لمن نكتب الشعر؟! Pour qui écrit-on la poésie
راضية تومي/ الجزائر
منذ سنوات، سألني أحد أقاربي ما الفائدة التي أجنيها من كتابتي الشعر الذي لا يؤكل “عيش؟
نعرف جميعنا أن القليل من الكتاب والشعراء يعيشون من مبيعات كتبهم وخصوصا في بلدنا، حيث عددهم قليل جدا جدا. و قريبي ذو النظرة البراغماتية كان يفكر بالمردود المادي مقابل “جهد” فكري أمارسه ووقت أكرسه لهذا الجهد. ربما هو محق حين أعتنق وجهة نظره وأفكر في الأمر اقتصاديا وماديا ولكن كتابتي للشعر تغذيها دوافع أخرى مختلفة تماما ، منها ما أدركه ومنها ما ينبع من روحي ويصعب علي تفسيره. إذن لمن أكتب الشعر؟ ولمن نكتب الشعر في مجتمع مثل مجتمعنا؟ هل أكتب للآخرين؟ أم أكتب لنفسي ؟ أم لهما معا؟
أم أن كتابتي للشعر ترمم أوجاع نفسي وتطمئن حيرة روحي ؟ هل أنتظر أن أجني “ربحا” ما من وراء ذلك؟
الواقع أنني أجبت قريبي، في ذلك الوقت، أن كتابتي للشعر تلبي نداء داخليا وأنها تشعرني بالسكينة والفرح وأنها حديث مع ذاتي ومع دواخلي التي لا أحيط بكل مكنوناتها، وأنني لا أفكر في جني المال من ورائه، ليس لأنني أكره المال، بل لأنه ليس هدفي. أنا أريد أن أكتب الشعر وكفى. إنه أمر أشبه بالرسالة التي تلبسني وتلتصق بكياني مثل نداء ميتافيزيقي غامض ولكنه يملأني بالرضا.
غير أن ما يحز في النفس هو أن عزوف الناس عن قراءة الشعر لا يعود إلى نفورهم منه بل إلى أسباب بسيطة جدا ومفهومة جدا. غياب ثقافة القراءة من ناحية وتدني المدخول المادي للعائلات الجزائرية في عمومها عاملان يجعلان من الشعر ترفا يكاد يكون كفرا في ظل أوضاع معيشية صعبة.
و مع ذلك، ما الذي يمنع من قراءة الشعر او الاستماع له، حينما تتوفر قنوات أخرى تتيح الوصول إليه مجانا أو متوفرا مع خدمة أنترنت التي يقتنيها معظم الجزائريين وذلك من خلال المواقع الإلكترونية التي تنشر القصائد الشعرية بلغات مختلفة، مكتوبا أو مسموعا؟
هي الثقافة الغائبة، والعادات الثقافية المجتمعية التي اختفت ، فصار الكثيرون لا يلتفتون للشعر. هناك نظرة احتقار تحوم هنا وهناك و ترمق الشعر بإزدراء وقائله أيضا، في مجتمعنا. الشاعر والشاعرة، في نظر البعض، عاطلان، لديهما الكثير من الوقت ليضيعانه، أو هما مجنونان منفصلان عن الواقع المر وتحديات العيش. فبينما يكد الناس ليحصلوا أرزاقهم، يركن الشعراء لأهوائهم التي لا طائل منها ليكتبوا كلاما لا فائدة ترجى منه.
هذا التفسير المادي والسطحي والجاف للشعر يعكس حالة جفاف روحي وغياب الذائقة الجمالية لدى أصحابه. لكن متى حدثت هذه القطيعة بين الشاعر والمجتمع؟ متى أصبح الشاعر والشاعرة فردان منبوذان ؟ أود أن أوضح أن هذه النظرة لا تمثل وجهة نظر المجتمع ككل ولكنها غالبة عليه، وهو أمر مؤسف. كي يدرك الفرد قيمة الشعر في حياته أو أثره فيها، لابد أن يتعلم أن ينظر إليه من زاوية مختلفة و من منطقة مغايرة. الشعر ليس مادة وليس مهنة بل هو رحلة وطاقة وتذوق للجمال. وحين يدرك الناس قيمة وأهمية وجود الجمال في حياتهم، سيسعون إلى جعل هذا الجمال جزءا منها، وسيكون الشعر حينها ضروريا بالنسبة إليهم ولا غنى عنه
