ديوان أوراس بين عبد المعطي حجازي ومنور مروش
بقلم: عبد المحيد بورايو
ينشر هذا المقال بمناسبة وفاة أحد رموز الثقافة الوطنيّة الجزائريّة، المؤرّخ منور مروش حول ظروف إنتاج ديوان الشاعر المصري القومي أحمد عبدالمعطي حجازي “أوراس”، الذي تناول فيه موضوع ثورة التحرير الجزائرية، والتي كانت لقاءاته مع المثقفين الوطنيين الجزائريين، ومن أبرزهم منور مروش، سببا مباشرا في وعيه بقضية الثورة وفي تحفيزه على تطوير قصيدة مناسباتية كان قد ألقاها في تجمع لمناصرة الثورة الجزائرية في اتحاد الكتاب بالقاهرة إلى ديوان، دامت عمليّة إنتاجه عامين، يجسد الديوان هذا الوعي، والذي يُعدّ من إنتاجاته الشعريّة البارزة ذات القيمة الفنّيّة الكبيرة
قراءة لظروف إنتاج قصيدة أوراس للشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجاز
نبذة مختصرة عن الشاعر:
أحمد عبد المعطي حجازي شاعر وناقد مصري، ولد عام 1935 بمحافظة المنوفية بمصر. أسهم في العديد من المؤتمرات الأدبية في كثير من العواصم العربية، ويعد من رواد حركة التجديد في الشعر العربي المعاصر.
ترجمت مختارات من قصائده إلى الفرنسية والإنجليزية والروسية والإسبانية والإيطالية والألمانية. حصل على جائزة كفافيس اليونانية المصرية عام 1989، جائزة الشعر الأفريقي، عام 1996 وجائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، عام 1997.
كلمة الشاعر حول ظروف إنتاج القصيدة:
قدم الشاعر قصيدته “أوراس” عند نشرها بكلمة يذكر فيها ظروف إنتاجه لها، وطبيعة علاقته بها، إذ أنّه كتب مقاطعها الأولى سنة 1956 قبل الذكرى الثانية لقيام الثورة في 1 نوفمبر 1954 بقليل. حيث ألقى مقاطعها الأولى في احتفال أقيم في نادي الصحفيين بالقاهرة بمناسبة الذكرى الثانية لقيام ثورة الجزائر. ثمّ استكملها خلال ثلاث سنوات، أي أنه انتهى من كتابتها في سنة 1959. يذكر أنه كتبها بعد لقاءاته المتعدّدة في مقهى مع شابّين جزائريين هما منوّر مرّوش وعبدالقادر قاسي، وثالث من أب من مرّاكش وأمّ جزائريّة اسمه محمد عمر اليجدايني. وكان أيضا بصحبة ثلاثة أدباء شباب من المشرق العربي وهم غسان شرارة من لبنان، وعبدالرحمن منيف من شبه الجزايرة وجلال أمين من جنوب مصر. كان هؤلاء جميعا يلتقون في المقهى للتحاور في شأن الوضع السياسي للبلاد العربيّة، ويصف الفترة التاريخية التي التقوا فيها بأنها كانت أسطوريّة بحيث شهدت تأميم القناة وخطف طائرة زعماء الجزائر الوطنيين الخمسة وبروز نشاط الزعيم جمال عبدالناصر في مناصرته للفكرة القوميّة العربيّة. سمحت هذه الظروف السياسيّة باضطلاع هؤلاء الشباب بالفكرة الوطنية والوعي القومي. يقول عن هؤلاء الشباب الذين جالسهم واحتكّ بهم: <<كان هؤلاء الشباب الثلاثة من مغرب الوطن مع آخرين من مشرقه [..] وكانوا يشعرون لدرجة التمزّق والتمرّد بالظلم الذي يسلب الإنسان في نصف العالم رأيه، ويسلبه في النصف الآخر رغيفه…>>. يشير هنا إلى الإمبرياليّة الاستعماريّة التي كانت تُضلّل المجتمعات الغربيّة بإعلامها، وتستبيح ثروات المستعمرات وتسرق جهد وعرق الْمُسْتَعْمَر. يضيف: <<كان هؤلاء الشباب معذّبين رغم ثوريّتهم، ذلك لأنهم رفضوا ذلك الإيمان الغبيّ بطريق واحد، وعندما تتعدّد الطرق يكون لابدّ من الاختيار، من الحرّيّة والمسؤوليّة معا… ومن هنا يكون العذاب ! وأعجبتني هذه الطريقة في التفكير.. أعجبتني ثوريتهم وعذابهم اللذان ينبعان من تجربة واحدة يمارسها العربيّ بقوّة، هذه التجربة هي الحياة ذاتها. الثورية عند العربيّ إيمان بالحياة وشغف بها.. والعذاب عنده تفكير في المعنى ومعاناة للمصير..>>. وقد مثّلت هذه اللقاءات بالنسبة للشاعر تحوّلا هامّا في حياته؛ إذ كما يذكر <<..ووجدتُ في الفكرة العربيّة روح الشعب، كما وجدتُ فيها خلاصي الذاتي من قلق فكريّ عنيف، كاد يدفعني إلى الانحلال أو الانحراف..>>. ولا يخفى عنّا ما تدلّ عليه هذه الإشارة من علاقة بين الحالة الفرديّة والانشغالات الجمعيّة لدى شباب تلك الحقبة في المجتمع العربيّ. وبعد إشارته إلى الظروف السياسيّة العامّة التي التقى فيها بهؤلاء الشبان العرب، يتوقّف عند قيمة إنسانيّة تمثّل جوهر دوافع قول الشعر؛ يقول: <<إنّني أحبّ الحياة .. ولقد وجدتُ هؤلاء الشبّان من المشرق والمغرب يحبّون الحياة>>. ينبّه حجازي أيضا إلى ما كانت تشعر به حينذاك شبيبة طلائعيّة يغمرُها الشعور بالمسؤوليّة الجمعيّة، ويشير إلى دور التنشئة الاجتماعيّة الريفيّة في زرع مثل هذه الروح الجمعيّة، وهي ظاهرة سوسيولوجيّة يلمّح لها بكلّ عفويّة مُفسّرا إيّاها قائلا: <<لأنني كنتُ مُهَاجِرًا لعام من الريف حيث شدّة الإحساس بالجماعة، وتسليم بضرورة العطاء لبقاء الحياة..>>. نجد في هذا تأكيدا لما تذكره الأدبيّات الاجتماعية التي تناولت تلك الحقبة التاريخيّة من النضال السياسي ضد الاستعمار، والتي أبرزت الدور المميّز لسكّان الأرياف في نشاط الحركات الوطنيّة التحرّريّة ودعمها. يذكر أحمد عبدالمعطي حجازي أجواء تلقّيها لمّا ألقى مقاطعها الأولى في نادي الصحافيين بالقاهرة، فيقول: <<وتحمّس الشباب وحفظوا بعض مقاطعها، وبكى الأستاذ أكرم الحوراني الذي كان حاضرا، وتقدّمت منّي سيّدة عجوز وعانقتني ودعت لي والدموع تنهمر من عينيها..>>. يعني ذلك أنّه كان لمقاطع القصيدة الملقاة سنة 1956 تأثير عاطفيّ قويّ على جمهور، كان مهيئا لدعم ثورة التحرير الجزائرية، بفعل انتشار الفكرة القوميّة وما أثارته أنباء هذه الثورة من حماس في مختلف الأوساط، وبسبب الوعي الوطني التحرّري الذي احتضنته فئات واسعة من المجتمعات العربيّة في الشام ومصر والبلاد المغاربيّة خلال الخمسينيّات.
إلى جانب المعلومات التي يقدمها أحمد عبدالمعطي حجازي عن نفسه كباثّ (الطرف الأول في القصيدة كرسالة) في علاقته بالقصيدة، وتلك التي يذكرها بخصوص ردّ فعل المتلقّي (الطرف الثاني في القصيدة)، يقدّم لنا رأيه في القصيدة كرسالة مبثوثة باعتبارها تجربة متفرّدة عاشها خلال ثلاث سنوات، وكان لها دور في صياغة وجدانه وما طرأ من تحوّلات في ذاته. يقول: <<لقد بدأتُ كتابة أوراس في سبتمبر (أيلول) عام 1956، ولكنّ جوّها ظلّ يُطارِدُني إلى سبتمبر عام 1959، بل لعله سيطاردني باستمرار لأكتب غير أوراس.. إنّها تتجدّد في نفسي كلّ عام كما تتجدّد زهور الجبل بعد أن تحترق كلّ عام، وكما تتجدّد الثورة كلّ يوم.. إنّ أوراس ليست في نظري قصيدة قديمة، لقد منحها موضوعها فرصة الميلاد كلّ يوم، وأنّ كلّ ماهو بطوليّ في القصيدة يأتيها من الثورة، وكلّ ما هو فجّ فيها مردّه إلى جوانب في نفسي لم تمتدّ إليها نار الثورة بعد.. […] وأخيرا فأوراس رغم السنوات الثلاث محاولة غير كاملة للاعتماد على العلاقات الفكريّة وتنميتها في البناء الفنّي للقصيدة، دون الاعتماد على علاقات النغم المتدفّق، للوصول إلى الشعر الْمُبَشِّر..>>. هكذا فإنّ القصيدة المشكّلة من المشاعر والأفكار والصياغة الفنّيّة أصبحت بدورها طرفا فاعلا مثلها في ذلك مثل كلّ من الباثّ والمتلقّي. لم تبق مجرّد خطاب يشغل لحظات معيّنة بمناسبة محدّدة في المكان والزمان، بل امتد تأثيرها في نفس الشاعر، وانفتحت على التجدّد والتوالد والتشكّل من جديد لتشغل حيّزا من الزمان امتدّ لثلاث سنوات هو نصف عمر ثورة التحرير الجزائريّة تقريبا. لم تبق مجرّد تعبير عن إحساس في مناسبة زمنيّة ومكانيّة بل أصبحت فكرة تساهم في بناء الوعي الفكري الثوري، وهو ما قصده بعبارة “الشعر الْمُبَشِّر التي ختم بها هذه المقدّمة التي وضعها أحمد عبدالمعطي حجازي لقصيدته “أوراس عند نشرها ضمن دواوينه.
