لغة في الخارج و شموس غامضات ( رواية هوارية )

لغة في الخارج و شموس غامضات ( رواية هوارية )
5
(1)

بقلم د . لحسن عزوز أستاذ النقد و الأدب

الحداثة مصطلح اشتغالي يطرح فكرة السؤال الحارق و المفتوح و اللانهائي و هذا ما دعت إليه كل الأجناس الأدبية الحديثة بعد موجة من التحولات العلمية و الفنية و المعرفية فانغرست في الوجود و كينونة العالم و كل التيارات الصاخبة الضاجة الرقراقة في نهر الكاتبة و الكون و كان للمبدع القدرة على التبتل في صومعة التخييل و الإبداع و الخلق و الإبتكار و الحفر و النحت و الرجم في دنس العالم و رجسه الهائل بدءا من كتابات غائبة في حضارات قديمة ( فرعونية و هندية و رومانية و بابلية و يونانية و عربية ) حيث كانت الكتابات تشكل المشاعر الإنسانية من خلال أسلوب حسيّ يميل إلى الشهوانية، في قصص و أساطير حول الخصوبة و طقوسية الحب و الحياة واستمر الحال لغاية العصر الحديث .
و هنا كانت الحكاية الأولى في نسج الحكي و السرد بشكل مخالف للنصوص القديمة التقليدية فلم يعد النص قابلا لضراعة الطهارة و شيطانية الرغاب بل هو نص مفتون بالسؤال و اللاتاريخانية و الخيبات و الآمال المحتبسة المنهوبة المهدورة الغشوم .
و نص الكاتبة إنعام بيوض ( هوارية ) يحمل في ظاهره رفضا للظلم و الهامش لكنه معجون بأجراس الجرأة و القاع السحيق المتفجر على تخوم البؤس في حلقة زمنية سوداء من تاريخ الجزائر في فصول بعناوين ترمز إلى الفراغ الصلد ( الهاء ) و محاولة الإطاحة بأصنام اللغة السردية التقليدية و توابيت القداسة عازفة عن مجد ضارب في جذور تربة عصية قصية مناوئة رافضة لقواميس المقابر .
فكان الجسد و تفاصيله و وشمه على هواء العالم بلغة البسطاء و لكن الكاتبة سقطت في فخ الهروب و التيه و استماتت في بئر مهجورة تتداخل و تتخارج عبر مشهدية البذاءة اللغوية البعيدةعن سياق النص و أحداثه و كأنما تحاول أن تتفلت من الموت السردي
وكأنما تحاول نكأ الجراح بعنف جرحا تلو الآخر لتتكشف لها المآسي النزقة الماجنة بالطمي الغضير و الحيوات الضروس
و هنا سقطت اللغة السردية من دياجير الإشتغال و الحفر إلى اللجاجة و البساطة و أحيانا الركاكة و التقزز
(إذا لم يكن لدينا خيار في الخروج إلى الحياة ..) ( و لطالما أرقتني فكرة الإيمان أراه مفهوما يخدر العقل و يكرس الخوف )
( واقيل هاد الشير عمرو ما ن…؟ ) ( أما خيتي ذاك الماترييل الزين اللي عنده ) ( يالقحب.. منين جبتي هذ العرام ..) ( بالصح نقولك و اسمعيني مليح يا لو كان تدخلي في زك الفار نجيبك ) ..
هي نصوص يحاول البعض الإشتغال على انها نصوص محكية و هو من التقنيات الحداثية و هذا حقيقي لكن الأمر هنا لا يتعلق بذلك إطلاقا فأن تتداخل الأجناس الأدبية في نص واحد ( كاللهجة المحلية أو الألفاظ الأجنبية او الرموز او الأشكال أو البياض أو الفراغ أو الإشارات ..) فهذا لا يعني انه يخدم النص في اختلافية الحكي و دهشته ، هناك مبالغة في نسج الألفاظ و تصوير بعيد عن سياق الأحداث و لا يثير القارئ ولا المتلقي ولا يدهشه بل قد يتقزز منه و يجعله متكائبا أسيفا ، هناك نصوص كثيرة اجنبية و عربية اشتغلت على المقاطع الجنسية كسياق داخلي يعجن الحدث و لا يتداخل فيه و يتجاوزه و لا يسكن فيه كما كان في رواية الأمين الزاوي ( شارع إبليس ) فالأمين الزاوي تجاوز فكرة الجسد و الشهوانية إلى قيمة إنسانية و موضوعية في احداث كثيرة تجاوزية سياسية و اجتماعية و لم يعد النص هنا قطعة ( بورنو ) بل هو نص سردي ثر غزير مرتعد من رماده المهدور فاللغة غير تقليدية بل هي ثائرة و الأحداث تعاقبية تزامنية و الأمكنة تتعدد و لن يقف القارئ حول مشهد واحد بل يتجاوزه في صرخات بكر كل مرة
و الرواية هنا ( هوارية ) لإنعام بيوض تساكنت في فصول رتيبة و ظليلة ( السماء المتبلدة بالغيوم بطنت وهران من كل جانب ) فصل هوارية 2 ، فاللغة هنا و في مقاطع كثيرة من الرواية رتيبة جدا و تقليدية و أحيانا ركيكة لا تغوي و لا توغل و لا تومض و كاننا نحاول ان ننهض من ظلام حالك و فجيعة خائبة
النصوص الأجنبية الحداثية كما نجد ذلك مثلا في رواية حكاية أمة لمؤلّفتها مارغريت آتوود أو حتى المحلية منها كنصوص القاص و الروائي الجزائري علي دغمان ( بلا وجه أو رائحة / للمدى خطوة و أخرى لعينيك ) فهي نصوص بلهجة محكية لكنها تتحصن بريبة الدهشة و معلوم المجهول و ضياء العذاب في فلسفة ديستوبية عالية متعالية
فالأمر هنا بحث عن المختلف و ليست القضية في بذاءة اللغة او إيروتيكية النص لا ، لكن الآمر يتعلق بالنص في جمالياته و مدى قدرته على العصيان و وجودية العبث الآتي دون الإمساك بلغة لا هي واقعية ولا هي منحطة ولا هي مثيرة و لا هي سردية
و على الآخر تقبل النقد و تقبل الآراء حول الرواية ولا يمكن ان نصف أحدهم بالنفاق و غير ذلك من الألفاظ المشينة فلكل احترامه و مقامه
و الروائية لها مقامها و سيرتها الذاتية المعرفية المتميزة و للجنة التحكيم كامل التقدير و الإحترام لكن هذا لا يعني السكوت و الصمت يأفل الكاتب عندما يأفل النقد الحقيقي البناء
و اخيرا و نحن نعيش عصر الصورة و التفاعل الرقمي كان لا بد من البحث في كتابة جديدة و مختلفة لتنولد الرواية من غرائها الدابق الكاسف في شكل فجائي يجرجر الخيبات و المراثي و المجهول إلى لغة تشتد و تمتد تتجمع و تعصف تتنامى و تتماهى لا ان تتوارى خلف مقاطع رتيبة ذابلة مائعة و إسهاب في البذاءة الحادة لتسفح الكلمات على معاطف القراء في صيف حار
علينا البحث في المختلف الجمالي و الحداثي القيمي و الإنساني فلم تعد الرواية كما كانت في الخمسينيات عندما ظهرت رواية ( لوليتا) lolita و هي رواية للكاتب الأمريكي من أصل روسي فلاديمير نابوكوف، نُشرت في عام 1955 في باريس، وفي عام 1958 في نيويورك. ترجمها لاحقًا مؤلفها الروسي إلى اللغة الروسية. أبرزت الرواية مواضيع جنسية مثيرة للجدل .
الرواية و الكتابة الان بحث في الوجود و الألفة و الآخر و ما سيكون و لم تعد المقاطع الجنسية ولا اللغة الركيكة الواقعية البسيطة مثالا للحداثة و الكتابة .

تعقيب مهم :
1/ ملاحظاتي حول النص كان بقراءة نقدية واعية تقبل الإختلاف و التعدد في الأحكام النقدية بحكم مفهوم القراءة و التلقي المفتوح.و ملاحظاتي كانت حول اللغة السردية و جمالياتها و ليست القضية في العبارات الجنسية.
2/ كامل الإحترام و التقدير للنص و الروائية و هذا لا جدال فيه مطلقا.
3/كامل الإحترام للجنة التحكيم قراراتها غير قابلة للطعن بكل تأكيد.
4/ أعيب على لجنة التحكيم الرد و التعقيب على آراء فيسبوكية عامة فكان الأفضل أن لا ترد حفاظا على هيبتها و قراراتها دون تبرير.
5/ لا أقبل التجريح و الشتائم قراءتي كانت نقدية موضوعية للنص و هذا لا يعني أن نفتح المجال لكل من هب و دب فالنص سردي مختلف متعالي و لا يمكن لأي قارئ عادي نقده.
6/ على الجميع الكف عن الشتم و التجريح و الأسف أننا لا نعرف قيمة حرية النقاش و الرد فالكل يسيء بعبارات نابية و شخصية و عنيفة و هذا غير مقبول.
7/ النقاش العام حالة صحية و إيجابية في كل الأحوال و على الجميع تقبل الآخر بما في ذلك الروائية المتميزة إنعام بيوض. و أعضاء لجنة التحكيم الموقرين.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عداد التقييمات: 1

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *