بين الإيغو و الرُّوح
حجم الخط:
بقلم : أ . شيتور فيروز
_ الحبّ حيثُ يغيبُ الإيغو _
إنَّ الإنسانَ يسعى بطبعه للسّعادة في أسمى صورها على الإطلاق ، فنجده يبتكرُ ليُسهِّل على نفسه الحياةَ و يسعد ، و يرفّه على نفسه فيسعد ، و يبني العلاقات الصَّادقة المتينة فيسعد ، و يغلِّفُ كلَّ ذاك بحبِّ اللهِ و قربه منه ليكون في أوجه معيّته و السَّعادة ؛ الرُّوح أمرها عجيب ، و إستعصت عن الفهمِ منذُ القدم ، و تدبُّر الدَّارسين لها محظ إجتهاد قد يخطأ أو يصيب ، هذا حالُ العلماء و المفكرين إِزاءَ الرُّوح ، أما العامّة فيتخبَّطون في معانيها العميقة ، و لعمق مفاهيمها المتَّصلة إرتباطًا وثيقًا باللهِ و بالوجود ، تجدُ النُّفوسَ في حيرةٍ من أمرها ، و من تقلُّبات الرُّوحِ فيها ، و رسائلِ اللهِ من خلالها ، التي تستوجب الحكمةَ لفهمها ، و سبر أغوارها ، فقد عمّت السّطحيّة في الفهم ، و السَّطحيّة في الفكر ، و السَّطحيّة في معالجة الأمور و فهم مكنوناتها .
إنَّ الرُّقيّ الرُّوحيّ مطلب كلِّ الأرواح التي ترى بنور الله ، و تسمو بتمثُّلٍ صفاتهِ فيها ، فتتجلَّى الصِّفاتُ المشتقَّة من سماتِ اللهِ في تعاملاتها مع ذاتها و الآخر ، فلا يؤمنُ برحمة الله من لم يرحم نفسه و الآخر ، و لا يؤمنُ بمحبّةِ الله وودّه من لم يكن ودودًا مع الله ، فلا يلعن و لا يشتم الذَّات الإلهية و الآخر قال رسول الله ﷺ: ليس المؤمنُ بالطَّعان، ولا اللَّعان، ولا الفاحش، ولا البذي ” ، ويسعى لمكارمِ الأخلاق ما إستطاعَ ذلك سبيلا ، و لا يؤمنُ بغفرانهٍ إن لم يتجاوز عن زلاتِ نفسهِ ، فيتسامح مع علّاتها و الآخر ، و معيَّته و عونه في إعانة الإنسان لنفسه و الآخر ، و إسمهِ الرَّقيب في مراقبةِ الإنسان لنفسه و توجيههِ لها و نصحه للآخر ، و الشَّكور في مدحِ الإنسان لكلِّ خطوةٍ يخطوها نحو أهدافه و دعمهٍ للآخر.. ، و هكذا كانت تجلّيات صفات اللهٍ في خلقه رحمةً و نعمة ، لكلٍّ روحٍ خلقها الله و تعهَّدها بالرِّعاية و العناية إلى أن تكون سابحةً في عرش ملكوتهِ بجواره .
المحبَّة مطلبٌ روحيٌ عميق ، و هي أجلُّ الصِّفات التي يمكن للرُّوح أن تتَّصف بها ، من محبَّتها لله ، لذاتها و للآخرين من حولها ، فلجأ المسيحيُّون لوصف
” الله المحبَّة ” ، لعلمهم _ كذاتٍ إنسانيَّة بغضِّ النَّظر عنِ العقيدة _ ، أن المحبَّة جامعةُ الصفاتِ النبيلة و الأخلاق الحميدة الفاضلة ، و هي الموقد الدَّافئ الذي نجتمع حوله حين تبرد معاني الحياةِ في أعيننا ، و تتجمَّد نظرتنا عنها ، لسعينا الحثيث مرارًا نحو الإيجو و إرضائهِ ، متناسين بذلك الرُّوح التي تتَّقدُ في دواخلنا ، و تنتظر كشف السِّتار عنها لننعم بدفئها و ضيِّها ، فتذكي بذلك جذوةَ الحياةٍ فينا من جديد .
الحبّ الرُّوحيّ هو في كنههِ و ماهيتهٍ إستسلامٌ للمحبوب ، لله ، و تفويض الأمر إليه ، أن يسري في الرُّوحِ أمره ، فتنهى بنهيهِ فيها ، و تأمر بأمرهِ عليها ؛ فجاءت كلمة الإسلام و رسالته ، لتبرهن كلّ ذاك ، فكلما زاد تسليمك ، لأمور حياتك لخالقك ، زاد هناءك و سعادتك ، و كلما قلَّت مقاومتك و سخطك عن أقداره فيك ، زاد رضاكَ عنه و عن إختياراتهِ لك ، و كلما زاد يقينك أنَّ كل أمور حياتك منه و إليه ، زادت راحة بالك و إنشراحةُ صدرك ؛ فيهونُ على قلبك إذ ذاك ما آلم روحك من أحداث و أشخاص و مواقف ، فتستكينُ روحك إلى الله ، ملاذها الآمن من سوء الفهم و حياكةِ الظنّ السيّء بها من غيرك ، الذي يطلق أحكاما جاهزةً جزافا عليها ، ليبرِّر سلطته و غرورَ أناهِ العالية عليك ، فيرضى بذلك حينًا ، لأن الإيغو يطلبُ المزيد ، المزيد من الأحكامِ الجاهزة ، المزيد من التوقُّعات ، المزيد من التَّصنيفاتٍ العبثيَّة ، و المزيد من المقارنات و سوء الظنّ .
إنَّ الإيجو و الأنا العالية ديدنها اللاتسامحٍ ، ضيقٍ الصّدر ،الحدِّيةُ في التفكير و ضيقُ الأُفق ؛ و الرُّوح بعيدةٌ كل البعد عن كلِّ ذاك ، فالرُّوح لا تصنِّف و لا تحكم ، فهي مكان رحبٌ يسعُ الجميع ، كلٌّ بتجاربهِ الخاصَّة و نظرتهِ للأمور من حوله ، فلا تُحاكمِ الإنسان من منطلقِ فكرة ، أو موقف ، أو توجّه ، فالإنسان عندها أسمى من كل ذاك ، ديدنها التَّسامح و الحريَّة في الإختيار ، فهي تسعى للسَّلام منهجًا و دين ، بينما الإيجو يزيد المعاناة و النَّرجسيَّة المقيتة ، و يلهث وراء إستعراضِ ذاتٍ فارغةٍ من معانيها الرُّوحيّة الحقَّة .
إنَّ الرُّوح أصلها الصِّدق في التَّعبير عن ذاتها، بكلٍّ مكنوناتها و إن ظهرت للآخر أنها على خطأ ؛ و هذا ديدن علوم جماليات الرّوح ، الآداب و الفنون ، فنجد الرسام يعبر عن دواخله ، فيرسم تلك اللوحة التي تحاكي مكنونات روحه و تنافي في رأي الآخر القوانين الموضوعَة منه ، بأحكام تقيّد الروح في التعبير عن ذاتها و عن جماليَّةِ تكوينها ، لكنها في حقيقتها كانت الروح في أسمى معانيها ، و نرى للكاتب نصا مستسلما لمعاني الجمال بالروح الإنسانية و إن نافى أصول المنطق ، و للنحّاتِ مثلُ ذاك ، و للشَّاعرِ مثلُ ذاك في البيتِ و القصيدة
إنَّ الأصلَ في الرُّوح السَّعي في أن تستشف الجمال فيما حولها و فيمن حولها ، و السماح للحياةِ أن تمر من خلالها ، بكل حلاوتها و تقلباتها ، دون إصدار أحكامٍ عليها ، في تقبُّلٍ تامٍّ تامٍّ لها ، فتنار البصيرة و تتجلّى أنوار الله على ناصيتها ، فتنشدُ بذلك العيش الكريم ، راحةَ البالِ و هناءه ؛ فالحياةُ متجسّدةٌ بالآخر ، فلا هو بالخيرٍ المطلق و لا الشرِّ المطلق ، و مسيرته فيها ما بين هذا و ذاك إلا أن يلقى الله ،فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال ” والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم” ؛ و قال تعالى ” وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّه أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ “
صدق الله العظيم .
إنَّ تصنيفاتَ العقلٍ الجائرة لا دينَ لها ، و لا ملَّةَ و لا عقيدة ، و لا ما تراهُ في أخيكَ من موقفٍ تُعمِّمهُ على باقي حياته ، فالمرونة النَّفسيّة و لباقةُ الحوار من أسمى ما يمكنُ أن تتَّصفَ بهٍ الذّات الإنسانيّة ؛ فالعقلُ ديدنه الخوف ، فعكسُ المحبّة النّابعةٍ من الروح ليست الكراهية ، و إنما الخوف ، الذي يسدُّ ينابيعَ المحبّة بالقلب ، و يوكلُ أمرهُ للعقلِ يسري فيه ، فتضطربُ جوانب الروحِ إذ ذاك ، من أحكامِ العقلِ المجرّدة ، على الذاتِ ، الحياةِ و الآخر ، و تُمسي الرّوحُ في غُربة في علاقتها مع كلِّ ذاك ، فتنزوي السعادة ، و يتعكّر المزاج ، و يظهر الغضب ، و يُبرَّرُ في عنفوانٍ التّعصّبُ للرَّأي و العصبية في التَّعاملِ مع الآخر .
الوعي العميق و الحكمة اللامتناهية التي يرجوها المثقَّف ، قد يصلها بالوعي الفكريّ ، لكنَّه طريق المعاناة ، فأغلب ما في الحياة يدعو للمقاومة و المناهضة ، فتجده عبوس الوجه ، مقطَّب الحاجبين ، يحكم على هذا و ذاك ، و يصنِّف في قالبٍ ضيق هذا و ذاك ، و يألّهُ هذا و يُجرِّمُ ذاك ، كردِّ فعلٍ لما يصادفه من أحداث و مواقف و أشخاص ، في عدم تقبل منه لما يحدث ، في سعي حثيث منه لتغيير نفسه ، ما حوله و من حوله بالعقل ، و لا يعلم أن العقلَ أصلٌ مجرّد ، لا بهجةَ فيه ، فلا يسمحُ للحياةٍ ان تمرَّ من خلاله لتشرق روحهُ المتعبة من ثقلِ الوصاية على البشرية ، و الوعي الفكريّ المغلف بطابع الإيجو و الأنا العالية ؛ أما الوعي الذي يُنشدُ السَّعادة الحقَّة ، هو الوعي الروحيّ ، دهشةَ الطّفلِ الأولى في كل ما يصادفهُ من أحداث ، مواقف و أشخاص ، تراه مستعدًّا لتلقِّي الحكمة من الرُّوحِ مباشرة ؛ من الذَّاتٍ الإلهية ، فيستقبلُ رسائل الله و هداياه ، و يفهمها بعمق روحهِ و توفيق اللهِ له ؛ و من روحهِ ، يستبطنُ أجود ما فيهٍا من جمال و حكمةٍ لنفسه و لغيره ، و من روحِ غيرهِ ، فيراها في مجملها مدعاةً للتدبر بكل تقلباتها ، و مرآة لهُ ، في أحداثها و مواقفها ، فلا يصنِّفها و يضعها في قالب ضيِّق ، بل يحتويها و يرحمها ، من معاني نفسهِ و روحهِ السَّمحة .
الإستسلامُ للهِ قوة ، للمحبَّةِ فينا و في الآخر قوة ، و لمعاني الجمالٍ فينا و في الآخر قوة ، و للروحِ بنا و بالآخر قوة ، و لغة التَّنديد و التِّهديد ، المناهضة و الوعيد ، ما هي إلا صورة من صور المقاومة ؛ صورةَ الوعي الإنسانيّ العميق ، الذي أخذ منحى آخر ، هو المعاناة ! و الذي يربك الروح و عفويَّتها و يداري سحرها . الروحُ فطرتنا الأولى و مهدنا الأول ، تُهدهد ذواتنا أن تنام في أمانٍ الله و بساطهٍ الوثير ، بمعيّة الروح الطيبة لأحبابنا حولنا ، فنسعدُ و نُسعد .
نجاح العلاقات يتلخَّص في التَّواصل الرُّوحيّ بين الذات و الآخر ، فلا تنضب إذ ذاك معانيها الجميلة، فتُغدقها على الآخر ، فتنعمُ و يَنعم ، و التَّواصل الفكريّ العقليّ ، لا يخلو من المجادلات و التَّعصب للرأي ، و النرفزة المقيتة و الغضب ، في دليلٍ واضحٍ على عمقٍ الفجوةِ مع الرُّوح و سحرها فيه ، و التَّعامل السَّطحيّ مع الذَّات ، من مُنطلقِ نظرةِ الأنا العالية ، المجتمع ، و القوانين الحاكمة الخارجة عن نطاق الأنا الحقيقيَّة ، الصَّادقة في التَّعبير عن ذاتها بكلِّ صدرٍ رحب ، في تقبُّل تامٍّ للآخر ، كمنظومةٍ مستقلة قائمة بذاتها ، لها خصوصيَّتها ، التي تستدعي العلاقة القائمة تدبُّر معانيها و منظومة قيمها ، و تفرُّد شخصيَّتها ؛ لن يمنحك العقل السّكينة ، القلبُ يفعل ؛ فالتَّرابط العاطفيّ المبنيّ على قرارٍ عقليٍّ بحت ، يحدث أن يغيِّر رأيه إن تغيَّرت أسباب وجوده ، و المبنيُّ على قرارٍ روحيٍّ لا يتراجع إلا إن أُربكت الرُّوحُ بتدخُّل العقلِ في الحكمِ و التَّصنيف !
كتبت يوم الثلاثاء 23-08-2022
على الساعة 5:30 صباحا.
شهادة النشر والتوثيق الأدبي المعتمدة
هذا العمل منشور وموثق رسمياً في مجلة إمزاد الثقافية ويحمل رمز تحقق رقمي فريد.