وقفة مع مسرح اللامعقول
–بقلم أحسن تليلاني.
-
هناك مصطلحات كثيرة تدل على مسرح اللامعقول، من بينها: مسرح العبث، ، و المسرح المضاد، و مسرح الطليعة، و اللاوعي، و المسرح التجريبي، مسرح السخرية، و الكوميديا السوداء و غيرها.
و نشير إلى أن أول من استخدم مصطلح اللامعقول هو الناقد الانجليزي مارتن إيسلن في كتابه ( دراما اللامعقول ) سنة 1962، و قد استوحي المصطلح من مقالة لألبير كامو بعنوان:(أسطورة سيزيف) كتبها عام 1942 و قدم فيها الموقف الإنساني على أنه موقف عبثي.
إن مسرح اللامعقول هو تعبير أطلق على تيار مسرحي ثائر متمرد عما سبقه، فقد ظهر و تشكل في فرنسا عقب نهاية الحرب العالمية الثانية على يد نخبة من الأدباء جمعهم موقف واحد وهو الرفض، ولغة واحدة هي الفرنسية، منهم الإيرلندي صموئيل بيكيت، والروماني يوجين يونسكو، و الروسي آرثر آداموف ، و الإسباني فرناندو أربال ،و الفرنسي جون جينيه، و لم يكوّن هؤلاء مدرسة حديثة في الأدب أو مذهباً منهجياً في المسرح، ولكن كان يجمع بينهم موقف فلسفي موحد، ألا وهو السخط على الحياة في المجتمع الأوربي المعاص، والتعبير عن هذا الرفض بأسلوب ساخر، و من أهم النماذج التي تعد من عيون مسرح اللامعقول نذكر مسرحية في انتظار غودو لصمويل بيكيت( 1906- 1989 ) و هو حاصل على جائزة نوبل للأدب عام 1969، و مسرحية المغنية الصلعاء ليوجين يونيسكو( 1909- 1994 )، إضافة إلى مسرحياته الأخرى مثل : الخرتيت، و الكراسي، و غيرها.
إن مسرح اللامعقول هو نمط دراماتورجي ، و أسلوب خاص في الكتابة، يقطع مع كل مبادئ الإيهام المسرحي، و يرى إبراهيم حمادة أنه مسرح يعني النشاز و النبو عن القاعدة، و انعدام المعنى، و من أهم أسباب نشأة هذا التيار المسرحي : الآثار المدمرة للحرب العالمية الثانية، و كذا الفراغ الروحي و و فقدان الثقة في العقل و العلم و الأنظمة، بالإضافة للتأثر بالفلسفة الوجودية بزعامة جان بول سارتر، و التشاؤم و الإحساس بالعزلة، و الوعي بمرور الزمن و حتمية الموت، و قد انطبع مسرح اللامعقول بعدة خصائص جعلته يقطع عما سبقه من مدارس و مذاهب مسرحية ، فهو يعد ثورة حقيقية عما كان سائدا قبله، و من هذه الخصائص:
-تحطيم قانون الوحدات الثلاث المعروف في المسرح الأرسطي. -مسرح اللامعقول يشخص عادة فكرة غياب المعنى و المنطق في العالم.
-يعد رد فعل على المسرح البرجوازي و الواقعي.
-رمزية الحدث و الشخصية و الحوار.
– إفراغ اللغة من محتوياتها الكلامية فهي مجرد أصوات بلا معنى.
– المزج بين الكوميديا و التراجيديا فيما يسمى الكوميديا السوداء.
– الدعوة إلى هجر العلبة الإيطالية و تفضيل الأداء في مسارح صغيرة تستجيب للنزعة التجريبية.
-غموض الشخصيات و عدم امتلاكها أبعادا واضحة.
– استعمال ديكورات و أكسسوارات خفيفة و موحية.
-تغييب المرأة للتعبير عن التهميش الذي تعيشه.
-قصر مدة المسرحية فبعضها أقرب إلى السكاتشات .
– المراهنة على الخيال و الحلم في تشخيص الواقع .
– مسرح اللامعقول عادة ما يرفض المنطق لأنه يراه غير مجد و لا نافع، فيعرض لنا شخصيات تتصرف بطريقة غير معقولة.
-يحاول مسرح اللامعقول خلق علاقة حيوية بين العرض و الجمهور من خلال اقتراح تجربة فريدة من نوعها هي تجربة اللامعنى بهدف خلق الإحساس بالقلق الوجودي و التوتر النفسي لدى المتفرجين .
-هو مسرح الصدمة و الإدهاش بعرض وضعيات و شخصيات لا يوجد أي ترابط بينها.
– الشخصيات الرئيسية في هذا المسرح ليسو أبطالا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة ، بل هم ضعفاء و سلميون ، و عاجزون عن فعل أي شيء عما يواجهونه، فنراهم يتقبلون كل ما يحدث لهم بدون أن تكون لديهم القوة حتى لمواجهة أنفسهم أو مواجهة الشخصيات الأخرى في المسرحية.
-الاستعانة بمختلف الفنون، و أشكال التعبير الفني و استعمالها في العرض المسرحي.
-غالباً ما تبدأ المسرحية بنقطة اعتباطية، وتنتهي بشكل اعتباطي، من حيث بدأت في شكل دائري، يجعل المسرحية دائرة مفرغة تدور حول محور ثابت في زمن مطلق.
و في الختام نشير إلى أن مسرح اللامعقول قد أثر في بعض التجارب المسرحية العربية خاصة عند توفيق الحكيم في مسرحيته الشهيرة ( يا طالع الشجرة ) و صلاح عبد الصبور في ( مسافر ليل) و الكاتب العراقي المرحوم قاسم مطرود، كما أشرت إلى أن عموم المسارح العربية قد قدمت الكثير من الأعمال المسرحية العالمية المندرجة ضمن تيار مسرح اللامعقول، و منها المسرح الجزائري الذي اقتبس و قدم عديد المسرحيات العالمية التي تندرج ضمن هذا التيار، على غرار مسرحية (في انتظار غودو) لصمويل بيكيت و التي أخرجها أحمد خوذي للمسرح الوطني الجزائري، و كذلك فعل المخرج محمد شرشال مع مسرحية (الخرتيت) ليوجين يونيسكو، و التي قدمها بعنوان مغاير هو (الهايشة) و الشيء نفسه فعله المخرج الطيب الدهيمي الذي أخرج مسرحية المغنية الصلعاء مع مسرح قسنطينة الجهوي.
ملاحظة: استمعت لحوار مع الكاتب العالمي يوجين يونيسكو- موجود على اليوتيوب- حول تجربته مع مسرح l’absurde، و لاحظت أن العرب ترجموا مصطلح absurde بإسم العبث، و في رأيي فالترجمة غير دقيقة؟ مثل patrimoine و تراث؟، و مثل mythe و أسطورة؟ ، و مثل scène و خشبة؟ و مثل théâtre و مسرح؟ و غيرها من المصطلحات التي لا تناسب المدلول.
ملاحظة: البعض يطلق مصطلح مسرح اللامعقول على le théâtre de l’absurde، و في رأيي أن حتى كلمة اللامعقول غير مناسبة و غير دقيقة، فهل حان الأوان لإعادة التفكير في ترجمة مثل هذه المصطلحات؟
