الوعي و صمت العالم؛ خارج الوصف قراءة في شعرية نادية نواصر

الوعي و صمت العالم؛ خارج الوصف قراءة في شعرية نادية نواصر
0
(0)

بقلم الدكتور اليامين بن تومي
حين يريد الشاعر أن يتشعرن فإنه يتحدث من داخل مفهوم السيطرة و الهيمنة لأنه مركب فينمولوجي من القوة و الصلابة، لذلك يحسن الحديث عن أشياء العالم، لأن تكوينه جزء من متانة العالم وصلابته، فيسهل عليه أن يقبض على العالم لأن العلاقة التي تجمعه به علاقة امتلاك، فالشاعر “الذكر” يحسن تقنية الوصف لأن أشياء العالم واضحة بالنسبة له، والوضوح و عمق البلاغة حين تكون معرفة العالم مساوية لأشياءه ، بينما على العكس من ذلك لا تستطيع الأنثى/الشاعرة أن تقبض على العالم لأنها لا تتقن الوصف فهي خارج طبيعة العالم الصلبة، إنها أصل السيولة و التخييل، فهي مركب هيولي عن ما تشكل في المخيال عن صورة العالم و أشياءه، لذلك فهي تتشعرن بعيدا عن الوصف ، إنها شعرية خارج المكان ، فالشعر بالنسبة إليها يُعيدها إلى العالم لتتودد إلى أشياءه لا عن طريق الوصف و إنما عن طريق تأثيث النقص الموجود فيه .
تحدد هذه المقاربة ضمن وضع فينومينولوجي لأن أي وعي يتحدد بوعي شيء ما، أي أن مجموعة الأشياء هي ما يحدد العالم و الأشياء التي تؤثثه، أي أن العالم لا يدرك كتلة واحدة و إنما يتشكل وعيه بتحديد أشياءه.
فهل هناك وعي خارج العالم؟شكليا لا يمكننا ذلك، لكن شعريا يتحقق ذلك بقوة الاستعارة، فالتخييل دوما يسند الإحالة إلى عالم من الشيئية، أي إن العالم يصبح ناضبا وفارغا من التشيء فهناك فرق بين؛ العالم الممتلئ و العالم الفراغ.
أن يمتلأ العالم معنى ذلك أن قوة الدلالة تتأثث بالاستعارة والمجاز ليصبح المعنى خارج العالم وفي عمق التخييل الذي يملأ الفراغات و البيضات التي تجعل المعنى يتخلص من محدودية الشيء ليتخذ الشيء بعدا جماليا لا مرجع له في العالم.
أي أن قوة الاستعارة و المجاز هو من يضفي على النص قوة الشعرية لتقول ما لا يمكن للعالم أن يقوله، لأن ما يتحقق على أرض الشعرية مستحيل في لغة العالم.
وعليه فإن أشياء الشعرية تكتسب قوة دلالية تخرجها عن طور دلالتها كما هي في العالم، وبالتالي تصبح خارج العالم بما هو متناهي ومحدود،أي أن الشعرية المنزاحة عن العالم تخلص العالم من محدوديته وسكونيته، بل؛ تتخلص من فيزيائيته، بحيث تخلص العالم من صلابته، أي أن يصبح عالما آخر طفولي وحالم ، عالم بلا حدود، فاللحظة التي يتشعرن فيها العالم يصبح أنثويا، لأن الأنثى تمنح العالم لحظة السيولة كما يقول زيغمونت باومن .
فطاقة الشعرية بما هي تخطي للشيء، وطاقة الأنوثة بما هي تخطي للصلابة تجعل طاقة الكلام كثيفة و إحالية ومتشبعة بالتخييل السائل.
فالأنثى /الشاعرة تتقن المراوغة و التمدد ليس في وعي الرجل فحسب، أو في وعي العالم بمحدوديته بل إلى اللا عالم الذي تحلم به الأنثى، وهناك في الأقاصي و الأباعد والشتات يولد المعنى الذي لا عالم له.معنى بلا رحم، معنى مفرغ من اليقين و الحدية و التحديد و الجهة ؛ إنه معنى لا عليَّة له، يجيء من كل الجهات إلى هنا.وهذا ما سميناه بشعريات خارج المكان؛ خارج التحديد و التعيين و الإقامة ، المعنى في الشعريات النسوية لا يقيم، إنه معنى رحالة نوميدي يعيش الشتات و ضياع الجهة، إنه معنى بلا وطن كما تقول الشاعرة نادية نواصر في قصيدة

” المتاهات” من ديوان “إمرأة المسافات” تقول :
و أنا الغريبة لا دليل
وحدي تحددني ريحي، تحددني الغرابة و المتاهة و الصهيل
فمن أين يأتي هذا الشعور المدمر بعدم الانتماء إلى المكان؟ هذا الأخير يرتبط بحقل دلالي فاجع يستحكم عليه قاموس الانكسار و الخذلان و الموت و الألم و الأوجاع، لذلك تقوم الشاعرة بالبحث عن وطن بديل تجده في القصيدة، وتعمل في عمق هذه الشعرية أن تتكنين بعيدا عن الوصف، لأن القصيدة خارج المكان لا تسترزق من الوصف ، فالوصف مفهوم متغطرس، أن تصف معناه أنك تلامس وتنظر إلى الأرض، أي أنك تستحوذ على المكان، أما في عالم القصيدة الأنثوية كما مع “نادية نواصر” نشعر أن المتلكلم مُجرَّدٌ من حواسه، تستعبده الفكرة، فيتجرد من حدود الكينونة و من حدود المكان، لتصبح القصيدة هي الكينونة الوحيدة للمعنى.بيت المواجع و الآلام ، إقامة الهلوسات والمنامات ، القصيدة بيت لا سقف له سوى الاستعارة و المجاز و الإحالات الشعرية المختلفة تقول:
تجيء القصيدة
انبلاجا من صهد الجرح
من خلجان الصمت الصاخب
عن جنبات القلق الناري
تجيء القصيدة
المخاض
التيه
وتقول في موضع آخر
تجيء القصيدة
الرجل
الوطن
الألم
المأوى المنفى
أكتب
كيما تتحرر الأشياء من ظلها الرائع
أكتب
كيما تتحرر الأشياء من ظلها الرائع
أكتب
كيما تتحرر الأشياء من ظلها الرائع
أكتب
كيما يتحرر الظل من الظل
يتوغل الخارج في الداخل
تتقشر الأشياء
تكتشف عن غموض المعنى
عن لب المتاهة
أن تتشعرن الأنثى معنى ذلك أن تصبح جزء من عملية تخييل مضاعف فالأنثى تؤثث التخييل وتجعله مضاعفا تقول:
حبي لك
مدارات فقدت مدارها
ومطارات جد سرية
تخشى أن يكشف موقعها
قائد الطائرة
تعطينا شعرية نادية نواصر زخما معجميا من عدم الطمانينة لهذا العالم لذلك يتأزم مفهوم الوطن و المكان لتصبح القصيدة الملاذ الوحيد للإقامة و السكينة .

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *