مفهوم الحضارة في السياقات المختلفة

مفهوم الحضارة في السياقات المختلفة
5
(1)

يعبر المفهوم المجرد عن العناصر الجوهرية المشتركة بين الكائنات والكيانات والظواهر المتشابهة. فالكائنات العاقلة التي تسير على قدمين منتصبة القامة ومتشابهة البنية ولديها لغة وقيم ورمز ثقافية يتم وصفها بالمفهوم المجرد ( إنسان) Homo Sapiens الإنسان العاقل ويعني كل مليارات الأفراد من البشر ذكورا وإناثًا. وهكذا يصف مفهوم الحيوان جميع الكائنات الحية غير العاقلة وكذلك هو مفهوم نبات يصف كل النباتات ومفهوم مادة ومفهوم تاريخ ومفهوم حضارة ومفهوم ثقافة ..الخ إذ أن معظم الكلمات التي نستخدمها هي مفاهيم مجردة فالإنسان مفهوم والزمان مفهوم والمكان مفهوم والعدالة مفهوم والحرية مفهوم والوجود مفهوم والجمال مفهوم والسياسية مفهوم والوطن مفهوم والدولة مفهوم والقانون مفهوم والتربية ومفهوم الحرية ومفهوم العدالة والثورة مفهوم والعلم مفهوم؛ تلك المفاهيم الكلية وغيرها كثيرة التي لا وجود لها في الواقع المحسوس الملموس هي من استدعت الحاجة الملحة إلى الفلسفة منذ سقراط ولازالت تستدعيها إلى ابد الأبدين. ولا يوجد أي علم أخر يمكنه اشباع هذه الحاجة غير الفلسفة وتحديد المفاهيم وتعريفها هو الخطوة المنهجية الأولى في الدراسات الإنسانية والاجتماعية والثقافية، ذلك كون مفاهيمها ملتبسة وغامضة إذ تختلف المفاهيم والمصطلحات المتصلة بالدراسات الإنسانية والاجتماعية عن تلك المستخدمة في العلوم الطبيعية ففي العلوم الطبيعية لا خلاف ولا اختلاف بين العلماء والدارسين بشأن تعريف المفاهيم الأساسية في الفيزياء والكيمياء والإحياء والرياضيات بعكس ما هو حادث في حقل الدراسات التاريخية والثقافية ولعل الحاجة الى تعريف وتحديد المفاهيم المستخدمة في الدراسات التاريخية تزداد بعد استعمالها السيّء مثلما يحتاج مذهب بعد ظهور بدعة فيه. وقد برهنت التجربة على ان عدم الاكتراث بمناقشة الألفاظ يصاحبه في المعتاد تشوش في الأفكار حول الأشياء ومضامينها. وهذا ما نشاهده يوميا في أي نقاش بين الأساتذة والطلبة، بل بين الأساتذة أنفسهم من خلط ولبس وإبهام بسبب عدم الاتفاق مسبقاً على المصطلح والتعريف” وتعريف المفاهيم وتحديدها هو الخطوة المنهجية الأولى في الدراسات الأكاديمية، ذلك لانها تجعلنا على بينة من امرنا، بشان معاني تلك الكلمات التي نتحدث عنها، وما دامت هناك كلمات مختلفة فلا بد من ان نعرف ونحدد دلالاتها المتمايزة. إذ أن المفاهيم لا توجد في فلك الأفكار ومدونات اللغات فحسب، بل هي كائنات تاريخية شديدة الارتباط بسياقاتها الاجتماعية الثقافية المشخصة، ولكل مفهوم مكان وزمان ولادة وسياق نمو وتجربة ممارسة وعلاقات قوة وسلطة معرفة ونظام خطاب ومدونة لغة وفضاء فكر وحساسية ثقافة وحقل تأويل وشفرة معنى وأفق دلالة.. الخ غير أن مشكلة الإنسان مع المفاهيم المجردة تكمن في اعتقاده بانه يعرفها بمجرد النطق وحينما يسأل نفسه عن معناها؟ يكتشف جهله بمعناها الحقيقي وتلك هي قضية سقراط الذي أكد أن الفلسفة هي التي تعلمنا جهلنا ومعرفة الإنسان بجهله الذاتي هو الخطوة الأولى لتفتح العقل وفهم العالم. تداعت تلك الفكرة إلى ذهني وأنا ابعث في مفهوم الحضارة وتحولاته في السياقات التاريخية المختلفة فلا يوجد معنى واحد للمفهوم في كل السياقات والعصور. فإذا كانت الحضارة في مصر القديمة تعني إلهة العدل «ماعت» ففي اورك كانت تعني العيش بالمدينة لقد كانت مدينة أوروك المحصنة بالأسوار العالية وجلجامش ” الحكيم العارف بكل شيء بطل أوروك وحاميها ” في أسطورة جلجامش تمثل المرأة “الحضارة مقابل التوحش والبداوة التي كان يمثلها ” انكيدو ” الذي يجوب البراري والتلال يرعى الكلأ مع حيوان البر ويستقي معها عند موارد الماء ذلك المتوحش القوي، الذي استأنس أول ما استأنس بالمرأة “البغي” رمزاً من رموز الحضارة المستقرة، وحينما رقد “انكيدو” على فراش الموت، وأدرك قرب نهايته أخذت تتوارد عليه الخواطر والذكريات، فود لو انه ما جاء إلى حياة (الحضارة) بل ظل في باديته سعيداً خالي البال يرعى مع الظباء والحيوان، واخذ يكيل اللعنات على من زين له الملجئ إلى حياة المدينة ” ومن هذه الرغبة في التمييز بين نحن وهم نبعث فكرة الشعب المختار عند اليهود إذ أن الفكر اليهودي منذ بدء التاريخ قسم العالم إلى ( أنا والاغيار ” اليهودي والحوييم وهذا الأخير لا يمكن له أن يفهم التوراة ووصاياها وأن تكون متحضراً كان في الأصل يعني أنك تعيش في ظل القانون الروماني أو في الحاضرة اليونانية وكان أهل اليونان يميزون أنفسهم عن سائر الشعوب الأخرى ” البربرية ” بأنهم وحدهم أهل الحضارة وهي على أسلوب في الحياة والعيش متميزاً ومختلف عن الآخرين. وقد حدد الأثينيون العناصر الثقافية الأساسية التي تعرف الحضارة على شكل كلاسيكي، عندما أكدوا لأهل ” اسبرطة ” أنهم لن يفشوا أمرهم للفرس، إذ أن هناك اعتبارات كثيرة وقوية تمنعنا من أن نفعل ذلك حتى لو كنا نريد. أولاً وأساساً هناك صور منازل الآلهة، الآثار المحروقة والمدفونة هذه تحتاج إلى أن ننتقم لها بأقصى ما نستطيع بدلاً من أن نصل إلى تفاهم مع من أرتكب تلك الأفعال. ثانياً الجنس الإغريقي من نفس الدم واللغة نفسها عموماً وعاداتنا المتشابهة.. ولن يخون الأثينيون ذلك أبداً” وقد كانت روما المسيحية عند القديس أوغسطين هي ” مدينة الله ” مقابل مدينة الشيطان البابلية المدنية الأرضية، المدنية السياسية المدنسة” والحضارة في لسان العرب نقيض البداوة وتعني العيش في الحاضرة وهي عند ابن خلدون غاية العمران وسبب خرابه ولها معنيان: معنى الاستقرار في المدن وقيام الدول ومعنى التفنن والتأنق والمبالغة في عوائد الترف والانكباب على المتع والشهوات واللائذ سواء كان ذلك في المشرب أو المأكل أو المسكن والملبس والمغتنيات الصناعية والفنية والخدمية” وهي عند شبنجلر روح الشعب وثقافته والحضارة عند ألبرت اشيفيتسر هي ” التقدم الروحي والمادي للأفراد والمجتمعات على حد سواء. والحضارة عند توينبي وحدة التاريخ الأساسية التي تعني النظام السياسي أو الامبراطوري العام وأول الحضارة هو الإحساس بالخوف من عاقبة الاعتداء على الآخرين ومن الضرر الذي يصيب الإنسان من اعتداء الآخرين عليه وهو الخوف الذي نعبر عنه بالضمير والوازع ومخافة الأذى والضرر جراء القيام بالذي صار اسمه بعدما لا يحصى من الزمن والخبرات والتجارب حراما وعيبا وممنوعا ولا يجوز . حسب مدني صالح. فما هو معنى الحضارة اليوم؟

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عداد التقييمات: 1

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *