مبدع وقياس

مبدع وقياس
5
(1)
بقلم  عبد الواحد اليحيائي/ السعودية
إذا أردنا أن نقيّم مبدعاً فعلينا أن ننظر إلى مجمل تجربته الإبداعية عبر زمانها ومكانها، وتأثيرها فيما حوله من أشياء وأفكار. الشاعرة سعاد الصباح ليست في شاعرية نزار، ما شككتُ في هذا، ولا هي قالت ذلك، وما أظنها فكرت فيه. لكن تأثير نزار رحمه الله في بيئة الشاعرة ليس كتأثيرها، تأثيرها أقوى، كما أن دورها عبر مؤسستها الثقافية التي تحتضن الإبداع داخل الكويت وخارجها لا علاقة له به أو بغيره من المبدعين، ودعوتها إلى التحرر النسائي في بيئتها الخليجية شديدة المحافظة يجب أن تحسب لها لا عليها، ثم انصباب ذلك كله في إطار إبداعها الشعري يجب أن يؤخذ في الحسبان ليكون من ضمن عوامل تقييم إبداعها نفسه على حسب قوة تأثيره في هذا الإبداع.
لكن هل يكفي النص وحده للدلالة على الشاعر؟ وهل هذا هو المعنى الذي أشار إليه عباس العقاد رحمه الله حين قال: الشاعر الذي لا نعرفه من شعره لا يستحق أن يُعْرف؟ وهل يمكن أن نشير بنفس العبارة إلى كل فنان: رسام تشكيلي، روائي، مسرحي….الخ؟!
الجواب: لا، ونعم.
هو (لا) إن تصورنا أن المقصود معرفة المبدع باسمه واسم أمه وأبيه والبلد التي جاء منها، ونوعية الطعام الذي كان يفضله. وهو (نعم) إن فهمنا أن المراد هو معرفة أحاسيسه ومشاعره ونظرته العامة إلى الحياة، وفلسفته فيها، وأساليبه الكتابية، وتقييمه بفنه لما حوله من أشياء، ثم جريان ذلك كله على وتيرة واحدة نفهم معها طريقته في التفكير والتعبير بلا تناقض بارز، ولا طفرات فكرية تلغي شخصيته الإنسانية، وتمحو قدرة القارئ على فهم إحساسه وعواطفه بين نص وآخر.
لكن هذا الرأي لا يعني أننا لا نحتاج إلى معلومات أخرى عن المبدع حين نتتبع إبداعه، بل تلك إشارات جميلة، ومعالم على الطريق لفهم فنه.
ابن الرومي من أقدر الناس تصويراً للطبيعة، ولا شك في قدراته في مجال التهكم اللاذع و (الكاريكاتير) الشعري، وفي شعره كثير من البذاءة التي قد نستغربها أحياناً، لكنه استغراب يزول إن حققنا العصر، ورأينا غلبة فكر الجواري المغنيات، وكثرة مجالس الطرب، والثقافة الضحلة التي يوفرها التردد على هذه المجالس في نفس موهوبة ومثقفة ومولعة أصلاً بالتهكم احتقاراً للزمن كله، أو تشاؤماً بقدرٍ وضعها وسط هذه المجموعة من الناس. وأيضا لن نفهم أبا نواس وتعلقه بالغزل المذكر ما لم نأخذ صلته بأستاذه والبة بن الحباب الأسدي الشاعر الماجن العربيد بعين الاعتبار، وما لم نلاحظ البيئة التي وسمت بالظُرف جماعة الشعراء السكارى اللاهين كأبي نواس والحسين بن الضحاك، بل وحتى أبي العتاهية المتزهد الذي وصِف بأنه حامل زاملة المخنثين في شبابه.
في الإبداع وحده (النص، العمل الموسيقي، الصورة…الخ) كفاية لتعريفنا بإحساس الفنان، ونظرته إلى الحياة، وتجربته الإنسانية فيها، دون كبير معرفة بالبيئة التي أخرجته. ولا شك أن للكلام تأثيره في النفوس، لذا نطلب دائماً جمال مبناه، ودقة معناه، وكلما ارتقى في معناه ومبناه كان تأثيره في النفس أشد وأقوى، وكانت العبرة به أعظم وأوثق، وكانت المنفعة والمتعة المرتجاة منه أعم وأعظم. روي أن معاوية بن أبي سفيان سأل عبيد الله بن زياد عما يروي من الشعر فقال: كرهت أن أجمع كلام الله وكلام الشيطان في صدري. فقال معاوية: أغرب، والله لقد وضعت رجلي في الركاب يوم صفين مراراً ما يمنعني من الانهزام إلا أبيات ابن الإطنابة حين يقول:
أبت لي عفَّتِي وأَبى بَلائي وأَخذِي الحَمدَ بالثَمَنِ الرَبِيحِ
وقَولي كَلَّما جَشأت وجاشَت مَكانَكِ تُحمَدِي أو تستريحي
لأَدفَعَ عَن مآثرَ صالحاتٍ وأحمي بَعدُ عن عِرضٍ صَحِيحِ ـ
وتلك بلا ريب منفعة غير مقصودة من منافع الفن الجميل حين عصمت رجلاً من الفرار خوفاً من الفضيحة وسط قومه. وقل مثل ذلك في كثير من الشعر العربي الذي قيل في المدح حثاً على مكارم الأخلاق، وفي الهجاء هرباً من رذائلها، وفي الوصف تجديداً للصورة والحركة، وفي الغزل تعبيراً عن خوالج النفس الإنسانية في مواجهة حبيب حاضر، أو عزيز غائب، وغير ذلك من صور البيان في الشعر العربي بل في الأدب عموماً، قبل أن يأخذ الحديثُ النقاد في صراعات الفن للفن، أو الفن للأخلاق، وقبل أن ينشغل العربي المعاصر بذاتيته عن مدح وهجاء ورثاء….الخ.
هل أصاب النقاد أم أخطأوا حين فلسفوا الكلام، وانشغلوا بالحداثة عن التراث، وساقوا أحكام عصرهم على ما سبقه من عصور؟! الواقع أن ذلك لا يهم، ولا يجب أن تعنينا الإصابة والخطأ بقدر ما يجب أن يعنينا التفكير في الجديد كدرب آخر وغير مسبوق إليه إلى عالم الفن الجميل مع إبقاء الطرق القديمة الأخرى، والعمل على الحفاظ عليها، والاستفادة من تجارب أولئك الذين مروا عبرها، الفن يسع التنوع وغالباً يحبذ الاختلاف.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عداد التقييمات: 1

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *