تربية الطفل من أجل تفكيرناقد

تربية الطفل من أجل تفكيرناقد
1
(1)

     

التربية أخطر مهمّة يمارسها الانسان على نفسه وعلى غيره  ، ولا نبالغ إن قلنا أنها صناعة الإنسان ، إذ يولد الإنسان على الفطرة ، ثمّ يأخذ في التشكّل نفسيا وفكريا وثقافيا متأثرا بالبيئة التي ينشأ فيها والمحيط الذي ينخرط فيه بدءا من خروجه الى هذه الدنيا ، وتعتبر التربية أساس قيام المجتمعات وتطوّرها ، فإما أن تنشيىء جيل بناء حضاري ديمقراطي ايجابي خلاّق ، أو تنشىء جيلا عكس ذلك . ووفقا لما سبق إمّا يتقدّم الوطن ويرفع شأن الأمة ويكون لها دورا في بناء الحضارة الانسانية ، و إمّا أن يتخلّف الوطن وينخفض شأن الامّة و تغدو ريشة في مهبّ الريح ومرتعا للأقوياء يبتزونها ويفرضون عليها ما يشاؤون . وكل ذلك نتاج التربية السليمة . ولا تخلو التربية السليمة الخلاّقة من التفكير الثاقب الناقد ، لذلك سارعت في بحثي هذا إلى ضرورة التفكير جديا في إدخال تعليم التفكير إلى المناهج المدرسية منذ المراحل الأولى للتّعليم ، نظرا لما أكتسبته من خبرة في الميدان تفوق العقدين من الزمن ونظرا لما للموضوع من أهمية بالغة . إنّ تعليم الأطفال كيف يفكّرون عملية ليست سهلة ، بل هي أخطر المهام التربوية ، فهي التي تخلق أفرادا يعرفون كيف يتعاملون مع الاحداث والتطوّرات وكيف يتعاملون مع الناس والاحداث والبيئة . إنّ تعليم التفكير للناشئة يولّد رجالا ونساء يشعون نورا ويفجّرون حركة وطاقة و قادرين على البناء والعطاء وعلى إحداث التفاعل الحضاري بين شعوب الارض وأممها .  والتربية إذ نعني بها هنا في مقامنا هذا تخص الطفولة منذ الوهلة الاولى .فالطفولة.. حياة الروح، وروح الحياة. عالم مخمليّ، مزدان بقلوب كالدّرر، وأرواح باذخة الطّهر. وعقول راجحة القرار  ، عكس ما يروج لصغر عقولهم فالعقلاء هم الأطفال، يضحكون ويبكون متى أرادوا.. أما الكبار فهم مرضى كبرياء. وتمثيل ومكابرة، فالحقيقة تخرج من أفواه الأطفال. فلكم سعدنا بامتلاك الحكمة كوننا بلغنا مبلغا من عمر الحكمة، لتعود بنا إلى طفولتنا الهاربة.. فالطفل يقول ما يعنيه، ويعني ما يريد، ويريد ما يريد. ورغم أن الطفل تواق إلى عالم البراكوزم حيث التحرّر من الواقع والمنطق والسباحة في عالم من الخيال والعفوية بات من الضروري حفظ حقوقه المألوفة من حق في حياة والتعلم والعلاج، وأقحم بقوة حق الطفل في حرية التفكير وإبداء الرأي لاستكمال حريته وصلابة شخصيته.. لقد تعالت الأصوات في كثير من بقاع العالم الداعية إلى حقوق الطفل في التّفلسف، والتي تفضي به ان يمارس حقّه في الدهشة والتأمل والشك والشغف والسؤال، والتفکير اللامحدود القائم على ابداء الرأي ونقد الآراء الأحادية الاتجاه، وذلك بداعي أنّ الطفل يمتلك خيالا لا محدودا، وله طريقته في التفکير ونظرة للعالم تختلف عن نظرة الکبار… فإذا كان طرح السؤال من اختصاص الفلاسفة والمفكرين . فما مبرّرات التفكير في حاجة الطفل إلى التّفلسف؟ أليس في ذلك إجهاض لبراءة الطفولة وتكسير للنّمو النفسي والعقلي للطفل؟ ام هو تحفيز لإشباع فضوله وإطلاق سراح خياله الواسع؟ فإذا كان طرح السؤال من اختصاص الفلاسفة والمفكرين فما مبرّرات التفكير في حاجة الطفل إلى التّفلسف؟ أليس في ذلك إجهاض لبراءة الطفولة وتكسير للنّمو النفسي والعقلي للطفل؟ ام هو تحفيز لإشباع فضوله وإطلاق سراح خياله الواسع؟ نحاول الوقوف عند آراء الباحثين والمختصين في المجال ونستحضر بقوة رأي خبير التربيةالأمريكي”ماتيو ليبمان ”   .

 

التّفكير النّاقد والتّفكير الإبداعيّ

      تشرع المدرسة في تربية الطفل وتنمية كلّ أبعاد شخصيّته منذ سنّ مبكرة. تنمية لا تستثني مما يحتاجه للاندماج في مجتمع الكهول أيّ موضوع معرفيّ أو حسّحركي أو وجدانيّ. هكذا يبدو الأمر بديهيّا وجليّا. فكلّ ما يهمّ الحياة يهمّ التّربية كما يقول O.Reboul 2 ومهما كانت الحساسيّات الثقافيّة إزاء بعض الموضوعات على غرار التربية على المواطنة الديموقراطيّة وحقوق الإنسان، فلا بدّ أن يشرع في تأهيل الطفل منذ نعومة أظفاره للإحاطة بها مع أخذ خصوصيّاته النّشوئيّة بعين الاعتبار عبر تكريس شروط ومقتضيات النّقل التّعليميّ التّعلّميّ تيسيرا لهضم الميراث الثّقافيّ البشريّ وتمثّله. ويتّسق هذا القول مع التّعريفات السوسيولوجيّة الكلاسيكيّة للتربية. يقول دوركهايم : التربية هي الفعل الذي يمارسه جيل الراشدين على جيل أولئك الذين لم ينضجوا بعد للحياة الاجتماعيّة، والغرض منها أن تثير وتنمّي لدى الطفل عددا معيّنا من الحالات الجسديّة والعقليّة والأخلاقيّة يتطلّبها منه المجتمع السياسيّ بمجموعه، والبيئة الخاصّة التي أعدّ لها خصّيصا.” 3  هكذا يبدو الأمر بديهيّا وجليّا. لكن حذار ! ليس الأمر بهذا الجلاء وهذه البداهة، بل لعلّ أكثر الموضوعات خطورة هي تلك التي تبدو واضحة وبديهيّة لأنّها تتوارى عن النّقد وتفلت بمكر من المساءلة. وهنا تلحّ علينا الأسئلة:

لماذا لا يتعلّم الطفل الفلسفة؟

أليس التّفلسف ضربا من التّفكير الإنسانيّ المتدبّر للقيم والجمال والدّين والعلم، أي للحياة بكلّ أوجهها؟ والمدرسة تزعم أنّها تعدّ للحياة، بل تزعم أنّها الحياة نفسها ؟

 ــ  لماذا تترك المدرسة مهارات التّفكير النّاقد والتّفكير الإبداعيّ وقوانين المنطق وفنّ السّؤال على هامش المقرّرات الدّراسيّة لتتناول عفوا إذا عنّ لبعض المدرّسين أو سمحت لهم كفاياتهم المهنيّة أن يتطرّقوا لها في امتدادات دروس القراءة وشرح النّصوص وبصفة مستعجلة خارج التّعليم المنهجيّ؟

هل من تفسير معقول لتأجيل إدراج النّشاط الفلسفيّ في المناهج الدّراسيّة إلى آخر المرحلة الثّانويّة؟

من يعارض هذا المشروع؟ وماهي حججه؟

هل من فكرة عن بدايات الفلسفة بالابتدائيّ لتعرّف الدوافع؟ والوقوف على النتائج الأوليّة؟

ما مدى انتشار الفلسفة بالابتدائيّ في دول العالم؟

ما هي أهمّ الممارسات والطّرائق البيداغوجيّة المتوخّاة لتأمين النّشاط الفلسفيّ بالابتدائيّ؟

هل نطمئنّ لمخرجات مدرسة واحلة في التّلقين تشيع فيها أسئلة البداهات والمحفوظات والإجابات البليدة الجاهزة؟ وغير هذا من الأسئلة الحارقة كثير ممّا نحاول تدبّره في هذا البحث …..

     البدايات المؤسّسة :

            يعود سؤال إمكان تذكية التّفلسف منذ الطفولة إلى ما يناهز أربعة عقود من الزّمن إلى المربّي الأمريكيّ Matthew Lipman  وتحديدا إلى بداية سبعينات القرن الماضي. فقد صُدم باعتباره أستاذ منطق بضعف طلبة الجامعة في التّفكير النّقديّ والمنطقيّ. ورأى أنّ الحلّ يكمن في التبكير بالتّدريب على هذه المهارات منذ الطّفولة قائلا:” إنّ الكليّة ستكون فرصة متأخّرة لتحفيز الأفراد على التفكير بالطريقة السليمة..” ….(6) فأعدّ لهذا الغرض محامل على شكل قصص خياليّة قصيرة تحضّ على الحوارات الفلسفيّة. وقد عدّ المختصّون كتابه ” اكتشاف هاري سوتلماير” (La Découverte de Harry Stottlemeier)  الذي نشر سنة 1974 بمثابة إعلان لولادة الفلسفة الموجّهة للطفل. وعبره يتمكّن أطفال العشر سنوات من اكتشاف قواعد المنطق الأرسطي بطريقة لعبيّة متدرّجة بغية تأهيلهم للتّفكير العقلانيّ النّقديّ بعرض مواقف ملموسة قريبة من معيشهم. وبالتعاون مع آنا مارغريت شارب كتب روايات أخرى، على منوال منهج المناقشة السقراطية (التوليد) بين التلاميذ حول الأتيقا والجماليات والسياسة، والإبستومولوجيا. وهو ما شكل في مجموعه برنامجاً للفلسفة خاصّاً بالأطفال ما بين سن الخامسة والثالثة عشرة. ويقرّ Lipman  أنّ غايته من ذلك ” تحويل القسم إلى فضاء للحوار الدّيموقراطي الفلسفيّ والتّلاميذ إلى مجموعات بحث” ولعلّه وجد في نهج  Dewey  التّربويّ  ينبوعا للقبس والاستلهام معتبرا  أنّ “ما يعتقده الرّأي العام القائل بأنّ التّفكير هو الذي يدفع إلى الحوار يبدو معاكسا للحقيقة، إذ الحوار هو الذي يولّد التّفكير .   وقد أسّس Lipman  مشروعه على المسلّمات النّظريّة التّالية:(1)

ــ تنمية المنافسة والجدل الفكريّ التّأمّلي مفيد لكلّ الأفراد مهما كانت أعمارهم وبالأخصّ للأطفال الذين لم يبل بعد تفتّح أذهانهم مع تقدّمهم في مسارهم الدّراسي مثلما يحدث لتلامذة الأقسام النّهائيّة بالمرحلة الثّانويّة.

ــ الطفل بفطرته مفكّر وله نظريّات وإن تك بسيطة.

ــ كلّ تربية ينبغي أن تنطلق من الطفل و من ذاتيّته لتقوده بعد ذلك إلى تطوير تفكيره مكتشفا عبر الممارسة متع   الأنشطة المنطقيّة والعلميّة.

ــ النّشاط البينذاتي (l’activité intersubjective) الذي يحدثه الحوار هو العامل الحاسم في التنمية الفكريّة إذ يدفع الطّفل إلى جعل أفكاره في موضع السّؤال ويمنحه فرصة مقابلتها مع أفكار الآخرين ليختبر درجة صدقيّتها، كما يسنح هذا النّشاط بالتّأسيس للممارسة الدّيموقراطيّة.

ــ  الطفل قادر أن يصبح باحثا مستجيبا لمعايير الموضوعيّة العلميّة وهذا ليس من قبيل التّرف أو التّبذّخ البيداغوجيّ،

   إذ لامناص من أن يتعرّف ويوظّف تمشّيات بناء المعرفة لأنّه بذلك يطوّر مهاراته الفكريّة ويتعلّم بطريقة أنجع، وإلا فسنواصل حبسه في نظام يوهمه بأنّ المعارف حقا . وجد   مشروع Lipman  صدى خارج حدود الولايات المتّحدة الأمريكيّة بدءا من كندا والبرازيل وصولا إلى ما وراء المحيط الأطلسيّ وقد أخرجت حكاياته في ألبومات ذاع صيتها فترجمت وباتت مستعملة في أكثر من 15 دولة  ، وأسّست كثير من هذه الدّول ما يسمّى بـ “معهد تقديم الفلسفة للأطفال” IAPE      Institut pour l’Avancement de Philosophie pour Enfants.   أو بالأنجليزية           IAPC   Institute for the Advancement of Philosophy for Children   . وفي سنة 1999 نشرت اليونسكو تقريراأعقب مؤتمرا للخبراء التربويين في العالم توصي من خلاله الدّول بتعميم ممارسة الحوارات ذات المنحى الفلسفيّ منذ المرحلة قبل المدرسيّة. واليوم تتبنّى أكثر من 70 دولة في العالم هذا المشروع ، وفي تونس أثناء انعقاد مؤتمر دوليّ حول تدريس الفلسفة احتضنته تونس خلال  شهر ماي سنة 2009  وذلك تحت إشراف اليونسكو، قدّم المحاضر Michel Tozzi  من فرنسا مداخلة حول تجربته الرّائدة في ” النّقاشات ذات المنحى الفلسفيّ بالمدرسة الابتدائيّة” Discussions à visée philosophique À l’école primaire .     وقد كان وزير التّربية شهد المحاضرة فسأل أحد مستشاريه إن كان بعض مربّي الابتدائيّ يحضرون هذا المؤتمر ليستلهموا منه، ولمّا كانت الإجابة بالنّفي، ألحّ أن يحضر من له اهتمام بالموضوع بقيّة وقائع المؤتمر. فوجّهت التّفقديّة العامّة للتّربية دعوة  لعدد من الإطارات التربويّة وكنت من بينهم  باعتباري أنجزت مشروعا حول تطوير حصص الحوار المنظم منهجيّا ومضمونيّا لترقى إلى النّقاشات  ذات المنحى الفلسفيّ عبر الاشتغال على مفهمة القيم ذات البعد التّمدينيّ.  …..(2)

 

 

مبررات حاجة الطفل والمجتمع إلى التفكير الفلسفي الناقد :

      اذا كانت الفلسفة موقفا و نهجا في الحياة صارما و دقيقا ، فهي أيضا تعليم و مدرسة أي أنّها معرفة بل إنّها معارف تطبعها روح الاكتشاف و فضول ملازم للفلسفة  ذاتها  . فجوهر الفلسفة و فحواها يكمنان في كونها تحث على التساؤل و تدعو اليه من غير ان تنتهي الى سجننا. بل هي تحرر العقول اليافعة و تتيح انفتاحها , تلك العقول التي ننتظر منها ان تصبح عقولا مفكرة و فاعلة في غد هو أقرب  الينا مما نظن , و هذه الدراسة وصف للحالة الراهنة من أجل “استشراف المستقبل ” و ذلك  تحديدا لان تحليلا او نظرة سريعة يتعلقان بتدريس الفلسفة اليوم لا يحملان من معنى سوى ذلك القدر الذي يتيحانه لآفاق العمل في المستقبل .ولا شك أن تدريس الفلسفة هو المجال الذي تستطيع فيه الفلسفة  أن تلعب دورا اساسيا حاملا لامحالة في الوقت نفسه لمخاطر  فهو دور أساسي يحمل الدعامات الرئيسية لتكوين ملكة الحكم و النقد و المساءلة و التمييز .

   يؤدي بنا الاهتمام بالفلسفة من أجل الأطفال الى الانكباب الى المتن القانوني المتعلق بحقوق الطفل و خاصة بحقه في بلورة تفكير شخصي و في المدرسة التي ترافقه في هذه السيرورة  وفقا للمعاهدة المتعلقة بحقوق الطفل المتبناة  سنة 1989 م و التي تمنح للطفل الحق في التعبير الحر عن رأيه (المادة 12 )  و عن حرية التعبير و التفكير ( المادة 14,  13 ) .

يتضمن نص المعاهدة سمة فلسفية و سياسية في الآن نفسه, راسخة التجديد اذ تقترح تصورا للطفل بوصفه صاحب حق في الحماية و في خدمات محددة وفاعل في حياته الخاصة . و نظرا لحرص اليونسكو على  ترسيخ الفكر الناقد في كل مرة  بات تدريس الفلسفة للأطفال يحظى بمكانة متميزة في كل المؤسسات حول العالم , حيث ازدادت شعبية و ازداد الاعتراف بها خلال السنوات الأخيرة  ” تملك الفلسفة من أجل الاطفال تاريخا و تصدر عن ارادة ثقافية و سياسية ” بهذه الكلمات تم التعبير عن الاهتمام بهذه القضية أثناء اجتماع الخبراء الذي انعقد سنة 1998  بمقر المنظمة بباريس

و قد تم تأكيد خلال هذا لاجتماع على انه بالامكان بل م الضروري تقديم المبادئ الفلسفية للأطفال بلغة بسيطة و سهلة المنال . لم تطرح فعلا اي سؤال خصوصي حول تدريس الفلسفة في مستوى التعلي الابتدائي و الواقع أن أول من طرح الفكرة هو العالم الأمريكي “ماتيو ليبمان “ « mattthew lipman » .

التساؤلات التي تثيرها الفلسفة مع الاطفال:

تبرز اليوم بعض الأسئلة الملحّة التي تتعلّق بالاسس التي تضفي الصلاحية على ممارسات الفلسفة من أجل الاطفال أو عنها والتي توجه هذه الممارسة في هذا الاتجاهأو ذاك . تحيل هذه الاسئلة الحية  ،من خلال بحثنا هذا نحاول أن نلقي أضواء كاشفة على هذا المكسب التربوي و المعرفي و الثقافي الهام و مناقشة هذه البادرة الطيبة و الجريئة من وجهة نظري لأن ” الفلاسفة بالمعنى الدقيق للكلمة – هم أناس يقودون و يشرّعون، يقولون سوف  ” تكون الأمور هكذا  ” و يحددون مقاصد الإنسان و غاياته ، و يتصرفون للقيام بهذه الأمور- في العمل التمهيدي الذي أعده عمال الفلسفة و كل الذين تحيط معرفتهم، إنهم يبسطون نحو المستقبل أيادي خلاّقة ، و ثمة أكثر من بحث و دراسة أكاديمية أجريت بشأن مدى قابلية الطفل لتعلم الفلسفة في العالم العربى و عند الغرب. فبين مؤيد و داعم لها و حاث على تدريب الطفل على التفلسف يقف آخرون كرافضين لها و محذرين منها و محتجين عليها بقوة و كأن لسان حالهم يقول كفى إفسادا لعقولهم البريئة.

ـــ   الطفل فيلسوف بالفطرة:

      يولد الطفل بذات إبداعية عالية، وبعقل لمّاح شجاع، وبفضول بريء ملحّ على التساؤل في قضايا غامضة والخوض في اللانهايات بكلّ ما أوتي من براءة وسذاجة وذكاء، يقول الفيلسوف وعالم النفس الألماني ” كارل ياسبيرز “:” عادة ما يكون للأطفال نوع من العبقرية التي تضيع عندما يصبحون كبارا…. “، فلا سبيل لإنكار أحدنا الفيلسوف الذي كان بداخله وهو طفل، فكلّ منا تساءل الأسئلة الأنطولوجية الميتافيزيقية والأخلاقية المألوفة والملحّة ” من خلق الكون؟ “… ” أين يوجد الله؟ ” ماهي السعادة؟”، فكل طفل هو بالأساس متحرر، ويمتلك خيالا واسعا منفلتا من سطوة المألوف وقيوده، لكن وبقصد وبغير قصد قد يلاقي الصدّ والتجاهل في الإجابات وقد يلاقي الاهتمام والتحفيز. وهذا الموقف هو الذي يصنع الفارق في ابداعه المستقبلي، فإمّا أن يعززه وإمّا أن يكبحه. و يتنبّه الطفل بعفويته إلى ظواهر طبيعية بحكم حبّه للطبيعة، فيسأل أسئلة في غاية الدّقة والأهمية، يلاحظ الجبل من بعيد، فيسأل بفضول جامح: لماذا يبدو الجبل صغيرا بحجم يده الصغيرة؟، كما يلاحظ الطائرة في السماء ويعرف مسبقا انّها تقل المسافرين لكن صغر حجمها يذهله ويحيره.. أليس ما يطفح به كيل حواس الطفل هو أساس قيام المذهب العقلي؟ وهو منطلق بناء النظرية العقلية في المعرفة ؟ فسؤال الطفل هو الذي يكشف اللثام عن عجز الحواس منفردة في المعرفة وضرورة مزاوجتها بالعقل الممحص والمترجم. سؤال الطفل فينا برّره فيلسوف العقلانية ” ديكارت “. فالطفل يتفلسف والراشد يثبت ويتستدل ويأخذ بيد الطفل إلى بر الأمان. الطفل يسأل ويثيرو الفيلسوف ينظّر. إنّ المنطق يقتضي على الأقل أن نجعل أنفسنا في أحجام أطفالنا ومستوياتهم النفسية والعقلية طالما كان التقزيم البيولوجي مستحيلا، وذلك كلما انبرينا نحن الكبار لمخاطبتهم ولمحاورتهم. إن الطفل أوسع إبداعا وإمكانا مما تقدّمه التنشئة الاجتماعية التي تعمل على خفضه إلى مستواها وهو ما يهدر طاقته الهائلة التي من المفروض أن تستغل في فتح آفاق أكثر رحابة. أما الحل، فيكمن في إعادة النظر في الطرق والبرامج التربوية، سواء في الأسرة أو المدرسة أو الإعلام كي تتوافق وأسئلة الطفل، أو بعبارة أخرى ينبغي العمل على عكس الآية، فعوضا عن أن تسير التنشئة نحو قولبة الأطفال وفق نماذج جاهزة معدّة مسبقا على النّحو الذي يريدونه، ينبغي تكييفها كي تتلاءم والطفل وإمكاناته الهائلة.. ومن هنا بات لزاما علينا تشجيع التفلسف لدى الطفل على النّحو الي يبعدنا عن زجّه في دروس فلسفية منظمة كما في الجامعات، أي دراسة نصوص فلسفية وتلقي محاضرات في القضايا الفلسفية، وأن نعيد الفلسفة إلى بعض غاياتها الأولى وخاصّة تلك المتصلة منها بالحياة في معناها النبيل عبر الأسئلة النيّرة المنبجسة من يفاعة جمهورها من الأطفال والمراهقين. وتذكية الملكة النقديّة لدى النّاشئة لانتشالها من براثن خطر أكيد. أن نحبّب الفلسفة والتّفلسف لدى الكبار والصغار ونستحضر كلاما جميلا عنها للفيلسوف الفرنسي ” ميشيل دي مونتين ” “Michel de Montaigne “: “إنّنا نجانب الصّواب إذا صوّرنا الفلسفة مجالا متعذّرا يستحيل على الأطفال ولوجه، وذات وجه عبوس عاقد الحاجبين رهيب. فمن يا ترى ألبسها هذا القناع الشّاحب المخيف؟ والحال أنّها ذات وجه وادع فرح منتش…إنّ الفلسفة ليست إلا مدعاة للاحتفاء والوقت الرّائق. والسّحنة الحزينة الكئيبة ليست في شيء منها….. “1 Montaigne, Essais, Chapitre 22, De l’institution des enfants.  وهاهي السيدة _ أودوري أوزلاي _ المديرة العامة لمنظمة اليونيسكو .تحث بقوّة على ضرورة تدريس الفلسفة للأطفال وتعليمهم التفكير الناقد في رسالة وجهتها للبشرية في اليوم العالمي للفلسفة ، حيث تعتبر الفلسفة الوسيلة الانجع لتحرير القدرات الابداعية الكامنة وخلق افكار جديدة لذا بات من الضروري تدريسها للاطفال ضمن ممارسات جديدة من اجل تنمية مستدامة وجاء في نص الرسالة :

   “ تعدّ الفلسفة اختصاصا مشوّقا ، كما أنّها ممارسة يومية من شأنها ان تحدث تحولا إيجابيا في المجتمعات ، وتحثّ الفلسفة على إقامة حوار الثقافات إذ تجعلنا نكتشف تنوع التيارات الفكرية في العالم. كما أنّها تساعد على بناء مجتمعات قائمة على مزيد من التسامح والاحترام من خلال الحثّ على إعمال الفكر ، ومناقشة الآراء بعقلانية. ومن وجهة نظر اليونسكو، تعد الفلسفة وسيلة لتحرير القدرات الإبداعية الكامنة لدى البشرية من خلال إبراز أفكار جديدة. و تنشىىء الظروف الفكرية المواتية لتحقيق التغيير والتنمية المستدامة وإحلال السلام في العالم .  وضع االمؤتمر العالمي للعلوم الإنسانية، الذي عقد في بلجيكيا في آب/أغسطس 2017 ، المبادىء التوجيهية لتدريس العلوم الإنسانية. إذ تحرص اليونسكو على نشر هذه الرؤية وعلى تسليط الضوء على الممارسات الجديدة التي أحدثت ثورة في هذا االاختصاص منذ عدة سنوات، لدى الأطفال الصغار، بما يتخطى حدود المدارس ويشمل وسائل الإعلام الجديدة و الطريقة التي يستخدم بها فلاسفة اليوم الرسم والموسيقى والثقافة المرئية. ويقول المفكّر الفرنسي باسكال “ليس الإنسان سوى قصبة، لكنه قصبة تفكر …. وبذلك فإن كرامتنا، نحن البشر، تكمن كلها في التفكير”. وما زالت الفلسفة تمثّل إلى اليوم حصنا ضدُ ضيق الآراء ، ووسيلة لتنمية الحس النقدي إزاء الإغراق بالمعلومات الذي نشهده و إزاء الخطابات المضيّقة التي تسعة إلى إثارة البغضاء ببن الثقافات. فثمُة حاجة ماسُة إلى الفلسفة. فهي لا تقدم أجوبة، بل تتيح طرح ، الأسئلة المناسبة. وهي تدعونا إلى ” تجاوز حدود حساسيتنا ورؤيتنا الفكرية لبلوغ حرية أوسع أفقا”…على حد قول الشاعر الفيلسوف الهندي رابندراناث طاغور. وهذه فرصة ينبغي اغتنامها. لذا، أدعو جميع الدول الأعضاء الى الحفاظ على حيوية هذه الرسالة التي تتردّد أصداؤها في صميم تفويض اليونسكو. ــــ أودوري أوزلاي ـــ  المدير العامة لمنظمة اليونيسكو ...: www.unicef.org/frenc/crc

  ـــ فلسفة تحت شعار ” نفكر عالميا ونطبّق محليا:

      عن حركة تدريس الفلسفة للأطفال أكّد المختصون أن بعض الدّول التي اعتمدت تدريسها رسميا كبقية المواد، والدول الرائدة على رأسها أستراليا والنرويج وأشادوا ببرنامج “ماثيوليبمان “الذي اعتبره الأساس في تدريس الفلسفة للاطفال وقد عمم عبر اكثر من ستين دولة في العالم، ولعلّ ما يساعد في تعميمها وتيسيرها هو تعزيز تكوين معلمين يمتهنون تدريس الفلسفة. كما اهتمت بعض الدول في خلق مراكز لتدريسها كمعهد ترقية الفسلفة للأطفال ومركز تدريس الفلسفة للاطفال بماليزيا واسبانيا، لكنه أكد أن المجتمع العربي أقل المجتمعات حظا في تدريس الفلسفة للاطفال عدا بعض التجارب التي أشاد بها والتي خاضتها المملكة العربية السعودية بتصميم منهج قائم بذاته للتفكير الناقد لدى الطفل. أشار الدكتور إلى عامل الهوية وضرورة صياغة برامج تتفق ومقومات وهوية وثقافة كل أمة بدل استهلاكها من الخارج على سبيل الشعارالقائل ” نفكر عالميا ونطبّق محليا “. انتقل الدكتور إلى آلية إقحام الفلسفة في المناهج الدراسية وذلك عبر مدخلين أحدهما مباشر يعتمد على منهج قائم بذاته لتدريس الفلسفة للأطفال، ومنهج غير مباشر تكاملي اندماجي يعتمد أساسا على إدماج التفلسف في باقي المواد التعليمية او ما يعرف بالتقاطع والكفاءات العرضية، فتظهر الفلسفة في كل نشاط يمارس على سبيل التكامل والبيموادية. وإن أردنا تعضيد كلام الدكتور فقد يظهر مشكل كفاءة المدرسين، فليس الكل قادر على ممارسة التدريس وتعليم التفلسف، لذا بات من الضروري تكوين المعلّمين بعناية فائقة. مع مراعاة زمن التدريس والأداءات التدريسية والخطط الدراسية والتكاليف المادية واستغلال نتائج الأبحاث والدراسات. مع اعتماد منهج الاستقصاء الفلسفي من خلال خلق بيئة تربوية آمنة تساعد على قيام المناقشات الجماعية بين الأطفال حيث يتاح للطفل التعبير عن أفكاره وميوله ومعتقداته وطموحاته بكل حرية وديمقراطية وامان، وان يعدّل ويغيّر من تلك الافكار إذا ثبت ان افكاره فاسدة أو غير ملائمة أو غير دقيقة مع الالتزام بأداب الحوار. إذ يقابل هذا الإجراء ما يعرف بورشات التفكير التشاركي واعتماد استراتيجية العصف الذهني. يتم تصميم الجلسات على هيأة دائرة يتقابل فيها الأطفال حتى يرى كل طفل بقية أقرانه تحت إشراف وإدارة المعلم المنشط، الذي يضع بدوره شروط الجلسة وقواعد النظام وآداب الحوار وتطبيق مهارات النّقد والتمحيص والتسامح واحترام رأي الآخر. حتى تنجح الجلسة الاستقصائية، اقترح الدكتور ان يثار الحوار بمثير مشترك يثير تفكير الأطفال، كأن يعتمد المعلّم قصة فلسفية أو قصيدة شعرية أو مقالا في صحيفة أو صورة ذات دلالة او حادثة او موقف معين، ثمّ يعمد المنشط إلى توجيه الدعوة إلى طرح الأسئلة ويحفزهم هو بدوره ويتيح لهم الوقت الكافي للتفكير وطرح الأسئلة. ….

          بعد ان سجّلنا نجاحا وتجاوبا من طرف المعلّمين والتلاميذ على حدّ سواء نقترح من خلال هذا البحث أن تعمّم فكرة تدريس التفكير الفلسفي للاطفال وأن تحظى بالاهتمام والجدّية ، وأن يمتدّ التدريب على التفكير النقدي الفلسفي إلى مواد الايقاظ الفني مثلما نصّت عليه رسالة السيّدة ازولاي مديرة منظّمة اليونيسكو في اليوم العالمي للاطفال، حيث تمكّن الورشات  التلاميذ والتلميذات المشاركون في هذه الورشات التربوية من السفر بخيالهم في عوالم الرسم، والقصة القصيرة والمصورة، والمسرح، والحكي، والشعر، وغيره من ذلك. ذلك بهدف تشجيع التفكير المستقل وطرق البحث والإبحار المعرفي لديهم ، وتحفيزهم على النقد والإبداع والتعبير الحر عن أفكارهم في قوالب متعددة، مع استحضار الخيال كآلية للتفكير والتعبير عن كينونتهم وتطلعاتهم لمختلف القضايا التي تدور في فلك التربية والتعليم وتجسيد راهن الفلسفة و غاياتها الساّمية .

المراجع المعتمدة:

(1) المدرسة وتربية الفكر “ماتيو ليبمان “تجرمة الدكتور يحيى شهابي ، ” منشورات وزارة الثقافة السورية.ص40 ـ  41  ــ  42

(2)  ـLa philosophie pour enfants

La méthode Lipman et son application au niveau post-obligatoire

 Pascal Collet

Mémoire professionnel

Master of advanced studies

 Diplôme d’enseignement pour le degré secondaire IILausanne, printemps 2013                Identifiant  p 18.19.20

 

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 1 / 5. عداد التقييمات: 1

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *