نساء سيدي خالد

نساء سيدي خالد
0
(0)
 بقلم: عمر بن ققة/ الجزائر
إلى اليوم، وبعد ما يقرب من ستة عقود خلت، لا تزال محفورة في ذاكرتي، كلمات قليلة من أغنية شعبية، بل أنشودة، كانت تغنيها وتطرب بها نساء” سيدي خالد” و” أولاد جلاّل”، في منتصف ستينيات القرن الماضي في الأفراح والمناسبات الدينية، وفي الجلسات والمجالس النسائية.. كنت أسمعها كلما زرت المدينتين رفقة جدتي” هنيّة ـ أَهْنية بنطقنا البدوي ـ اروينه” رحمها الله.
تقول الكلمات:
سيدي خالد لًكْبير والصُّومْعة مَارًة
وللّي غّنّيْت عليك طّلّبَتْ لَعْمَارة
ولم تكن هذه الأغنية أو الأنشودة أو الأهزوجة خاصة بنساء عقيمات ـ أو حتى عاقرات ـ علمن بحالتهن بعد الزواج، وإنما كانت تردد في ذلك الوقت من المحجوبات ــ وهنا لا أقصد المتحجبات ـ وإنا أعني الفتيات اللائي بلغن سن المحيض، وحُجْبن عن الخروج إلى الشارع حسب تقاليد في المجتمع الجزائري ذلك الوقت.
وبالتأكيد أن معظمهن أو كلهن مثل كثير من الجزائريين، لم يكّن على علم بالنقاش الدائر حول” سيدي خالد”، خاصة من اليسار العربي، الذي يعتبره”
” خالد بن سنان العبسي” ـ الذي كان قاضٍيا وأديبا من أدباء العرب وحكمائهم، وكان حنيفًا على ملّة سيدنا إبراهيم عليه السلام، كما كان يدعو إلى نبذ الأصنام والخمر والربا ـ حتى بعضهم توهّم أنه نبي بُعِث قبل الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا، وغير قابل للنقاش من المنظور الإيماني، لكن الذي كانت نساء سيدي خالد وأولاد جلال، تعتقدنه هو: أن الدعاء يمر عبر أولياء الله الصالحين أوّلاً، وعبر المساجد ثانيا.
عمليّاً، وحتى لا يقف السلفيون من ذلك موقفاً سلبيا، أقول: أن دعوات الناس تنطلق من نواياهم، وأحسب أن نوايا النساء هناك ـ والله أعلم بها ـ كانت منطلقة من بعد إيماني، صحيح أنها نتاج الصوفية حين تحوّر مسارها، ووجد بعض من مريديها صعوبة في مجال الجهاد الأكبر، مع أنهم تميزوا به في قرون سابقة، لكن مع ذلك تظل حالة ثقافية، تحمل ظهرا ونقاء، وصفاء سريرة.
رحم الله جدتي هنيّة فقد فتحت المجال أمامي منذ طفولتي لتحمّلني وعيا مبكرا، بالوجود، وبالناس، وبالعلاقات الاجتماعية والثقافية، وما أظنها اهتمت بأن أكون كاتبا، ولكن بالتأكيد كانت تحضرني لأكون قارئاً.
لقد كنت أرافقها إلى كل الأماكن التي تزورها أينما حلّت أو ارتحلت، ماسكاً يدها، أو لاصقاً في كم قنْدورتها أو ملحفتها، أي في( أذْفارها) كما نقول في الصحراء، وبفضل التنقل معها اكتسبت ثقافة مجتمعية واسعة.. حتى إذا ما أخذت حياتي زخرفها في طفولتي المبكرة وظننت أنني في أمان، رحلت جدني رحمها الله، وبوفاتها لم أفقد الجدة الحنون، والسند القوي ـ بعد طلاق أمي ـ فحسب، ولكني فقدت السند المعرفي أيضا.
إن حديثي اليوم على نساء سيدي خالد وأولاد جلال هو تكريم لها في الغياب لأنها منهن أصلا وعرشا وحبا، وتكريماً لهن لأنهن يذكرنني بها، لذلك أشاركهن اليوم تراثهن الغنائي الطيب.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *