التلاخيخ ..أو بيوت الطوب. إلى أخي العزيز سي أحمد عمدة العائلة،شاهدا ومشهودا على فرح طفولة بديعة،عشناها منذ نصف قرن.. “””””””””””””””””””””””””””
كان الصباح يتمدد في قريتنا كظهر سلحفاة برية،وكان رجال وفتيان عريب ليتري،ينسلون من أفجاج الخول وزمالة المهارة،وعين الحجر وغناجة ووادي الحد،ببرانيس بيضاء تصنعها الجدات، من صوف الغنم،كانت على رؤوس أولئك القرويين البسطاء؛كما أتذكرهم،عمامات بيضاء تدور،في ثلاثة وثلاثين دورة،وكان للبعض الآخر منهم؛ما يعرف بالتوتية، الحمراء،كانت عمامة ذات قماش خشن يغطي جباههم العريضة،الطافحة بالفتوة والغلطة،وكانت أقدامهم تبدو عارية الا من أحذية بلاستيك خشنة،تشي بكثير من البؤس وقسوة الحياة،كانوا ينزلون الى الفيلاج عبر تلك الجبال الوعرة،بوجوه باسمة مستبشرة،وأبدان قوية تتحرك في كل اتجاه،كانت لبعضهم لحى صغيرة كثة،بلا خلفية دينية أو عصبية في الرأي،لحية تزيد صاحبها وقارا بين أقرانه،كانت أجسامهم ضامرة نحيفة،يتدحرجون بها على البغال والحمير،أيام الآحاد نحو مطحنة عمي الغمراني وشريكه القصاب. كان صوت الطاحونة يأتيني من بعيد؛كان يرن بقوة في أذني، وينداح خلف جدران البيوت المحيطة بالسوق، ساربا في أرجاء القرية وأحيائها القريبة،كانت لتلك الطاحونة العتيقة،خيوط عريضة تدور بها على امتداد البصر،كان صوتها يعلو ولا يتوقف،تسيل إثره أمواج من القمح الصلب طحينا أبيض،يلطخ وجوه وسواعد الحمالين،وكان القائم بأمر المطحنة،وهو كهل وقور،يبدو طيلة أيام الأسبوع،أبيض الوجه أشيب الملابس والايدي والعينين، كانت مبنى الطاحونة يتربع على قلب سوق الأحد،تحرسها أشجار الكاليبتوس الكثيفة العالية،ذات الظلال الوارفة التي تغطي ميدان السوق الأسبوعي لبلديتنا. كانت تتجمع حول طاحونة الغمراني وجوه قروية، وفلاحون وعمال المزارع المسيرة ذاتيا،كان جل سكان جبال الظهرة يرطنون فيما بينهم بلهجة قبائلية،تنتشر في جبل سيدي عمر وسيدي محمد أمزيان والتلاخيخ وتيزي وين وتيطويلت، رجال لا يغادرون طوال العام قشابياتهم وبرانيسهم المتدلية خلف ظهورهم،كنت أراهم بعيد طلوع الشمس؛كأسراب نمل يخرج من غاره،كانوا يتوكأون على عصيهم الطويلة،يدقون بها رصيف الشارع الذي لم يكن سوى قليل من الإسمنت الثقيل،وقطع من البلاط الأبيض،هو الرصيف نفسه؛ ممتدا الى مقهى الأحباب وحلاق القرية،وقاعة عريضة ذات باب خشبي متهالك،كانت مخزنا بلديا للزيت ومواد غذائية،بها أكياس كثيرة من الفرينة،وعلى كل كيس يدان متصافحتان،كانت تلك المواد الغذائية،عبارة عن هبات أمريكية،كانت ترسل الى الجزائريين بعيد الاستقلال، وتوزع على الفقراء والمعوزين، يستعينون بها على مقاومة جوع أمعائهم،وأمعاء أولادهم وبناتهم الخاوية. مسك أبي برأس بهيمته السوداء القوية، وربطها في أقرب جذع شجرة من طاحونة عمي الغمراني،كان يوما ربيعيا جميلا، وكانت خيوط الشمس الدافئة تدغدغ جسده المفتول،و كان النسيم العليل يهب على وجهه،فيزرع في أعماقه القوة والنشاط،أنزل كيس القمح ورمى به خلف أكياس أخرى مصفوفة تنتظر دورها،دون أن ينبس ببنت شفه،كان المشرف على الطاحونة يعرف زبائنه، ونوعية الطحين الذي يفضلونه،تبادلا التحية ومضى لحاله،كانت نظراته لا تزال تمسح أطراف السوق،محلقا بأفكاره وخيالاته البعيدة، بين الطاحونة والسوق المزدحم بالحركة والحياة،يعلوه هرج ومرج كبير،أوشك أبي أن يقوم ويغير مكانه،لكن عمي أحمد غلبه في الرأي،تذكرا حين رأياه يمرق جنبهما،قصص الحركى والقايد ابراهيم، وطفقا يتحدثان عن بغلته التي كان يرغم الناس على تقبيل رأسها،و يده وأطراف برنوسه،التي كان لا يني يمدها الى الناس في موكبه،فينحنون ويقبلون يده ورأس بغلته،وقلوبهم تغلي من شدة الحقد والكراهية،طمأنه عمي احمد ملطفا الجو،وراح يردد بصوت جهوري: القايد ابراهيم يا نوار الكوابة انت الحمار وحنا النخالة تنسف علينا نطيرو قاع … ضحكا من سيرة القايد وسمعته السيئة، واستحسنا ضاحكين، قوة هجاء أولئك المقاومين للظلم والخونة، خلال سنوات الاستعمار المرة،شربا كأسين من الشاي، ثم انطلقا يذرعان أرجاء السوق جيئة وذهابا،قبل أن يعود أبي الى الطاحونة، ويذهب عمي أحمد الى حال سبيله..
عريب 01 أفريل 2022