شاعرٌ يَعتذِرْ
حجم الخط:
———- شاعرٌ يَعتذِرْ
مَعْذِرَةً يَا الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ
إِذَا تَهَجَّيْتُ هَذِهِ الْمَرَّةَ حُزْنِي
وَلَمْ أُسْرِجْ حِصَانَكَ وَلَمْ أَصْهَلْ صَهِيلَهُ
لَا أُرِيدُ أَنْ أَخُونَ كُلَّ هَذَا الْحُزْنِ
وَأُرَتِّبَهُ تَفْعِيلَةً تَفْعِيلَةً
وَقَافِيَةً قَافِيَه..
وَهُوَ الْأَسْوَدُ الْمُتَفَحِّمُ
يَتَمَرَّغُ بِي فِي بَرَارِيَ قَاحِلَةٍ
وَيَصِيحُ كَكَائِنٍ أُسْطُورِيٍّ فَقَدَ الْعَالَم
*
مَعْذِرَةً..
أَنَا لَسْتُ شَاعِرًا
أَنَا فَوْضَى عَارِمَةٌ مِنَ اللَّاشَيْءِ
وَقْتٌ نَازِفٌ مِنْ صُرَّةِ الذِّكْرَيَاتِ
يُحَدِّثُ عَنِ النَّارِ الَّتِي أَكَلَتْ عَشَاءَهُ
عَنِ الرَّمَادِ الَّذِي كَانَ بَيْتَهُ..
عَنِ الْجَبَلِ الْجَبَلْ
لَا بِئْرَ فِيهِ
لَا يُوسُفَ
لَا إِخْوَتُهُ
وَلَا الذِّئْبُ
لَا لُقْمَانَ فِي سَفْحِهِ
لَا قَمِيصَ وَلَا انْتِظَارْ
أَنَا خَيْطُ دُخَانٍ يَشُمُّ فَحْمَةَ الْقَلْبِ
وَالْجَسَدُ رِيحْ..!
*
مَعْذِرَةً
لِلشِّعْرِ الرَّافِلِ فِي فَسَاتِينِهِ
لِلْبَيَاضِ الَّذِي كَمْ كُنْتُ بَسَاتِينَهُ
الْبَيَاضُ الْآنَ كَفَنْ..
الْبَيَاضُ مَوْتَى يَسِيرُونَ عَلَى ذَبْحَةِ قَلْبِي
بَحْثًا عَنْ حَفَّارٍ وَقَبْرْ..
أَنَا الْجَالِسُ عَلَى عَتَبَةِ ذِكْرَى
كَانَتْ تُسَمَّى بَيْتِي !
أَنَا صَاحِبُ الْبَقَرَاتِ السِّمَانِ
اللَّوَاتِي اخْتَنَقْنَ
اللَّوَاتِي انْتَفَخْنَ..
أَنَا الْعَصَا الَّتِي كَانَ لَهَا بِالْأَمْسِ رَاعٍ
اللَّهَاثُ الَّذِي كَانَ لَهُ كَلْبٌ صَدِيقٌ
وَالثُّغَاءُ الَّذِي كَانَ لَهُ غَنَمْ..
أَنَا الْخَوْفُ الْمُتَحَجِّرُ فِي عَيْنَيْ أُمِّي
وَهِيَ نَائِمَةٌ..
نَائِمَةٌ إِلَى الْأَبَدْ ..
تَحْرُسُ دَجَاجَاتِهَا مِنْ تِنِّينٍ مَارِدٍ
حَسِبَتهُ مُجَرَّدَ ثَعْلَبْ..
أَنَا أَلْبَسْتُ الْقَرْيَةَ دَمِي
وَارْتَدَيْتُ الْعَرَاءْ..
لَا أَرْضَ لِي تَحْتَ هَذِهِ السَّمَاءْ
لَا أَصَابِعَ لِلْطِّفْلِ الَّذِي اعْتَادَ يَكْتُبُنِي
لَا طِفْلَ كَيْ أَرْكُضَ..
أَيْنَ أَرْكُضُ؟!
تَشَابَهَتِ التَّلَّةُ بِالْوَادِي..
تَشَابَهَ عَلَيَّ الشَّجَرْ
لَا خُطًى..
لَا أَثَرْ..
كُلُّ الْأَشْيَاءِ حَوْلِي غِرْبَانٌ بِلَا أَجْنِحَهْ..
وَأَنَا بَيْنَهَا بَقايا غُرَابٍ..
وَبَعْضُ أَنْفَاسِ لَيْلٍ
لَمْ يَعُدْ لَهُ سُمَّارٌ
وَلَا لَيْلٌ
وَلَا خَيْمَهْ ..
لَا وَتَدٌ
أَنَا لَا أَحَدْ !!
*
مَعْذِرَةً يَا أَصْدِقَائِيَ الشُّعَرَاءْ..
لَيْسَ لذَى الْمَوْتِ وَقْتٌ لِلْغِنَاءْ ..
أَنَا هَذَا الْمُسَجَّى
أَنَا أَهْلُ هَذَا الْمُسَجَّى
فَمَنْ ذَا يَقُولُ لِمَنْ:
«قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ»
وَكَيْفَ لِصَوْتِ النَّارِ إِذْ تَلْتَهِمْ
أَنْ يَكُونَ بَلِيغًا بَدِيعًا..؟!
وَلِهَذَا الْحُزْنِ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا مُقَفَّى..؟!
وَلِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَلَّا تَتَمَزَّقَ فِي فَمِي..
وَهِيَ تَتَسَلَّقُ رُوحِي
تَأْخُذُنِي إِلَى أَخٍ لِي هُنَاكَ..
يَشْتَعِلُ
يَحْتَرِقْ
يَصْرُخُ مِلْءَ الدُّنْيَا:
يَااا يَمَّااا .. يَااا يَمَّااا
وَحْدَهُ يَمُوتْ
وَيَقْتُلُنِي وَحْدِي..
وَأَنَا قَابَ مَوْتَيْنِ مِنْهُ ومني
لَيْسَ لِي غَيْرُ دَلْوٍ تَدَلَّى إِلَى مَاءِ رُوحِي
وَقد خَسِرْتُ يَدِي
خَسِرْتُ أَخِي فِي الْهَشِيمِ
وَمِتُّ.. مِتُّ كَثِيرًا
وَمَا زِلْتُ أَسْمَعُ صَوْتِي:
لَعَلِّي..
لَعَلَّكَ..
لَعَلَّنَا بِدَمْعَةٍ يَا أَخِي
نُطْفِئُ هَذَا الْجَحِيمَ..
*
مَعْذِرَةً لِلُّغَةِ وَالْعَارِفِينْ
إِذَا كَانَ كَلَامِي بِلَا مَعْنَى
وَبِلَا مَبْنى..
وَلَمْ تَجِدُوا فِيهِ رَبَابًا وَلَا كَمَنْجَاتٍ..
وَلَا رَبِيعًا وَلَا حَدَائِقَ..
وَقُلْتُمْ: عَهِدْنَاهُ سَمَاءً مِنْ أَجْنِحَهْ
وَأَرْضًا مِنْ نَخِيلٍ وَمَاءْ..
لِأَنَّ الْمَكَانَ هُنَا بِلَا مُفْرَدَاتٍ
وَأَنَا وَحِيدٌ
بِلَا شَفَةٍ
أَجْلِسُ عَلَى حَافَّةِ صَمْتْ
وَأُحَاوِلُ فَقَطْ أَنْ أَسْمَعَ قَلْبِي
وَأَلَّا أَرَانِي عَلَى الْأَقَلِّ جُثَّةً
فِي صَحْرَاءِ هَذَا الْمَوْتِ ..
— عبدالرحمن بوزربة —
شهادة النشر والتوثيق الأدبي المعتمدة
هذا العمل منشور وموثق رسمياً في مجلة إمزاد الثقافية ويحمل رمز تحقق رقمي فريد.