بقلم الأستاذ قلولي بن سعد/ الجزائر
لم يأخذ الخطاب الإبداعي النسوي حقه بعد من التناول النقدي والإعلامي المسؤول، فعندما يتحفظ النقد الأكاديمي مثلا على شيوع مصطلح هو “الأدب النسوي” ضمن حكم هو عدم اعتراف “النقد الأكاديمي” ومؤسسات النقد الجامعية بمصطلح الأدب النسوي من الناحية البسودو/علمية، ويرى أن الأدب هو الأدب، بصرف النظر عن جنسية كاتبه ومؤلفه، تبدأ هنا أولى بوادر عجز الخطاب النقدي على ملامسة هسيس الإبداع الأدبي النسوي وخصوصيته الذاتية والنفسية وفرادته كتجربة خاصة، تختلف بالطبع عن تجارب الكتابة الإبداعية للرجل . طالما أن إرتباط المرأة العربية بالبيت ليس غريبا فهو مكان الأنوثة وملجأها النفسي .
وفي متخيل المرأة النفسي يتم تحويل البيت من بيت ذي جدران وأثاث وموجودات إلى ( مسكن للكائن ) جوهره اللغة بالمعنى الهايدغري جاعلة من قدرة الجسد ومن العاطفة الأمومية ركنا أساسيا من أركان ( الكتابة بالرد ) / فلكونها مرغوبة والمرأة كما نعلم في منظور الرأسمالية الغربية ( رأس مال منتج ) هذا ما يعني أن فعل الكتابة بماهو فعل إشتهاء خاصة عندما يتعلق الأمر بالكتابة الشعرية إنه نص اللذة الذي يأتي بمفهوم رولان بارت “من صلب الثقافة ولا يقطع صلته بها ” .
فبالنظر لتاريخ القهر النسائي والوأد الذي عرفته المرأة العربية، من الطبيعي جدا أن تترجم بعض النصوص الإبداعية النسوية هذا المعطى التاريخي النسوي كتجل إبداعي نابع من ذاكرتها الفردية وهويتها النفسية والسوسيولوجية في تعاطيها مع كينونتها الخاصة، بما يموقع رؤياها الإبداعية ضمن صيرورة تاريخية لا تقطع نهائيا مع رواسب التخلف العربي، والقهر النسائي العربي الذي لا زال يُلقي بظلاله النفسية على ذاكرة المرأة الفردية ومنه على النص الإبداعي الذي تكتبه المرأة العربية باعتبار الإبداع الأدبي نص يقيم في هوية الكاتب المبدع، ويعبر عن هويته النصيّة في أبعادها الاجتماعية والنفسية .
وطالما أن النقد الأدبي لم يقترب بعد من هذه الهواجس الذاتية والنفسية والسوسيولوجية لخطاب المرأة الإبداعي، وظل يُراوح مكانه ضمن خطاب سياقي استنزف كل طاقته النقدية في الوفاء لمسلمات الخطاب النقدي الأخلاقي المعياري والأبوي الذي كرسه نقد تقليدي اتخذ من الأحكام المجانية الأخلاقية والاجتماعية والسياسية مصدرا لرؤياه النقدية إن صح أن تحمل معنى الرؤيا والتمييز بين النصوص بصورة معيارية أخلاقية في تناغمها المفضوح مع التوجه أو التيار الذي ينتمي إليه الشارح/الناقد ويشكل فضاءه ورحمه الإبستيمي، أو ما يُفترض أنه كذلك، من خلال اتخاذه من ثنائيات الخطأ والصواب/المسموح والممنوع، أو غيرها من أنظمة الضغط المعياري أو “وهم المرجع” بتعبير الدكتور السعيد بوطاجين المصدر الوحيد لهذه الرؤيا .
والأمر لا يقتصر فقط على الخطاب النقدي السياقي أو التقليدي، بل إنه يطال أحيانا حتى بعض سرديات النقد الحداثي .
فبالنظر للانفصام الشخصي الذي يميز سرديات انخراط المبدع العربي في معركة الكتابة، وهو الانفصام القائم في ذلك التناقض الصارخ بين القيم الرمزية والإنسانية التي يستعرضها، أو تحفل بها ذاكرته الفكرية الغائبة تماما في رؤياه النقدية، بما يعني من افتقار المبدع العربي الكلي للصدق الفني، ولقيمة الانسجام مع الذات على الصعيد النفسي.
فخطاب الشفافية والوضوح فيما أرى هو “النص الغائب” الذي لم يُكتب بعد عربيا إلا نادرا، إنه “الوعي الشقي” الذي تحدث عنه عالم النفس الشهير جان بياجيه وسماه ” الوعي بالازدواجية والتناقض ” .
وعليه فإن الطريق لا يزال طويلا بانتظار أن يأخذ الخطاب الإبداعي النسوي كل حقه المشروع في التناول النقدي الصحي بعيدا عن كل أوجه التوجيه الإيديولوجي الأبوي المفروضة، أو تلك التي تدعي حيازتها لحق السيادة الرمزية على الإبداع الآخر المختلف، ومنه إبداع المرأة طالما أن بعض التفهم الذي يبديه أحيانا المثقف العربي الرجل لبعض الوجوه الثقافية النسوية العربية (صحفيات– مبدعات في القصة والشعر والرواية… باحثات في الأدب وفي حقول العلوم الإنسانية) من لجوء البعض منهن إلى توقيع بعض مقالاتهن وأعمالهن بأسماء مستعارة بالنظر لسلطة الرقيب الاجتماعي والخوف من المجتمع الأبوي الذكوري، ومن نداء القبيلة و لاءات ” الفحل الثقافي ” بتعبير الغذامي الناتجة عنها، رغم أن الإسلام كرم المرأة بموجب النص القرآني “ولهن مثل الذي عليهن ” لابد وأن يتضاءل قليلا في انتظار أن تأخذ المرأة العربية المثقفة والجامعية حقها من السيادة الرمزية على نفسها للخروج من هذا النفق الاجتماعي الذي يكبلها لتعلن عن رؤياها وهويتها المدنية من دون التخفي وراء الأسماء الوهمية في ظل مجانية التعليم وتعدد قنوات التكوين والتعليم والتلقي العلمي والمعرفي في مجمل الأقطار العربية، قبل أن تطالب الخطاب النقدي الأدبي الذكوري أن ينصفها لكي لا تصاب هي أيضا بداء الانفصام ونصير أمام نوع من “الانفصام المزدوج ” الماثل في كل قول أو خطاب لكل ذات ولكل طرف.