في وداع الألمعي مختار نويوات القيمة والقامة والمقام!

في وداع الألمعي مختار نويوات القيمة والقامة والمقام!
5
(2)
 بقلم: عزالدين ميهوبي
رحل عنّا عالِمٌ من طينة الكبار، وأيقونة لطالما تباهت بها الجامعات الجزائرية، سليل عائلة أدب ولغة وتراث.. رجل عاش للعلم وحده. إنه المتفرّد في اللغة وآدابها، الأستاذ الدكتور مختار نويوات رحمه الله وطيّب ثراه. حين بلغني خبر انتقاله إلى جوار ربّه، ترحّمت على روحه، وقلتُ ما الذي أكتبه عنه، وأنا الذي تربطني به صلة الابن بأبيه.. فرأيتُ أن أستعيد ما قلته في حضوره، يوم كرّمه المجلس الأعلى للغة العربية (18 ديسمبر 2014) بالمكتبة الوطنية، وكنت حينها رئيسا للمجلس.. تحدث عنه طلبته وأستاتذة قاسموه مسارا طويلا.. وقلت يومها: حين تداولنا في أمر تكريم الأستاذ الدّكتور مختار نويوات، في ذكرى اليوم العالمي للغة العربيّة، أجمع كلّ الذين شاركوا في جلسة إبداء الرأي، على أنّ تكريمه فرضٌ وواجب. فهذا الرّجل الزاهدُ في الأضواء، المستكين للهدوء، لا يجد وقتًا لغير العلم، إذ أنّه كرّس جهوده للبحث والتدريس والإشراف العلمي على الطلبة والأكاديميين، وقلنا ماذا لو بادر المجلس الأعلى للغة العربيّة إلى إضافة لبنة أخرى لرصيد الأستاذ نويوات بإصدار كتاب يستفيدُ منه عموم المهتمّين بشؤون العربيّة وما ارتبط بها، والأدب وما يدور في فلكه، وسِير الأعلام وما حوته من معلومات مفيدة، واقترحنا أن يكون عنوان الكتاب المتضمّن مقالات وافتتاحيات نُشرت في فترات متفاوتة “عن اللسان وفي البيان” وهي عصارة تعامله والتزامه الدائمين مع المجلس، وحرصه الكبير في أن تظلّ هذه الهيئة مثابة للمنافحين عن لغة الضّاد، والمدافعين عن الهويّة الوطنيّة، والسّاعين إلى حماية المجتمع من الهجنة والرّطانة والانفلات اللساني.. والحقيقة أننا لن نغالي إذا قلنا في غير اعتداد إنّ كلّ فكرة يتضمنّها مقالٌ أو افتتاحية للأستاذ نويوات، هي عبارة عن مشروع كتاب مختزل في كلمات، فالرّجل يمتلك حسّ إنتاج “العصير” الفكري، وتركيز الرؤية في عدد قليل من الجُمل، دون أن يُشعرك بالملل، ثم إنّ الكمّ الهائل من المعلومات التي يستقيها من مصادر عديدة، ومن اجتهاد قلّ نظيره، يجعل المقال منجزًا وفق معمار هندسيّ بديع، إذ يختار لكل فكرة ما يشتهي من ألفاظ، ولا يسعى إلى تنطّع أو دوران على الذات، كمن يدور بحبل على جبل، ليقول لك “كم السّاعة الآن؟”.. كلمتي في هذا المقام الذي نكرّم فيها قامة علميّة كبيرة، ذات قيمة إنسانيّة عاليّة، أستعيرها من مقدّمة كتابه المرجع، التي تشرّفتُ بكتابتها، والذي صدر منذ أشهر قليلة بعد أن ظلّ حبيس مكتبته العامرة، وأعني به “البلاغة العربيّة في ضوء البلاغات المعاصرة”. كان يأتي المجلس بالعاصمة من عنابة، كلما اقتضى الأمر ذلك، دون أن تفارقه محفظته المعبّأة علمًا.. وهو الذي لم تستأثر به جامعة عنابة لنفسها، بل كان يسعّ على غيرها من الجامعات، بتواضعه الجم، وحبّه للعلم والمعرفة. كتبتُ:: حدث هذا في خريف 1975، بثانويّة الشهيد محمّد قيرواني بسطيف. وكنتُ حينها على مقاعد الدّراسة. كنتُ شاهدًا على هذا الرّجل الذي لا يمكن لي أن أنسى له ذلك الموقف الذي حملني من عاشق للغة والشعر إلى ممارس للكتابة فيهما.. إذ كانت تلك اللحظة فارقة في حياتي، بقليل من الكلمات حرّك في نفسي شهوة الكتابة.. فكتبتُ. ..