منزلة عبد الكبير الخطيبي في الدرس الفلسفي المعاصر بين محمد نور الدين أفاية وبختي بن عودة
على هامش الذكرى الثامنة والعشربن لرحيل بختي بن عودة
قلولي بن ساعد
عندما فرغت من قراءة كتاب ( في النقد الفلسفي المعاصر مصادره الغربية وتجلياته العربية ) للباحث والمفكر المغربي محمد نور الدين أفاية
لم يكن ورادا بذهني أبدا أن أقدم عرضا عنه للقراء وليس هو الهدف من الحديث عنه في هذه العجالة .
طالما أن ” كل تعليق على كتاب هو أمر سيء أو غير مجد فكل ما لا يأتي مباشرة لا قيمة له ”
على مايرى إيميل سيوران الذي يتكيء عليه في هذه العبارة الشيقة الباحث العراقي قحطان جاسم في التوطئة التي كتبها للترجمة العربية التي أنجزها لكتاب فيلسوف العدمية فردريك نيتشة (شوبنهاور مريبا ) .
عندما كان بصدد الكتابة عن نيتشة وعن الأفكار الواردة في كتاب ( شوبنهاور مريبا )
ثم سرعان ما تراجع عن ذلك لما تذكر وصية إميل سيواران السابقة الذكر .
وفضل ترجمة الكتاب نفسه إلى اللغة العربية تاركا للقاريء حرية قراءته من دون دليل أو واسطة .
لقد شدني كثيرا الفصل الذي خصصه مؤلفه الباحث المغربي الدكتور محمد نور الدين أفاية لعبد الكبير الخطيبي بوصفه سوسيولوجيا بنفس فلسفي وهو السوسيولوجي الذي جاء إلى الفلسفة عبر مدخل السوسيولوجيا التأملية الأقرب إلى الدرس الفلسفي المعاصر .
الفصل الذي حمل عنوانا لافتا للنظر ( التفكيكية في السياق العربي مقاربة لفكر عبد الكبير الخطيبي ) .
وفي هذا الفصل الفصل السادس الذي قارب فيه محمد نور الدين أفاية تجربة النقد التفكيكي في السياق الفلسفي والنقدي العربي متخذا من نموذج عبد الكبير الخطيبي مثالا عبر كتابية النقد المزدوج ) و(الاسم العربي الجريح ) . )
وحجة محمد نور الدين أفاية عن انزباح الخطيبي من السوسيولوجيا إلى الفلسفة تجد دلالتها عند محمد نور الدين أفاية في بعض أطوار تاريخ الفلسفة الغربية التي يقدم عنها مثال افلاطون الذي كان يفكر يحسب محمد نور الدين أفاية ” في السياسة والرياضيات والإجتماع والفن والأدب والحرب والسلم والنحو واللغة وغيرها ” .”
وليس افلاطون في نظر محمد نورالدين أفاية سوى مثالا واحدا من بين أمثلة كثيرة في تاريخ الفلسفة في السياقين العربي والغربي .
بمعنى عدم اكتفاء الدارس للفلسفة بمجال تخصصه الفلسفي والانعزال فيه بنوع البقاء داخل ذلك الغيتو التخصصي الأشبه ( بالغيتو الشكلاني ) كما وصف ذلك ناقد فرنسي من أصل بلغاري هو تيزفيطان تودوروف في كتابه ( الأدب في خطر ) في زمن ثقافي هو الزمن الذي تزداد فيه الحاجة إلى رفع الحواجز عن التخصصات البينية مع انبثاق ما أصبح يسمى الدراسات البينية العابرة لآفاق التخصص .
:وهي مقاربة تضع فكر الخطيبي بين ( المنزلتين ) بتعبير المتصوفة المنزلة الأولى
:هي منزلة الفلسفة فيما المنزلة الثانية
هي منزلة السوسيولوجيا وتحديدا سوسيولوجيا الأدب
وهو مجال تخصص الخطيبي الأكاديمي منذ أن كتب كتابه التأسيسي في الستينيات من القرن المنصرم ( في الكتابة والتجربة ) والذي خصصه للرواية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية خاضعا إياها لمعطيات التحليل النقدي المنبثقة من مفاهيم وأدوات علم الاجتماع الأدبي
الأمر الذي يتجلى في صيحة الخطيبي نفسه عندما يرفض تأطيره ضمن خانة محددة وهو :القائل
” يريد الآخرون أن يؤطروني في خانة ما ، والحال أني الممتهن لقياس المساحات ”
ولم يكتف الخطيبي بهذه الصيحة فقط وهو ” الممتهن بقياس المساحات ”
لولا أنه بعد فراغي من قراءة هذا الكتاب كتاب محمد نور الدين أفاية قادتني الصدفة إلى قراءة ملف مهم وهو في الأصل أشغال ندوة علمية نشرت أبحاثها بمجلة المستقبل العربي في العدد 38 الصادر سنة 2015 وأدارها الدكتور عبد الاله بلقزيز
منبثقة من حلقة نقاشية جرت أطوارها في شعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الثاني بنميسك بالدار البيضاء .
ومن بين المقالات التي تضمنتها مقالا للباحث المغربي موليم العروسي خصصه لمسألة ما سماه بالهامش في كتاب في النقد الفلسفي المعاصر مصادره الغربية وتجلياته العربية ) ) الذي انتهى فيه إلى اعتبار الخطيبي أنه ” مر من هنا وهناك ولم يكن ينصت له الكثيرون كانوا قلة وكان محمد نور الدين أفاية واحدا منهم ” .
ولست أدري إن كان الناقد الجزائري المرحوم بختي بن عودة من هؤلاء القلة في ذهن موليم العروسي
فأنا لا يمكن لي الدخول في نوايا باحث مهم من حجم موليم العروسي .
ففي تسعينيات القرن المنصرم عندما تحسر عبد الكبير الخطيبي عند ما لم يجد مثقفا عربيا واحدا استثمر إنتاجية “النقد المزدوج ” بدل الإعلاء من تجاهله ، تصدى لذلك ناقد جزائري شاب هو بختي بن عودة في إطروحة جامعية ناقشها بجامعة وهران بعنوان (ظاهرة الكتابة في النقد الجديد مقاربة تأويلية الخطيبي أنموذجا ) .
نشرت بعد رحيل بختي بن عودة عن الحياة ضمن كتاب صدر في طبعتين الطبعة الأولى
هي التي صدرت ضمن منشورات مديرية الثقافة لولاية معسكر 2005 في عهد الصديق القاص جمال فوغالي الذي قام بتنظيم ملتقى علميا تناول فكر بختي بن عودة وعمل على إصدار هذا الكتاب المهم .
:فيما الثانية
فقد صدرت عن دار صفحات للدراسة والنشر ببيروت وكتب مقدمة هذه الطبعة الناقد الجزائري الدكتور عبد القادر فيدوح .
وبختي بن عودة الذي لم تسعفه الحياة كثيرا ، لكنه فكك (ظاهرة الكتابة عند الخطيبي ) بحس تأويلي منظورا إليه من زاوية تفكيكية صاغها بهدف تجسير فجوات القراءة لخطاب الخطيبي في السياق الذي تشكل فيه بوصفه ناقدا وسوسيولوجيا وفيلسوفا ، لا زالت حفرياته تحافظ على راهنيتها ، التي لم تستنفذ بعد نزوعها في استقصاء ما يربض خلف ماكنة ” النقد المزدوج ”
وما أدراك .

تحيين معرفي لباحثين من أمثال بختي بن عودة وعبدالكبير الخطيبي من شأنه انعاش موات النفس.
تحية للأستاذ قلولي بن ساعد ولا شك أن الجسور المعرفية التي أرى نصك باعثا لها دليل التعاضد والتكامل بين مختلف المعارف وإلا الارتهان الضيق في حدود الأكاديمة عادم للفهم والعز المعرفي.