حاورته: شامة درويش
الأستاذ/مجذوب عيدروس من مواليد عام 1949،تلقي تعليمه بمدارس ودمدني : المدرسة الشرقية و المدرسة الأميرية الوسطى و ودمدني الثانوية ، ثم التحق بكلية الموسيقى والدراما –جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا تخصص نقد ودراسات مسرحية، وهو من مؤسسي رابطة الجزيرة للآداب والفنون، عمل بالصحافة الثقافية السودانية، ورئيس تحرير جريدة مجلة (الخرطوم).
نشرت أعماله في صحف ومجلات سودانية وعربية، اهتم بالشعر السوداني؛ حيث قام بجمع وتقديم ديوان الشيخ مدثر البوشي. كما شارك بأربع دراسات في كتاب (بحوث في الرواية السودانية) الصادر عن مركز عبد الكريم ميرغني.
عمل محكماً في (جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي) بمركز عبد الكريم ميرغني ورئيسا للجنة التحكيم في دورة أخرى.
تم اختيار الناقد \”مجذوب عيدروس\” أميناً عاماً لجائزة \”الطيب صالح\” العالمية للإبداع الكتابي، فضلاً عن أنه عضو هيئة الخرطوم للطباعة والنشر.
** تعد جائزة الطيب صالح العالمية من أهم الجوائز خاصة في مجالات الإبداع والنقد. الأستاذ مجذوب عيدروس كيف ترون مستقبل الإبداع العربي في ظل الحروب المتنامية هنا وهناك؟
__ هذا السؤال يجئ في وقته تماما، فلم تتح لأقطار الوطن العربي الفرصة لإحداث تنمية مستدامة ونهضة حقيقية؛ ولا حتى الفرصة لالتقاط الأنفاس بعد مرحلة التحرر الوطني من الاحتلال والاستعمار. بعض عوامل هذه الحروب والثورات والفتن؛ داخلي بسبب عدم التوازن في السياسات وانعدام العدالة. وإحساس بعض القوميات في الوطن العربي بالتهميش. هذا التهميش سببه الأساس سياسة الاستعمار المعروفة (فرق تسد) واستمرار النخب الحاكمة على نهج المستعمر.
. ففي السودان مثلا صدر قانون المناطق المقفولة عام1922.. أصدرها المستعمر البريطاني، وهذا القانون يمنع التحدث باللغة العربية في هذه المناطق، والإنجليز وهم يدعون أنهم رسل الحضارة منعوا ارتداء الملابس العربية (الجلباب والعمامة) بل إن أحد الحكام الإنجليز في جنوب السودان جمع هذه الملابس من الأهالي وأحرقها ليسير الناس عراة. وقس على ذلك ما حدث في العراق والشام وشمال إفريقيا من التفرقة على أساس اللغة والعرق والطائفة والمذهب، وتعليق هذه الخلافات بين أبناء القطر الواحد.
المبدعون العرب أخذوا على عاتقه التعبير عن هذه المرحلة المضطربة والحلقة والمهمة في تاريخ المنطقة والعالم. وبعض الروايات تناولت ظواهر التطرف والإرهاب (ابتسام تراسي مدن اليمام ولمياء الألوسي صيادو الريح ومحمد سليمان الشاذلى السواد المر وحطام إيناس مهنا وزهرة الأندلس دعاء جمال والسلفي عمار علي حسن الخ. وفي الجزائر كانت العشرية السوداء حاضرة في الإبداع بشكل أو بآخر. الإشكال هنا أن العمل الإبداعي ليس رد فعل مباشر للأحداث، ولكنه يأخذ وقتا طويلا للتفاعل في ذات الكاتب وفي حركة المجتمع. وقد لاحظنا حضور الحروب وثورات الربيع العربي في المشهد الإبداعي من خلال المشاركات في جائزة الطيب صالح العالمية. وفي غيرها من الجوائز. ولهذا ننظر لمستقبله بالتفاؤل فما عادت الأجيال الجديدة من الكتاب تعيش في البرج العاجي المتوهم. وفي ظل العولمة وثورة الاتصالات لا يمكن للكاتب والقارئ أن يعيشا في عزلة.
***
كيف قاومت إدارة جائزة الطيب صالح كل الظروف وبقيت صامدة؟؟
____هناك عدة عوامل ساهمت في صمود الجائزة رغم الظروف المحيطة و المحبطة؛ أولها تفهم مجلس الأمناء لطبيعة الجائزة وأهميتها في تحقيق التواصل الثقافي بين السودان ومحيطه العربي والإفريقي و العالمي، و في تخليد ذكري الطيب صالح حضوره في المشهد الثقافي من خلال جائزة تحمل اسمه و تحفز الكتاب لمواصلة رسالته الإبداعية.
والعامل الثاني؛ رعاية شركة زين للاتصالات وهي رعاية غير مشروطه ولا تتدخل الشركة في أعمال الجائزة وهي ممثلة في مجلس الأمناء بعضوٍ واحد.
والعامل الثالث لا يقل في أهميته عن العاملين السابقين؛ التفاف الوسط الثقافي والإعلامي السوداني والعربي حول الجائزة تقديرا لرمزية الطيب صالح وللسودان وهو يمثل منطقة للتفاعل بين الثقافات الإفريقية والثقافة العربية. وأضيف أن السودان قامت فيه ثورة عام 2019 ونشبت فيه حرب مدمرة في 2023، ولكنا على يقين أننا سنتجاوز هذه الظروف وتستأنف الجائزة أنشطتها الثقافية.
هل جائزة الطيب صالح العالمية مع مقولة أن العصر لم يعد عصر الشعر و الدليل أن الجائزة تخصص جزءا للشعر بعد مرور طبعتين فأكثر بينما الرواية تكون جائزتها محفوظة كل عام؟؟
____بالنظر إلى أن عنوان الجائزة يشير إلى أنها مخصّصة للإبداع الكتابي بمختلف تجلّياته ولكلّ أجناسه_ ونظرا لارتباط الجائزة باسم الطيب صالح- الذي عرفه القراء من خلال رواياته وقصصه القصيرة؛ رأي مجلس الأمناء أن تكون المسابقة ثابتة في محوري الرواية والقصة القصيرة وأن يكون المحور الثالث متحركا وقد اتسع للنصوص الشعرية أكثر من مرة و اتسع لنقد الشعر وأيضا للنقد الأدبي و الدراسات و لأدب الأطفال، وللنصوص المسرحية ولترجمة الروايات.
باعتباركم أمينا عاما لجائزة الطيب صالح العالمية، هل ترون أنها تحتاج بعض التعديلات في محاورها أو إدخال فنون جديدة للتنافس؟؟
____ نحن في مجلس الأمناء نتعامل بمرونة و نفتح على كل المقترحات المفيدة لتطوير الجائزة و الارتقاء به وعقدنا عدة ندوات وسماعات لتحقيق هذا الهدف؛ وفي البال محاور مثل كتابة السيناريو و النقد التشكيلي والموسيقي والمسرحي والسينمائي والترجمة إلى اللغة الفرنسية واللغات الأخرى، لأن المسابقة اقتصرت على ترجمة روايات عربية إلى اللغة الإنجليزية.
## هل نحن بحاجة إلى كتابة تاريخنا العربي بكل تفاصيله حتى ننطلق من واقعيتنا لنبلغ العالمية أم بحاجة إلى قراءة واعية؟؟
_____ تحدثت قبل سنوات عما تقوله بعض الأنظمة عن إعادة كتابة التاريخ و نقدت هذه الفكرة التي تطرح من وقت لآخر. وطالبت أن يكون البديل هو إعادة قراءة التاريخ برؤي جديدة و الاستفادة من المناهج الحديثة في قراءة النصوص و تأويلها و حذرت من الدعوة لعدم قراءة ما كتبه الآخرون عن تاريخنا و ضربت مثلا بكتاب إبراهيم فوزي السودان بين يدي غردون و كتشنر؛ إذ إن الإنجليز دأبوا على تصوير الجنرال غوردون في صورة قديس قتله برابرة متوحشون و من يقرأ ابراهيم فوزي بعين فاحصة و قد كان نائبا له يجد انه اثبت ان غوردون شن الحرب البيولوجية على الثوار في 1885م والتي يستنكرها العالم اليوم. فأي قدامة تبقي لهذا الرجل؟؟
وأيضا نحن في حاجة لكتابة تاريخنا وتقديمه برؤى تناسب عصر العولمة التي تعرف أجيالنا الجديدة ونحن نعرف أن ماضينا وتراثنا ركيزة للحاضر وللمستقبل؛ ونحتاج للقراءة الواقعية التي تدرك أبعاد الأحداث في حجمها الحقيقي.
ويجب أن نفرق بين التأريخ والرواية التي تتناول جانبا من التاريخ، فالروائي يشتغل على المتخيل والإفادة من الوقائع التاريخية في بناء عالمه المتخيل، فكتاب الأمير لواسيني الأعرج وليون الإفريقي لأمين معلوف ليسا بكتابين في التاريخ، ولكنهما يحملان رؤيا إبداعية تلبي شروط الفن ولا تخون التاريخ.
أما العالمية فقد وصلها نجيب محفوظ بكتابته عن الحارة المصرية والطيب صالح بسرعة عن القرية السودانية، وكذلك فعل واسيني وكتاب آخرون في المشرق والمغرب. وأن السرد والحكي عن البيئات المحلية يمكن أن يقود إلي العالمية وهكذا كان فولكنر وجيمس جويس وشولوخوف، فقد انتقلوا بعوالمهم إلى العالمية.
كيف يمكن للثقافة الشعبية أن تضيف لمسة محلية تأخذ الكاتب إلى العالمية؟ حدثنا عن السودان تحديدا.
____ في السودان بالإضافة إلى الإنجاز الباهر للطيب صالح في حقول الرواية والقصة القصيرة و السيرة الذاتية كما في منسي إنسان نادر علي طريقته، هناك كتّاب رواية وقصص قصيرة اشتغلوا لعقود على الاهتمام بالبيئة المحلية إضافة لاهتمامهم بالفولكلور فقد كان روائيا وقاصا و باحثا في الحكاية الشعبية الإفريقية وفي سيرة بني هلال، وهو من دارفور أقصي غرب السودان. وهي منطقة تفاعل ثقافي بين سودان وادي النيل وغرب إفريقيا والمغرب العربي الكبير. وهناك الروائي أحمد الفضل أحمد من السودان النيلي وقد تميز بنقل بيئة أواسط السودان وبحكاياته وأساطيره وحتى جنوب السودان الذي انفصل والروائي والقاص الدكتور بشري الفاضل وهناك الروائي عمر فضل الله صاحب رواية تشريقة المغربي وعلي الرفاعي وعشرات الأسماء المبدعة التي ستقدم إنجازها للآخرين على خطي الطيب صالح.
### بين السودان والجزائر علاقة طويلة وكبيرة ما هي أهم النقاط التي بقيت عالقة في الذاكرة؟؟
______السودان بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه وثقافته وثيق الصلة بالمغرب العربي هناك ارتباط الطرق الصوفية خاصة التيجانية و الشاذلية القادرية، وللثورة المهدية أواخر القرن التاسع عشر الميلادي أصداؤها في المغرب العربي كله. وحينما قامت الثورة الجزائرية في 1954 كان الشعب السوداني في طليعة المناصرين ويكفي أن وزارة شؤون المجاهدين وثقت هذا التاريخ المضئ ومن هؤلاء المناصرين إبراهيم النيل، الذي كان يشرف على نقل السلاح للحوار حتى أسره الفرنسيون. وخلدت الثقافة السودانية الثورة عبر أناشيد عبد الكريم الكابلي ومحمد وردي وقصائد الشعراء الكبار محمد المهدي مجذوب وتاج السر الحسن وسيد أحمد الحردلو وإدريس جماع الخ.
وإن جاز لي أن أقترح بضرورة إنشاء مركز ثقافي جزائري في السودان ومركز ثقافي سوداني في الجزائر، وكتاب الجزائر معروفون للقارئ السوداني خاصة الطاهر وطار وواسيني الأعرج وأمين الزاوي وإسماعيل يبربر وهاجر قويدري الخ
كل الشكر والتقدير لكم على هذا الحوار الثقافي الراقي.
حوار ينم عن التميز وعمق الاطلاع
مجذوب عيدروس مثقف ومبتكر ومبادر
ما زالت جائزة الطيب صالح هي الأكثر نزاهة على الساحة الأدبية .. ورغم الحرب نرجو لها أن تعود
شكرا لأديبنا الكبير مجذوب عيدروس على هذه الاطلالة