دخل يومها القسمَ بخطى وئيدة، على قسمات وجهه ذي البشرة القمحيّة ابتسامة هادئة، واختار كرسيّا في آخر القاعة. يتأمّل أستاذ مادّة اللغة العربيّة، فلا يقاطعه إذا رأى حاجة لتوضيح، ولا ينهره إلاّ إذا لاحظ انفلاتًا في المعنى، وكنّا كالحجارة، لا نبدي حركة، وكأنّنا ملائكة في تلك السّاعة. لم يبق من زمن الدّرس سوى ربع ساعة، حين التفتنا إلى الرجل الجالس في آخر القسم، وهو يتقدّم نحو السبّورة، فيشكر الأستاذ الذي كان يتصبّبُ عرقًا، ويدعوه إلى أن يجلس مكانه، ثم كتب بيتين من الشعر بالصيغة التالية: إذا كنتَ في حاجة مرسلاً وأنتَ بها كلفٌ مغرمُ فأرسل حكيمًا ولا توصه وذاك الحكيم هو….. وأبقى على الكلمة الأخيرة من شطر البيت الثاني مبهمة، وسألنا “من يعرف الكلمة فله منّي أكثر من درهم. خمسة دنانير”.. وهو مبلغٌ يفي بأغراض كثيرة إذّاك. فنطقت الحجارة، وصار كلّ واحد من التلاميذ يعرض كلمة على هواه، وهو يكتفي بكلمة “خطأ” أو “غير صحيح”.. ثمّ يقول بعد أن أدرك عجز التلاميذ “من يعرف الكلمة سيأخذ ضعف المبلغ”، فترتفع أصوات “الملائكة” عاليّا، وهو يقول “لا.. أخطأت”، بينما كنتُ أحفر في معنى البيت لأعرف سرّ الكلمة الغائبة.. وسألتُ نفسي حينها “لماذ يصرّ الرجل على أن يمنح من يعرف الكلمة كلّ هذا المبلغ..”، ورفعتُ إصبعي، فأشار إليّ بأن أجيب، فقرأتُ البيتين كاملين: إذا كنتَ في حاجة مرسلاً وأنتَ بها كلفٌ مغرمُ فأرسل حكيمًا ولا توصه وذاك الحكيم هو الدّرهمُ فصفّق الرّجل، وصفّق معه من في القسم، وجاءني ضاحكًا، بعد أن أخرج من جيبه الدنانير العشرة، وهو يقول لي “أحسنت.. هذا حقّك. لكن كيف عرفتَ هذا؟” قلت له “يا أستاذ.. فهمتُ معنى البيتين وزدتُ عليهما حرصك على كلمة درهم.. ثمّ إنّني أحاول كتابة الشّعر”. ربتَ على كتفي كأبٍ مفعم بالمحبّة، وقال لي “واصل ولا تتوقف.. فأمامكَ عمرٌ من الشعر إنْ كتبتَ.. ومن الدّراهم إن تعبتْ”. وأطلق ضحكة إعجاب أمام دهشة زملائي الذين اقتسموا معي تلك الدنانير وكأنّ لسان حالهم يقول “بعد أن أتعبْنَا نحنُ معجم اللغة أجهزتَ أنتَ على ما تبقّى منها”..ولم أنم ليلتي تلك، لأنّ الرّجل ألقى في نفسي نبوءة نابعة من حُذاق وفطنة. لم يكن ذلك الرجل سوى الأستاذ الدكتور مختار نويوات، وكان حينها مفتّشا لمادة الأدب واللغة العربية. ولم يحدث أن قابلته قبل ذلك الوقت. ومرّت أسابيع على واقعة الدّرهم ليأخذني والدي إلى بيت الشيخ موسى نويوات الأحمدي، هذا العالم الموسوعي، وليلتها لم يُغمض لي جفن، ولم أصدّق أنّني أجالسُ صاحب “المتوسّط الكافي في علمي العروض والقوافي”، وهو يدعوني لأن أقرأ شيئا ممّا كتبتُ من شعر، فغلبني الحياء، واستحضرتُ بعض النصوص التي كتبتها خفيَة عن أعين الأهل والأصحاب، ثمّ سألني “لماذا اخترت هذا البحر وهذه التفعيلة؟ وكيف تصرّفت مع هذا الزّحاف؟..” وأنا لا أملك ردّا سوى “لا أعرف.. لأنّني أكتبُ بأذني. لا أعرف البحور ولا مكوّناتها..” فيطبع قبلة على جبيني ويقول لي “لك من اسمك نصيب.. العزّ والموهبة”. وحين أخبرته بما جرى مع ابنه الأكبر مختار، راح يكلّمني عنه وعن علاقته بالأدب واللغة وحبّه للتراث، ثمّ عرّج نحو ابنه الآخر الديبلوماسي والمستشار سعد الدّين الذي يملك مهارات غير مسبوقة في التعاطي مع اللغة وقرض الشعر.. وهو ما وقفتُ عليه بعد سنوات من العشرة الصّادقة والألفة الطيّبة.. قابلتُه طفلاً يافعًا قبل أربعين عامًا، لأجده واحدًا من أعمدة وخبراء المجلس الأعلى للغة العربيّة الذي تشرفتُ برئاسته، مشرفًا على مجلّة “اللغة العربيّة” ومُساهمًا فيها بمقالات عميقة المعنى والمبنى. إنّ هذا الرجل العالِم المعلّم، الدّارس المدرّس، الخادم أمّته في صمت، الواقفُ في جبهة المعرفة، متأبطًا محفظته العامرة، آخذًا بأيدي عشرات الباحثين في شؤون الأدب واللغة والتراث.. لا يتعب وإن امتدّ به العمر، ولا يعتدّ بعلمه فدأبه التواضع. لا يسعى إلى رفعة وهو المكتنز علمًا ودراية، ولا يستجدي موقعًا لن يشكّل قيمة مضافة في مسيرته باحثًا أكاديميّا من طينة الكبار.. يكبر في عيون طلبته، وأصدقائه، وكلّ من قاسمه لحظة فكر أو معرفة. يقول مختار نويوات “لست من الذين يتنكرون لأساتذتهم ولا يذكرون إلا عيوبهم فلهم عليّ فضل كبير، ولست ممن لا يعجب بالأدب العربي قديمه وحديثه بل أفضّله على كل أدب.. إنما أهيب بالمسؤولين عن العملية التربوية أن يهتموا بالأولويات ويبسطوا التعليم ويتدرجوا من السهل إلى الصعب، وأن يجعلوا اللغة ممارسة لا حشوَ أدمغة بما لا غناء فيه، كما أهيب بالصحفيين أن لا يجعلوا اللغة النيرة تابعة لشعب يزري بها وبنفسه..”. ويقول في مسألة اللغة “اكتسابُ اللغة لا ينحصر في تبسيط النحو وتطويره بل يتجاوز إلى اختيار المادّة اللغوية المناسبة لعصرها، المحرّرة للألسنة، الكفيلة بجعل المواطن يعرب بلغته عمّا في ضميره، وذلك معنى الإعراب في الأصل. فإذا كنّا نتقلّب في مناخ حضارّي جلّ عناصره أجنبيّة ونسمّيها بمسمّياتها التي فرضتها علينا متطلّبات الحياة والعولمة ببعض نتائجها فإنّ لساننا يبقى حبيسا ولغتنا لا تتخلّص من الهُجنة. الطريق أمامنا طويل لكنّ بلوغ الهدف غير بعيد إن تضافرت الجهود”. هو هكذا مختار نويوات، الكبير الذي اختار الصمت، الهادئ الذي تجنّب الضجيج، الطيّب الذي يختزل قيّمَ الجزائري الأصيل. وهي هكذا شجرة عائلة نويوات المباركة باللغة والإيمان والوطنيّة. رحم الله فقيد اللغة والأدب والأخلاق الألمعي الأستاذ مختار نويوات، وخالص العزاء لعائلته وأقاربه وطلبته وكل من نهل من علمه.. والله أكبر

 

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عداد التقييمات: 2

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *