أزمه الاغتراب ( ارحل دائما إلى حيث تجد ذاتك، ولو كان ذلك في أعماقك)
ابتهال عبد الوهاب/ مصر
الاغتراب أزمه وإشكاليه كبرى تواجه الإنسان الواعي وهو انفصال الفرد عن هويته أو جوهره وبالتالي انفصاله عن الآخرين وعن العالم بأسره.
الاغتراب أن تكون مع الناس ولست معهم، تشعر بأنك لا تنتمي إلى المجموعة، ولا تنسجم معها، فتفضل الانسحاب أو البقاء هادئا في ركن بعيد لا يلاحظك فيه أحد، وأن تجبر للتعايش في مكان لا تنتمي له، أن تنفجر غضبا بأفكارك التي لا قيمة لها بالنسبة لهم، أن تتكلم عبثا مع أشخاص لا يستمعون لك، أن تراك تفقد صوتك، صورتك حقيقتك وتجبر للتحدث عن تفاهات لا وجود لها، أن تكون جزءا منهم، كم مرة شعرت بهذا الشعور…؟!
تجلس بين مجموعة من البشر يتحدثون بلغة لا تشبهك..
فتهمس في داخلك: أنا لا أنتمي إلى هنا. حيث يشعر الفرد وكأنه غريب رغم حضوره
وتعيش معنى الاغتراب الوجودي عندما تكون مختلفا في مجتمع يميل إلى التماثل.. وتتداعى الأسئلة حينها..
هل الانتماء يعني أن نذوب في الجماعة؟
أم أن قوّتنا تكمن في احتفاظنا بخصوصيتنا؟
لعلّ من أعمق أنواع الاغتراب هو الاغتراب الذاتي عندما تتصرف بطريقة لا تفهمها، وعندما تخاف من المجهول وعندما تشعر بهذا الاغتراب بين أقرب الناس إليك، الشعور بالفراغ والخواء والكبت والإحساس بأن الحياة غير حقيقية، كلّ هذا وغيره من مظاهر الغريب بداخلنا.
وما من غربة أشدّ بشاعة وفتكا بالإنسان كغربته عن نفسه، كأن يتصنّع شخصا ووجها وسلوكا ومواقفا وكلاما غير ذلك الذي في داخله، ولكن:
هل يشعر الآخرون باغترابنا من خلال نسيج اللاشعور الجمعي، أم أننا نعيش حياتنا كجزر منفصلة نكتوي بمعاناتنا ضمن نطاق كينونتنا الفردية الضيقة دون أن يشعر بنا الآخرون؟
قد يولد الإنسان في المكان الخطأ، المكان الذي لا ينسجم معه، ولكن مأساة الإنسان الحقيقية حين يولد في الزمن الخطأ، أن يكون عقله سابق لزمنه، يقضي حياته وهو يصف للناس عالما لا يستطيعون رؤيته وهو لا يستطيع أن يغمض عينيه عن دهشته به.
الاغتراب هو كأن نحيا في أماكن ومع بشر وأفكار لا ننتمي لها.. نخلق نحن عالما موازٍ نستطيع أن نقول فيه \” لا \” بصمت. نعيش الشتات بين ما نحلم به وما نستطيعه. وفي هذا الصراع الجوهري بين الأنا الاجتماعية والأنا الذاتية، يبرز مفهوم الاغتراب.
في الاغتراب يتحول الفرد إلى كائن مزدوج بين واقع اجتماعي مفروض عليه وبين رغباته العميقة التي تتأصل في تجربته الفردية
حتى على مستوى المجتمعات يعيش العرب اليوم حالة من التمزق والاغتراب الوجودي بين زمنين متباعدين؛ ماض لا يمضي وحاضر يأبى الحضور.
إن الحياة اليوم تدفع بالإنسان إلى الاغتراب القسري، ليس عن العالم وحسب، بل وحتى عن نفسه، تضيق مساحة العالم داخلنا وتضيق الثقوب التي من خلالها نسترق النظر إلى هذا الوجود حين يتراكم داخلنا ذات المشاهد وذات الدروب التي نسلكها كل يوم لأجل أن تتغير حياتنا
نحن نعيش أزمة القنافذ في ليالي الشتاء الباردة، تدفعنا برودة الوحدة والاغتراب إلى الاقتراب من بعضنا البعض حتى نتجاوز حدود الآخر او يصادر وجودنا حينها نشعر بوخزات الاشواك ونعود بعدها إلى الوحدة والليالي الباردة.
والاغتراب كمفهوم، طرح فلسفيا كثيرا، فقد طرحه أولا هيغل في سياق فردي، وقد طرحه ماركس في سياق اجتماعي، كما طرحه إيرك فروم في سياق سيكولوجي، وطرحه فلاسفة كثر في سياق وجودي
عاش كافكا وهو يعاني من السل.. وعاش نيتشه وهو يعاني من الصداع النصفي الحاد.. وعاش ماركس وهو يعاني من مرض جلدي.. هؤلاء الثلاثة أكثر من كتب عن \”الاغتراب\” بصورة تبين أن عذابات الجسد تلهم صاحبها أصدق الخواطر والأفكار.. غوخ رسم أجمل لوحاته عندما كانت صحته النفسية في أسوأ حالاتها وقبل أشهر من إقدامه على الانتحار. ربما هناك رابط بين المعاناة والإبداع، فكلما ازدادت معاناة الإنسان نفسيا أو جسديا تحررت طاقاته الإبداعية بشكل أكبر وانتقل إلى مراحل أعلى في الوعي وفهم الحياة.
يرى ألبير كامو في أسطورة سيزيف أن الإنسان المعاصر يعيش في حالة من الاغتراب لأن القيم التقليدية التي كانت تمنحه الاستقرار العقلي والعاطفي فقدت صلاحيتها في هذا العالم المتغير. فيقول \”في عالم لا قيمة له لا يمكن للإنسان أن يجد معنى لحياته إلاّ في تحدّيه لهذه الفراغات.\”
ويرى جورج لوكاتش أن الاغتراب هو إحساس الإنسان بأن بيئته التي خلقها لم تعد وطنه، بل سجنه، كما يتناول فريدريك نيتشه في \”هكذا تكلم زرادشت\” الاغتراب من خلال فكرة \”موت الإله\”، حيث يعلن نيتشه أن القيم التقليدية، الدينية والأخلاقية، قد انهارت في العصر الحديث وهذا يترك الفرد في مواجهة مع الواقع لأنه غير قادر على إيجاد القيم التي كانت تمنحه إحساسا بالهوية والانسجام مع نفسه والعالم ويصبح الإنسان عالقا في الوجود. رغم أنه يملك العقل الذي ارتقى به فوق كل الموجودات لكنه يعاني الاغتراب.
أعتقد أن ثمن الصحة العقلية في هذا المجتمع، هو مرحلة معينة من الاغتراب. أبدا لم أشك من الاغتراب إذ انني، طوال حياتي، لم أعرف الاغتراب..
فمرحبا أيتها الغربة! لقد دفعتني الغربة دفعا للبحث المتجدد دوما عن زمن آخر بغية الخروج والانفلات من قيد الصيرورة الأرضية وسجن الزمن الحاضر الذي يخنقنا إلى فضاء أوسع وأرحب، فكلنا سنموت، وهذا هو الاغتراب الخطير الوحيد.
أرق وأقسى حلم يرافق الإنسان طيلة حياته، هو حلم العودة، فالإنسان منفيّ مرتحل بالفطرة مغترب لأنه يعرف أنه سيموت. والموت هو نوع من الغربة. ما أشد غربه الإنسان وما أقساها.. يعيش غريبا ويموت غريبا وما أصعب مشاعر الاغتراب وأنت متصل بواقع لا تستطيع أن تغيّره، ولا تستطيع أن تغادره. ويبقى السؤال.. كيف نواجه تيهنا وغربتنا وهشاشه وجودنا في هذا العالم؟؟
كيف نتخلص من الحالة العبثية التي تجعل الذات المفكرة أمام واقع \” مسخ \” بلا هوية ولا ملامح، ورغم إحساسنا دائما بالاغتراب، ولكن…
غادر حيث أنت … ليس بالضرورة أن تبتعد عن المكان
لكن يكفي أن تهجر كل ما يرهق روحك،
ابتعد عن ضيق العقول، عن صدى الكلمات المستهلكة،
وعن السير خلف القطيع بلا تفكير
ارحل دائما إلى حيث تجد ذاتك، ولو كان ذلك في أعماقك
