بقلم: حيدر علي الأسدي ناقد وأكاديمي (البصرة)
رواية (العاشرة بتوقيت واشنطن) للقاص والروائي البصري (باسم القطراني) من الروايات القصيرة التي تختلف من حيث طريقة بنائها عن الروايات التقليدية ، فهي رواية تجريبية بامتياز ، ابتداء من صياغة شخصيات الرواية وتشكل الثيمة المركزية ، ووصولاً الى فاعلية السرد وتحولاته ضمن فضاءات هذه الرواية بأسلوب ( الميتا سرد) وبلعبة قصدية تنتمي لسرديات مابعد الحداثة ، فضلا عن هيمنة الثنائيات ودلالاتها في هذه الرواية وضمن قراءة بنيوية لتأثيثها السردي يمكن تلمس ذلك واضحاً ، فهي رواية لشخصيات يغلب عليها طابع التمرد على ( المؤلف) فالشخصية الروائية ما هي سوى كائن من الورق على حد تعبير رولان بارت ، فكيف يتمرد هذا الكائن الورقي على صانع حروفه!! سيما ان الشخصيات هي البؤرة المركزية للحدث السردي ،حتى وان اتخذت في هذه الرواية نوع الشخصيات المجازية ، في هذه الرواية القطراني جعلنا نعيش ثنائيات عدة ما بين الواقع والمتخيل ، ما بين الحقيقة والزيف ، ما بين السلب والايجاب ، مابين الشر والخير ، انها رواية قصيرة بملامح تجريبية واضحة ، تعتمد على مصفوفة البناء الدائري فيما يخص ثيمة الحدث الرئيس او الفكرة الرئيسة وعملية الاتصال مابين الاستهلال والنهايات ، رواية غموض او تداخل الاساليب والانشطارات والتداعيات والجمع مابين ماهو واقعي وماهو خيالي ، ويشترك في بنيتها ما هو عجيب او غرائبي ، فضلا عن الاستطرادات او بروز تقانة قصة داخل قصة ، انها رواية تجريب وتنوع حتى على مستوى (الارسال) وعلاقة ( الرسالة) بالمتلقي، فهي حسب مفهوم جيرار جينيت تتخذ احياناً مفهوم (التبئير الصفر أو اللاتبئير) واحياناً التبئير الزائف الذي يختبئ فيها الراوي وراء شخصياته ، فينتقل بعد ذلك بتجاوزه ما يمكن ان تعرفه الشخصية (لا تبئير) واحيانا يتخذ زاوية ( تبئير مسبق) ان بنية هذا النص الروائي ( العاشرة بتوقيت واشنطن) للروائي باسم القطراني تطرح غموض يوهم القارئ بانفصام الصلات بين الازمنة والشخوص او تشظيها او لا منطقيتها ، ناهيك عن غرائبية سلوك وانفعالات تلك الشخصيات والتي ترتسم وفقاً لدلالات تتأزر مع (البؤرة المركزية)، ان بيرسي لوبوك في (صنعة الرواية) في معرض وصوله الى مفهوم الصيغة السردي مزج بين مسألتي الراوي والصيغ السردية فالراوي من وجهة نظره قد يروي القصة مواجها بذلك القارئ الذي يصغي اليه ، وربما يروي القصة بشكل مفعم بالحيوية ، اذ تتحرك شخصيات الرواية من خلال مشاهد حية ، وقد يضعف سلطان الراوي ويستدعي القارئ من المشهد ليرى المؤلف مجردا امامه، والقطراني في روايته التجريبية استدعى هكذا نوع من مستويات مختلفة لزاوية السرد ورؤيتها ، فقدم شخصياته بطريقة ممسرحة أحيانا ، واحيانا اخر بطريقة السرد من الخلف وهكذا يقدم لعبته السردية التي هي من صميم ( فكرة الرواية) هذه ، وفي هذه الرواية نحن إزاء ثنائيات يجب تفكيكها للوصول مرة أخرى لاستجماع ما هو خيالي بما هو واقعي لادراك كنه ودلالة البنية السردية:
ثنائيات المكان:
(المكان المعقول ، المكان اللا معقول) (المكان الواقعي ، المكان المتخيل) ان غاستون باشلار يرى ان المكان يحمل انطباعات شعورية نفسية لا واقعية ولا يتمثل فقط على شكل هندسي مادي مجرد، فان القطراني ما بين امكنته ثنائيات أحيانا تكون متضادة ، او متناقضة ، واحيانا تشكل بعضها البعض ، فما بين (المكان المعقول/ إشارات بائنة لملتقى الشخصيات الورقية في كازينو على شط العرب) وما بين عوالم (القطط/ وامكنتها المفترضة غير المعقولة) وما بين ( عالم الواقع المتصل بحياة كامل ضاحي مدرس الفيزياء في مكتبته وغرفته في الطابق العلوي لبيته/ وعالم الفيس بوك الافتراضي الذي يهرب له) تنشطر الشخصية وتتحرك حانقة من الأمكنة ( الكئيبة) الى الأمكنة (الرحيبة) ضمن فضاء نفسي يتعلق بثنائية ( المفتوح/ المغلق) (المفتوح/ ضمن فضاء الاثير والاونلاين) (بعالمه الجديد رفقة العم كوكل ومنصات التواصل الاجتماعي واهمها صفحته على الفيس بوك/الرواية ص7) والمغلق (ضمن فضاء العزلة الحانق/ في غرفة كامل ضاحي). فضلا عن (ثنائية الانتقال من الداخل الى الخارج) عبر تحرك لتنفيذ الخطة الكونية ما بين (مكان التخطيط / البصرة) وما بين مكان التنفيذ (واشنطن) وما بينهما من صلات كبيرة تتسم بتراكمية الألم والمأساة التي خلفتها هذه ( المساحات) التي تفصل بين المكانين.
ثنائيات الشخصية :
ثنائية الشخصية تتمثل في (كامل ضاحي الواقعي ، كامل ضاحي الورقي ) : (ارجو تصحيح معلومة هامة ، لقد اشرت اثناء حديثك الى مصطلح شخصياتي الورقية وانت تعرف جيدا باني لست ورقيا انا شخصية حقيقية ليست من نسج خيالك، صداقتنا الطويلة هي التي اوحت لك باختياري بطلا لروايتك/ الرواية ص11) ما بين (تعقل) كامل ضاحي الواقعي ورفضه بان يكون العوبة او دمية مسيرة ، وما بين كامل ضاحي الورقي (الذي يستعد لتنفيذ مارب الراوي) ويقول أيضا في معرض تمرد كائناته الورقية : (احسست بحشرجة في صدري ، ندم كبير يجتاحني ، الذنب ذنبي ، انا الذي اعشق الأجواء المسحورة ، اخلق كائنات تتمرد علي تماما مثل عالم في مختبر بايولوجي قد ينتتج فايروسات وميكروبات مدمرة دون ارادته ، محنة كبيرة ان يغلبك كائن ورقي صنعته يداك، هل ستسهم في خراب هذا العالم دون ان تدري؟!!/ الرواية ص48). والقطراني كرر ثيمة (الشخصيات الورقية المتمردة على راويها) في رواية سابقة له بعنوان (متحف منتصف الليل).
وتتكرر ثنائية ( العلم/ الجهل) في شخصية ( كامل ضاحي) يحمل صفة العلم إزاء الجهل، فلا احد يريد تصديق نظريته وكأنه الفيزيائي الإيطالي (غاليلو جاليلي) في مسرحية (حياة غاليلو) للكاتب الألماني برتولد بريخت.
وأيضا يمكن رصد ثنائية ( الروائي الأول المفترض/ الروائي الثاني المفترض) (ملاحظة : كل ما سيجري من احداث من الان فصاعدا لست مسؤولا عنه…المؤلف/ ص 49 الرواية).( انا كاتب الرواية الجديد استدعتني بعض شخصياتها لاكمال ما بداه المؤلف السابق بعد اختلافها معه نتيجة ازمة ثقة بين جميع الأطراف، الامر الذي يستدعي خطة جديدة لانتشال الرواية قبل ان تواجه فشلا ذريعاً/ص 50 الرواية). ما بين روائي متصالح مع ذاته مثالي ، وما بين روائي متغطرس تنقسم هذه الثنائية ، بين روائي انفلتت منه حبكة الحكاية ، وبين روائي اخر يعامل كائناته بقسوة مفرطة من اجل تنفيذ ما بخياله!
وثنائية (برناو القط/ برناو الحقيقي) ما بين الواقع (الذي يمثل ملامح الواقع في هذه الرواية) وما بين الغرائبية التي تمثل غرائبية الحياة بمتناقضاتها كافة ، يشهد برناو تحولاته وفقاً لهذه الثنائيات المنقسمة نتيجة لطبيعة التناقض في فلسفة هذه التحولات المبنية وفقاً لمرجعية حياتية قاسية ومتسمة بالانقسام والتضادات والتحولات المفاجئة.
وثنائية ( الأعلى / الأدنى) (الطاعة / التمرد) كما في شخصية (الروائي الثاني المفترض) وسطوته على شخصياته ) وكما في هروب (جمال وناريمان) (يؤسفني ان ابلغكم بان جمال وناريمان غادرا الفندق صباح هذا اليوم الى جهة مجهولة ، خرجا من طوعي بحركة استفزازية لم يحسبا عاقبتها جيدا وسيكون لي معهما حساب عسير/ الرواية ص87) اما ثنائية ( الديمقراطية/ الديكتاتورية) فتجلت عبر شخصية ( السارد الأول المفترض / وسارد النصف الثاني). (ولعل من اهم الأسباب التي أدت به الى ان يصل الى هذا الحال انه كان ديمقراطيا اكثر مما يجب مع شخصياته/ الرواية ص51). وثنائية ( القلق/ الاستقرار) ثنائية ( الأمانة/ الخيانة) في الشخصيات، ثنائية ( الوجود/ العدم) كلها لفت تلك الشخصيات التي تعايشت في فضاء هذه الرواية التي تشبه تلك الروايات التي تحدثت عن تشيِّئ الانسان بالمعنى الذي يجعل ثمة سيرورة لهذا الكائن تخرجه من طبيعته الواقعية لهذه الكائنات التي قراناها في رواية ( العاشرة بتوقيت واشنطن)، وتحوله لمسخ مشارك قوي بالأحداث ، تشيؤ من نوع خاص قائم على مضمرات العولمة واسقاطات الثورة الصناعية على الانسان المعاصر.
ثنائية (الانس/ الجن) ((باختصار الكبير شرناو سيد الجن وزعيم عصابة القطط زرقاء العيون قرر ان يغير العالم ، ان يضع جدا لاختلاف موازين القوى ان يبطش البطشة الأخيرة بجبابرة الأرض العتاة، وقد اعد لهذا خطة كبرى ستكون انت منفذها الرئيس/ ص26) ثنائية تمثل اللجوء الى العالم الفانتازي بدلا من العالم الواقعي لاسترداد (الحق) وإيقاف التعسف المجاني على هذا العالم بعد ان يأس من انتصار الانس لهذا المفهوم استعاض عنه (بالجن) عله الكائن الأمثل لاعادة الهيبة والحق للانس بعد كل هذه المظلوميات التي لحقت به. ان معظم هذه الثنائيات جعلت الشخصيات تحمل عناصر ثقافية لانساق اجتماعية وسياسية لتحمل بين طياتها مدلولها المضمر الذي يحيل لاحداث عامة في حياتنا.
ثنائيات الزمن:
(الماضي والحاضر) : الزمن الذي يوحي لصراع حضاري ، او ثارات ماضوية قائمة عبر مسودات التاريخ البعيد ، واسقاطاتها على الراهن بصورتها السلبية بشيء من التوجس والقلق والخوف ، وهو ما يتمثل بجد (اميلدا دوغلاس) الذي واجه جد (كامل ضاحي) ابان دخول القوات البريطانية الى البصرة عام 1914 .((ربما سيكون هذا سببا لنفور احدنا من الاخر اذا ما الح على اجترار الماضي بتفاصيله الدقيقة وحوادثه المفصلية ، شخصيا أرى باننا أبناء اليوم ، ولا داعي لان يكون الماضي حاجزا بين الناس في الالفية الثالثة، فالتاريخ مجنون ونحن عقلاء، هكذا تبدو معطيات واقعنا الجديد في ظل العولمة واشتراطات القرية الصغيرة/ ص 12 الرواية) فثمة حاضر يحاول الانفلات من الزمن الماضي بغية النظر للمستقبل من خلال تلك الجمل المسطورة ، فضلاً عن بنية الزمن (المتقطع) والذي يبدو واضحاً في بعض مشاهد هذه الرواية ، وكذلك تتداخل الأزمنة الخارجية ( مابين زمن الكتابة/ الخارجي/ والكتابة الداخلي، ومابين زمن الاحداث التي ترتكز هي الأخرى على الخيال المفترض والغرائبية وتجاوز كل ما هو زمني يتصفح بالمجال الفيزيقي للاحداث وتنقلات الشخصيات)
الان وبعد كل ما تقدم لماذا اختار باسم القطراني (رمزية القطط)؟ ذلك بوصفها دلالة غرائبية متعددة التأويل ، وهو يعيدنا الى جمالية هذا الرمز في الادبيات ، فهذا ادغار آلان بو ومجموعة قصصه القصيرة (القطة السوداء) ونجيب محفوظ بمجموعته القصصية (بار النبيذ القط الاسود) المنشورة عام 1969، والروائي الالماني غونتر غراس الحائز على نوبل للاداب 1999 ومن اعماله الشهيرة (القط والفأر) ،وإميل زولا في (فردوس القطط( والامريكي تنسي وليامز في (قطة على صفيح ساخن) وشارل بودلير في ديوانه (ازهار الشر) خصص ابياتا عن القطط ، ولدى ماركيز قصة (حواء داخل قطها) وبلغة سردية تمتاز بالغرابة اذ تعان امراة الارق فتحاول ان تتملص من وجودها وتتخلص من جسدها لتبحث عن قطة لتسكن جسدها بروحها التي تحررت ، لكنها لا تعثر على القط لتكتشف بعد ذلك انها عليا تحولت الى قط، ذلك ان المدلول الأكثر هيمنة لهذا الرمز ( القط) يجعله يسبح في عوالم حلمية غرائبية ، لما لها من دلالة في الموروث الشعبي والاسطوري للمجتمعات.
وثمة تناصات لرواية القطراني مع رواية (مهد القطة) للامريكي كورت فونيجت التي نشرها عام 1963 من حيث (الخيال العلمي) ، وتناول (مواضيع التكنولوجيا) (الاشارة الى السلاح النووي ، القنبلة الذرية) (محورية امريكا) (العالم الفيزيائي كامل ضاحي الذي يعتقد انه صاحب نظرية يكمل من خلالها ما توقف عنده انشتاين / فيليكس هونيكر الحاصل على نوبل في الفيزياء كشخصية خيالية وهو يعتقد انه اذكى شخص في العالم) (ثيمة نهاية العالم/ تحرر العالم من قساوة وسطوة أمريكا) (أسلوب السرد يقوم على الغرائبية والمفارقات والفانتازيا) فضلا عن حجم الرواية ( رواية قصيرة) وأيضا ( الراوي (جون او جونا ) في بداية الرواية يقرر انه سيكتب كتابا اسمه يوم نهاية العالم/ والراوي في رواية القطراني كذلك يقرر ان يكتب رواية )،بصراحة اقول ان رواية القطراني تهدم البناء الحكائي المألوف لتجنح الى الأسلوب الغرائبي والعجائبي بأسلوب (الميتا سرد) وتعتمد السرد الجمعي بلغة بسيطة جدا لتسرد الأسلوب الخيالي والعلمي بطريقة السهل الممتنع والتي يحمل القارئ الى التشويق المتوالي مع تقدم الاحداث وصولاً الى لحظة المفارقة التي تشهدها الرواية.