لغة الوجود في فلسفة الشد والانفراج

لغة الوجود في فلسفة الشد والانفراج
2
(2)

يوسف لعساكر/ الجزائر

“مي يوسس يرزم”
إذا اشدت انفرجت.

هكذا اختزلت المرأة الأمازيغية حكمة الكون في نسجها “أزطا”، حيث الشد المتقن والمضبوط يمهد لانفراج يخدم الغاية ويحقق التوازن. من هنا، يمكن أن نقرأ الحياة في جوهرها سلسلة متداخلة من التوترات والانفراجات، كأنها قوس مشدود يترقب اللحظة التي ينطلق فيها السهم نحو أفق جديد.
حين تضيق الظروف وتتلاحم المصائب، يبدو العالم كأنه يغلق أبوابه، لكنه في الحقيقة يعيد تشكيل ذاته. إنها حكمة الكون أن كل شدة تخفي في أعماقها بذرة الانفراج، تمامًا كما يتسلل النور عبر شقوق الظلام. في هذه اللحظات، يختبر الإنسان صبره، إرادته، وطاقته الكامنة.
“تاوسست” ، ” تاسّاست” في اللغة الأمازيغية ليست مجرد كلمة، بل هي فكرة، تجربة، ورمز. هي التوتر الذي يسبق الانتصار، الحزم الذي يبني القوة، والرغبة التي تدفع نحو التحرر من الألم. في دورة أزلية، يولد الحل من رحم الضيق، وينبثق الفرج من قلب الأزمة، وكأن الحياة نفسها تكتب قصيدة لا تخلو من التوقفات والنهايات المفتوحة.
حتى الحرف “ⵙ” (ياس) يحمل في طياته فلسفة كامنة. هذا الحرف، المتوازن بين القوة والهدوء، يمثل الصمت الذي يسبق العاصفة، والاستعداد الذي يسبق الانطلاق. تمامًا كما يسود الليل قبل الفجر، فإن التوتر هو صمت الكون قبل أن ينطق.

في فلسفة الشد والانفراج، نتعلم أن الألم ليس خصمًا، بل هو معلّم يوجهنا نحو فهم أعمق للوجود. إنه يفرض علينا الانحناء أمام قوانين الطبيعة، لكنه يمنحنا القدرة على النهوض بقوة أكبر. في اللغة، كما في الحياة، الشدّ هو جسر يعبر عليه المعنى من الضيق إلى السعة، ومن الجمود إلى الحركة.

لعل أجمل ما يميز الإنسان هو قدرته على إعادة صياغة معاناته. كما تتحول “تاوسست” في الثقافة الأمازيغية إلى أمل، اس/يرم ،يمكن لكل تجربة أن تكون فرصة للتأمل وإعادة ترتيب الذات.
لذلك، دعونا نتذكر دائمًا: كل شدّ هو وعد بانفراج، وكل ألم دليل على أننا ما زلنا نحيا، نحلم، ونقاوم.

يوسف لعساكر

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 2 / 5. عداد التقييمات: 2

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *