ثقافة الحزن في الوعي الجمعي: مقاربة فلسفية اجتماعية
ابتهال عبد الوهاب/مصر
في عمق العقل الجمعي وفي زواياه المعتمة تشكل وعي الإنسان العربي وربما الإنسان المعاصر عموما على قناعة خفية مفادها أن الفرح طارئ ثقيل الظل لا يليق به المقام الطويل وأن الضحك الصافي فعل مشبوه يحتاج إلى تبرير وأن الانكسار وحده شهادة النضج والرصانة
نولد مهيئين للضحك لكننا لا نلبث أن نتعلم الحذر منه باكرا كأن الحياة تلقننا دروسها الأولى قائلة إن البهجة نذير شؤم وإن الابتسام بغير حساب استفزاز لقوى خفية تترصدنا هكذا ترسخت في وجداننا ثقافة الخوف من السعادة فصرنا نبكي بصدق ونضحك بتحفظ نبتسم ثم نلتفت حولنا اعتذارا للقدر واسترضاء له حتى لا يعاقبنا على لحظة صفاء عابرة
صرنا نرتاب من الفرح ونتعامل معه كما نتعامل مع الأشياء القابلة للكسر نلمسه بحذر ونفرح على استحياء ونتهيأ دائما لما سيعقبه من خسارة محتملة
نرتدي السعادة كما نرتدي ثياب المواسم العابرة ونخلعها سريعا حين تعصف بنا رياح الواقع
وحين يتحول الحزن من حالة إلى عادة ومن رد فعل إلى نمط وجودي يصبح أكثر فتكا من المأساة نفسها
فالألم الذي يأتينا من الخارج يمكن احتماله أما الألم الذي نروضه ونسكنه في أعماقنا وندافع عنه فيصير جزءا من هويتنا ومن يقيننا أخطر أنواع الألم لأن اليقين بالحزن يغلق أبواب الإيمان بالفرح بلا شروط
هكذا غدت ثقافتنا من حيث لا ندري تعيد إنتاج الحزن وتكافئه فترى في العبوس وقارا وفي الصرامة تهذيبا بينما تنظر إلى الضحك بريبة وتضع البهجة في خانة قلة الرصانة الحزن صار الأصل والفرح استثناء يحتاج الى مسوغ أخلاقي
نحن جيل تشبع بالحزن حتى أدمنه فصار يزهر في دواخلنا كأزهار الخريف جميلة في لحظتها لكنها محكومة بالذبول السريع نضحك من وراء القلب ونبكي من القلب كله ونحسب أن هذا هو الاتزان بينما هو في حقيقته خوف عميق من أن نصدق أن لنا حقا أصيلا في الفرح والحياة.
إن أخطر ما في هذه التربية أنها لا تكتفي بإنتاج أفراد حزينين بل تنتج وعيا مشوها بالعالم وعيا يرى الحياة ساحة امتحان دائم لا مجال فيها للاحتفال ولا قيمة فيها للمتعة إلا بقدر ما تسبق العقاب وبهذا المعنى يصبح الحزن إيديولوجيا صامتة تورث
استجابة إنسانية للمعاناة بقدر ما تحول الى بنية ثقافية راسخة يعاد إنتاجها عبر التنشئة واللغة والرموز اليومية حتى غدا معيارا ضمنيا للرصانة والجدية والعمق وعلى هذا الأساس صار الفرح موضع ريبة لا حقا أصيلا وانقلبت المعادلة فتم تطبيع الألم وتجريم البهجة
إن تحرير الوجدان من هذه البنية لا يمر عبر إنكار الواقع أو القفز على المأساة بل عبر تفكيك اليقين الزائف الذي يربط النضج بالحزن والحكمة بالانكسار وإعادة الاعتبار للفرح بوصفه قيمة إنسانية وأخلاقية ومعيارا للصحة الوجدانية لا نقيضا لها
فالمجتمعات لا تتعافى حين تتقن البكاء بل حين تتعلم كيف تفرح دون خوف وتؤمن بأن السعادة ليست استثناء مشبوها بل إمكانية إنسانية مشروعة وشرطا ضروريا لأي مشروع حضاري حي
لعل أول أشكال التحرر هو أن نعيد للفرح براءته وأن نفك الارتباط القسري بين السرور والعقاب وأن نسمح لأنفسنا بأن نكون سعداء دون شعور بالذنب مطمئنين دون فزع من الانهيار القادم فالحياة مهما كانت قاسية لا تحتمل إلا بقدر ما نملك الشجاعة على الفرح لا بوصفه إنكارا للألم بل بوصفه مقاومة له وإعلانا صامتا بأن الروح خلقت لتتسع للنور لا لتقيم أبديا في الظلام والحزن
وفي المحصلة ليس الحزن علامة عمق كما أوهمونا ولا الفرح دليلا على السذاجة كما لقنونا بل كلاهما موقفان من الوجود نختارهما أو ننساق إليهما وحين نراجع علاقتنا بالحزن نكتشف كم مرة عشنا أقل مما نستحق وكم مرة خفنا من الضوء أكثر مما خفنا من العتمة
إن التحرر الحقيقي يبدأ حين نكف عن تربية الخوف في داخلنا ونمنح الفرح حقه الكامل في الإقامة لا كضيف عابر بل كمعنى أصيل من معاني الحياة وحينها فقط لا يعود السرور نذير شؤم ولا تصبح السعادة وعدا مخيفا بل فعلا شجاعا وموقفا أخلاقيا وانتصارا هادئا للروح على كل ما أراد لها الانكسار
