدرج تحت محور السوسيولوجيا الكولونيالية .

يتجلى ذلك من خلال اصرارسلطات الاحتلال الفرنسي  على تشجيع الشبان الفرنسيين على الهجرة والإندماج بين الأهالي ،  فيرى شارل سيمون أنه من الضروري فتح مدارس جديدة وخاصة أن يتعلم الشبان الأوربيون العربية والقبائلية وبصفة أساسية الشابات اللواتي يدخلن عند أسر الأهالي ويتصلن بالمرأة العربية والقبائلية وهكذا يدرجن عاداتنا وأفكارنا .

وإذ كان هذا حال نصوص الإستشراق المهني وكافة أنماط السوسيولوجيا الكولونيالية  .

فالأمر لا يختلف عنه مع النص الروائي أو ما يسميه إدوارد سعيد ( الإستشراق المخيالي )  المتواطئ مع إرادة القوة كما في نص ( الآنسة فيفي ) لجي دي موبسان أو في ( الغريب ) لكامو الذي تجاهل وجود الشخصية  العربية  كما يعرف كل من قرأ هذه الرواية واضعا للضحية توصيفا  غامضا وضبابيا هو ( العربي ) .

وكأن هذا (العربي) من دون هوية أو اسم أو كينونة .

وبالطبع فقد أكتفى مخلوف عامر بالتساؤل عن دواعي قتل العربي ببرودة دم من طرف مورسو من دون أن تكون له خصومة مباشرة معه ومن دون أن تكون لديه أية فرصة للدفاع عن نفسه .

وهو تساؤل النسق المضمر فيه أنه ينطوي على شكل آخر من أشكال القتل الذي لم يتحدث عنه مخلوف عامر وهو القتل الرمزي الذي ما رسه كامو على العربي قبل أن يقدم  مورسو على قتل ( العربي ) قتلا مباشرا بالمسدس الذي طلبه من ريمون حين جرده من اسمه وهويته .

فالعرب الذين جردوا من أسمائهم وهوياتهم  ليس فقط في ( الغريب ) ، كما لا حظ ذلك مخلوف عامر وإنما أيضا في نص روائي ثان لكامو وهو ( الطاعون ) حين كشف كامو الغطاء عن مرض الطاعون الذي أصاب العرب في وهران .

وهذا بحد ذاته فعل جيد من كامو  لكن هؤلاء العرب الذين كشف كامو الغطاء عن مرض الطاعون الذي  فتك بهم في وهران لم يقدمهم كامو وفقا لكينوناتهم  الذاتية والإسمية  ولا وضع لهم هويات متخيلة تتناسب وخصوصياتهم الأثنية والغيرية .

هذه هي الخلاصة التي دفعت إدوارد سعيد إلى  اعتبار كامو رجلا أخلاقيا في موقف غير أخلاقي ،  وبالطبع   لا أريد أن أحمل النص النقدي الذي كتبه مخلوف عامر أكثر مما يحتمل .

فمما لا يخفى على أحد أن مخلوف عامر  استهل تجربته في الكتابة النقدية كما أشرنا في مستهل هذه   القراءة ناقدا سياقيا  ضمن حالة من حالات البين بين التي تتوسط فضاء الكتابة النقدية ما بين النقد العملي والنقد الأكاديمي .

وهو ينتمي من الناحية السياقية والتاريخية إلى جيل ما بعد جيل مرتاض ومحمد مصايف وعبد الله الركيبي وسعدالله وغيرهم من النقاد الذي أسسوا لبدايات تشكل النقد الأدبي الجزائري المكتوب بالعربية .

الأمر الذي حتم  عليه وعليه نظرائه من النقاد الجزائريين في ذلك الزمن النهوض بمهمة كتابة لا تتنكر لسياقات تشكل النص الإبداعي السياقات الثقافية والوجودية والتاريخية مع تحيل إليه هذه السياقات من مراجع الكتابة الإبداعية وإسناداتها الهوياتية والذاتية كترجمة فورية ( لأسئلة ما بعد الإستعمار ) .

بالمعنى الذي فكك به ناقد مغربي هو الدكتور إدريس الخضراوي في كتابه ( الرواية العربية وأسئلة ما بعد الإستعمار ) .

التعارضات القائمة فيما سماه ( جدل الأنا والآخرفي سياق ما بعد الإستعمار ) .

الجدل الذي يجد مضمونه في الفصل الذي ناقش فيه مخلوف عامر بعض قضايا الهوية والغيرية أو الأنا والآخر .

الفصل الذي أعطاه عنوانا لا فتا هو :  ( النص الكولونيالي والنص المضاد ) .

ولئن كانت بدايات مخلوف عامر على الصعيدين  المنهجي والإيديولوجي ، تستقي موادها المفهومية والنظرية من أدبيات النقد السياقي والسوسيولوجي والماركسي الذي توقف عند لحظة نقدية مفصلية هي نقد أدوات الصراع الإيديولوجي بالمعنى الطبقي .

وهذا شئ طبيعي وينسجم تماما مع منظومات المعرفة السائدة في ذلك الزمن .

ولا يمكن لنا قراءة تلك النصوص النقدية التي كتبها مخلوف عامر أو محمد ساري أو الأعرج واسيني أو عمار بلحسن في أفق النظرية الماركسية بأدوات الحاضر أو الراهن النقدي ،  لأن ذلك سيتحول إلى نوع من التعسف أو الإسقاط المعرفي الذي لا معنى له على الرغم من أنه عمليا لا يخلوا أبدا أي نص من أي ملمح إيديولوجي كيفما كان شكل هذه الإيديولوجيا ،  كون الإيديولوجيا في منظور السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن هي \” المعنى المعاش والإنعكاس الممارس لمختلف العلاقات التي يقيمها الإنسان مع سائرالناس ومع الطبيعة إنها العنصر الذي يؤطر وينتج ويفرز كل الممارسات التاريخية للبشر سواء كانت في الأشكال الأدبية أم القانونية والسياسية \” (15) .

وهي موجودة موجودة شئنا أم أبينا \” كممارسة سيميائية مباشرة ومتجلية من خلال سند لساني أو أي سند آخر تسنينا سابقا على التجلي النصي \” (16) .

وعليه لا يمكن العثور على نص خال من أي تجل ما قبل نصي أو أدوار عرضية سابقة على النص تعمل على حث القارئ أعني هنا ( القارئ النموذجي ) بمفهوم أمبرتوإيكو الذي يقرأ من أجل المتابعة واستكمال ملف الكتابة الإبداعية على ما يسميه إيكو نفسه (النشاط التعاضدي التأويلي ) ،  أي أن يستخرج من النص المضمر فيه والمغيب من أجل قراءة البياض أو مساحات التشفير الرمزي في تناصها مع مواقف المؤلف أي مع المكون الإيديولوجي في ارتباطه بالنص الذي يشكله ارتباط الدال بالمدلول .

ومن هنا ليس غريبا أبدا أن يلاحظ القارئ لنصوص مخلوف عامر النقدية خاصة تلك التي نشرها في السنوات الأخيرة أنها بدأت تعرف   بعض التحول والمرونة الإيديولوجية صوب التخلص تدريجيا من شمولية النظرية الماركسية ،  ومن البنى المهترئة التي ميزت مسارات الماركسية التقليدية والنقد السوسيولوجي الماركسي الذي وصل إلى حد التشبع والإنغلاق النظري في فترة من فترات التاريخ .

وعلى هذا الأساس يبدأ مخلوف عامر في مراجعة بعض قناعاته الإيديولوجية بأثر من التحولات التاريخية التي عرفتها المجتمعات العربية كما تمثلتها منظومات المعرفة النقدية المتحولة هي الأخرى من دون أن يتنكر لبعض مكاسب النقد الأدبي الإيديولوجي الماركسي الذي مارسه عندما كان في بداية عطاءاته النقدية .

ومعنى ذلك أن الرجل امتلك الشجاعة الكافية  لممارسة نقد آخر هو (النقد الذاتي) الذي  كان صعبا على المثقف العربي المستسلم لثقافة الوثوق الأعمى وللأوهام التي عششت في ذهنه ومخياله بسبب بعده واغترابه عن روح وجوهر \” النقد الذاتي \” ، واعتبار ذاته بعيدة عن نقد الأنا والآخر  إن لم يكن يرى نفسه فوق النقد وفوق التاريخ أن يقبل بنوع من التفكيك والمساءلة الصادمة لوعيه الثقافي والنفسي .

ومهما يكن من أمر فمنظور الدكتور مخلوف عامر للكتابة النقدية هو منظور إشكالي فبقدرما مارس في مرحلة ما قبل النقد الجامعي نوعا  من النقد البيني الذي يتوسط فضائين  :

فضاء النقد العملي ثم فضاء النقد الأكاديمي ،  كما جاء في مستهل هذه   القراءة وحتى لو اقترب قليلا من بعض دروس الفكر المعاصر والنقلة  المعرفية التي عرفتها العلوم اللسانية فقد ظل بمنأى عن فلسفة التطابق والتماثل التي يفرضها المنهج المستخدم بوسائطه الإجرائية على مستخدمه أو مستخدميه والتي عادة ما تلزمه أي الناقد على الإنصياع  لمتعالياته المدرسية قصد التعامل مع هذه الوسائط بمرونة ما أمكن ذالك خدمة للنص الإبداعي وللمهمة التي وجد من أجلها النقد .

طالما أن النقد على ما يرى رولان بارت هو (بناء لفهم خاص لعصرنا ) .

والدليل على ذلك نجده في كتابه ( الهوية والنص السردي ) الذي قرأ فيه بعض النصوص السردية على ضوء فكرة ( القارئ النموذجي ) ، كما وردت في التنظير السيميو/ تأويلي للمفكر والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو .

لكن من دون  الاغتراب عن النص المنقود أو عن السياق الذي تشكل منه النص الإبداعي أو ما يسميه إدوارد سعيد ( دنيوة النصوص ) كإستراتيجية نقدية تجنب الناقد من الوقوع في  سحر إغراءات المركزية الغربية في ظل سيطرة ( مديونية المعنى )  بتعبير  ميشال غوشيه على العقل النقدي العربي كبعد آخر من أبعاد كافة أشكال المديونية المسلم بها في الإقتصاد كما في المعرفة .

وفي ضوء هذه الرؤية البينية يتصدى مخلوف عامر لتفكيك  العلاقة الملتبسة بين الآنا والآخر كما تجلت في عدد من النصوص القصصية الروائية في (النصوص الكولونيالية والنصوص المضادة )  .

حتى ولو أن النصوص المضادة التي اختارها لم تكن كافية أبدا بما يمكنه من الإحاطة ببعض قضايا المثاقفة واللقاء بالآخر وهذا ما تنبه له مخلوف حين اعتبر نص ( لبيك ) لمالك بن نبي  ليس رواية بالمعنى الدقيق بل هو مجرد عمل كما قال يفتقر للمقومات الأدبية الجمالية وتطغى عليه نزعة الوعظ والإرشاد الديني .

الأمر الذي ساقه إلى نقد أدوات النضال الثقافي كما تمثله نص مالك بن نبي ونص إدريس لعلي الحمامي خاصة ما تعلق منهما   بأسئلة الهوية والاختلاف بما يعني الابتعاد عن منطق التطابق الهوياتي والاقتراب  قليلا مما سماه الناقد الثقافي البريطاني ستيورات هول ( الهوية المنزوعة المركزية ) .

ولا شك أن ماكتبه الدكتور وحيد بن بوعزيز بشأن استحالة قراءة بن نبي على ضوء براديغم الهجنة لهي فكرة  جد لماحة  ، لقد تنبه وحيد بن بوعزيز بأن لا يمكن تشظية أو تهجين براديغم الهوية في ضوء النظرية ما بعد الكولونيالية  كما يراها مالك بن نبي لأن بن نبي يقول وحيد بن بوعزيز \”لا ينتمي إلى زمان يروم نسف ثنائية عالم إسلامي / عالم غربي لأن مفهوم الهوية الإسلامية من البديهيات التي لا يمكن لبن  نبي أن يضحي بها \” (17) .

وهكذا فعندما كان مخلوف عامر يموضع بعض النصوص المضادة داخل سياق هو سياق النصوص الأصلانية رغم أنها مكتوبة بلغة الآخر لم ينساق وراء أي نوع من أنواع التطابق بين اللغة والهوية عند مالك بن نبي  في نص ( لبيك ) مثلا لكون هذا الأخير يقدم نفسه بوصفه مفكرا هوياتيا قريب جدا من التيار الإسلامي .

و لم ينشغل أيضا ببعض قضايا الترجمة الثقافية أو ما يسميه دوغلاس روبسن (الترجمة والإمبراطورية ) ،   التي كثيرا ما تتناص مع عودة النص المهاجر لاسيما أن هذه النصوص المهاجرة إلى لغة الآخر لا أحد ينكر في أن عودتها  إلينا عبر ترجمتها إلى لغة الضاد ستواجه بعض المحاذير التي لا بد من مراعاتها .

لكون أن فعل الترجمة ليس فعلا حياديا ولا يمكن له أن يكون ،  حتى ولو أراد المترجم ذلك لئلا ستصطدم  العملية الترجمية برمتها أمام ما يطلق عليه أحد المفكرين المهتمين بقضايا الترجمة والأمبريالية وهو فايسنت رفائيل ( الإصابة بالكولونيالية ) .

ولمعالجة هذه المعظلة في أبعادها البسيكو/ كولونيالية كما تجلت لمؤلف كتاب ( الترجمة والإمبراطورية ) دوغلاس روبنسن فكرة الإستعانة بما طرحته الباحثة المصرية الدكتورة سامية محرز التي اتخذت من تجربة المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي مثالا حيث نشأته الثلاثية التي تفرض النتيجة الذي تخلص إليه سامية محرز وهو التراتب اللغوي بين اللهجة المغربية التي يتكلم بها والعربية والفصحى التي لا تعلم إلا للأطفال في الكتاتيب والمدارس القرآنية ثم الفرنسية المفروضة في المدارس الفرنسية .

هذا ما قاد دوغلاس روبنسن من خلال رؤية ناقدة عربية هي الدكتورة سامية محرز إلى الإهتداء إلى استراتيجية كتابية \” تقع بين الكتابة بلغة عالمية كبرى والكتابة بلغة عالم ثالثية محلية أي خلق لغة بينية تشغل فضاء بينيا \” (18) .

من حيث أن الكتابة بلغة الآخر تعتقد سامية محرز أنها  \”  ستنتج عنها بعض الهجنة اللغوية وتؤثر على نظريات الترجمة التقليدية التي طالما افترضت وجود لغتين لغة مصدر ولغة هدف محددتين على نحو واضح \” (19)  .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل حافظ المترجم العربي والعالم الثالثي عموما على تلك المسافة الواصلة بين مركزية لغة الأخر ولغة الأنا لخلق لغة ثالثة هي ( اللغة البينية ) كما تطلعت لها سامية محرز. ؟  .

هذا هو السؤال الذي لم يقترب منه مخلوف عامر ،   لكون أن الرجل لا يقدم نفسه بوصفه ناقدا ثقافيا ولا ناقدا متخصصا في النقد الترجمي  وهو شرف لا يدعيه مثلما يقول .

ومرد ذلك أن طبيعة النصوص وأجواءها  والأسئلة المنبثقة عنها أسئلة ما بعد الإستعمار  هي التي فرضت عليه الاقتراب  من بعض ما طرحته النظرية الثقافية من محددات احالية تتناص مع مراجع الكتابة النقدية ضمن أفق هو أفق النقد ما بعد الكولونيالي كجزء لا يتجزأ من النقد الثقافي من دون أن يلزم نفسه بنوع من اختبار جهوزية  عدد من المفاهيم والأدوات الإجرائية التي قام بنحتها إدوارد سعيد وهومي بابا وغياتري سبيفاك وديبيش شاكابراتي وغيرهم  من مثقفي العالم الثالث الذين درسوا في الجامعات الغربية الأنغلوسكسونية على وجه الخصوص لبناء منظورهم التأسيسي صوب فرض ومأسسة هذا التوجه ، وهو النقد ما بعد الكولونيالي في الفضاء الإبستيمي والأكاديمي الغربي وفي عقر دار المركزية الغربية .

وكل ما فعله مخلوف عامر هو أنه قدم نقدا بينيا يتراوح ما بين النقد العملي والنقد الثقافي .

هذا هو معنى النقد البيني كما أمكن لنا الوقوف عليه في ما لم يصرح به الخطاب النقدي  عند مخلوف عامر بصورة علنية كشكل من أشكال الأنساق الثقافية المضمرة الكامنة \” في حركة الثقافة وتغلغلها غير الملحوظ عبر المستهلك الإبداعي والحضاري \” (20) .

الذي عني به مخلوف عامر عبر مساره النقدي الذي لا زال عصيا على النقد وعلى نقد النقد الذي لا نزعم أننا استطعنا الإحاطة ببعض مكوناته ودروبه المتشعبة وهي كثيرة ومتباعدة وربما كانت تحتاج إلى إضاءات أخرى ليس هنا مجالها .

إحالات ومصادر

* نص الورقة التي قدمناها ضمن فعاليات الملتقى الوطني حول المسار النقدي للناقد الجزائري مخلوف عامر المنعقد بتاريخ 12 ديسمبر2018 بجامعة مولاي الطاهر سعيدة (الجزائر ) من تنظيم مخبر الترجمة والتأويل في ظل التواصل المتعدد اللغات

01 ) في نظرية النقد متابعة لأهم المدارس النقدية المعاصرة ورصد لنظرياتها – عبد الملك مرتاض – ص 30 منشورات دار هومة الجزائر 2010

02) متى ينتهي نشيد البجعة – أحمد دلباني – مجلة الآخر – ص107- منشورات دار التكوين – دمشق – دار الساقي – بيروت – صيف 2011

03) في الخطاب البيني خواطر نظرية من وجهة نظر المدرسة الفرنسية لتحليل الخطاب – بسمة عروس مجلة الأثر جامعة ورقلة الجزائر – ص 73 العدد 27 ديسمبر 2016 نقلا عن معجم تحليل الخطاب تعريب عبد القادر المهيري وحمادي صمود المركز الوطني للترجمة تونس 2008

04) الشراكة النصية عند أمبرتو إيكو مقاربة معرفية لدراسة الإستراتيجية النصية – نادية بوشفرة مجلة الأثر جامعة ورقلة العدد21 ديسمبر 2014 ص 02

05) نفس المصدر ص 03

06) آليات الكتابة السردية أمبرتو إيكو ص 26 ترجمة وتقديم سعيد بنكراد – دار الحوار للنشر اللاذقية سوريا الطبعة الأولى 2009

07) الهوية والنص السردي مخلوف عامر ص 35 دار القبية الجزائر 2016

08) نفس المصدر ص 38

09) درس السيميولوجيا رولان بارت ترجمة عبد السلام بنعبدالعالي – ص 49 دار توبقال الدار البيضاء الطبعة الثانية 1993

10) الهوية والنص السردي مصدر مذكور ص 43

11) حول الهوية الثقافية ستيوارت هول ترجمة بول طير مجلة إضافات – مركز دراسات الوحدة العربية بيروت – ص 154 العدد الثاني ربيع 2008

12) تأملات حول المنفى الجزء الأول – إدوارد سعيد ترجمة ثائر ديب – ص 89  دار الآداب بيروت الطبعة الثانية 2007

13) الهوية والنص السردي مصدر مذكور ص 29

14) الثقافة والإمبريالية إدوارد سعيد ترجمة كمال أبوديب – ص 247 دار الآداب بيروت الطبعة الرابعة 2014

15) الأدب والإيديولوجيا – عمار بلحسن – المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر – 1984 – ص19 – 20

16) النص السردي نحو سيميائيات للإديولوجيا – سعيد بن كراد – ص50 – دار الأمان الرباط – الطبعة الأولى – 1996

17) جدل الثقافة مقالات في الآخرية والكولونيالية والديكولونيالية -وحيد بن بوعزيز ص 101 منشورات دار ميم للنشر والتوزيع الجزائر الطبعة الأولى 2018

18) الترجمة والإمبراطورية نظريات الترجمة ما بعد الكولونيالية دوغلاس روبنسن ترجمة ثائر ديب – ص150 المجلس الأعلى للثقافة القاهرة 2005

19) نفس المصدر ص 150

20) الجنوسة النسقية أسئلة في الثقافة والنظرية عبد الله الغذامي ص 156 المركز الثقافي العربي الطبعة الأولى بيروت 2017

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

لا تعليقات بعد على “إشكالية الكتابة النقدية البينية في النقد القصصي والروائي الجزائري/ (الهوية والنص السردي) لمخلوف عامر أنموذجا / قراءة ثقافية

  1. ورقة تقييمية للمنجز النقدي لأحد رموزه في الجزائر وهو الدكتور مخلوف عامر،بحيث توقف صاحب المقال عند محطات مفصلية عنده حينما ذكر بأنه ينتمي إلى زمرة أولئك الأولين أمثال مصايف ومرتاض والركيبي الذين اتنوا بما يسمى بالنقد السياقي الاجتماعي والتاريخي منه والذي غلب على المشهد النقدي نهاية ستينيات وسبعينيات القرن الماضي قبل أن يتحول به الراحل مرتاض بداية ثمانينيات صوب النقد الألسني،ثم انتقل إلى مرحلة النقد الاكاديمي في مسيرة الرجل من خلال منجزات هامة أثرت الساحة النقدية وشكلت إضافة حقيقية تدل على وعي نقدي متبصر ورؤية ثاقبة.الأستاذ قلولي بن ساعد معروف بمتابعته الجادة للمشهد النقدي والثقافي عموما من خلال نضاله الدؤوب وإسهاماته المتميزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *