تحقيق حول سيرة لالة ستي
محمد هواري كاتب وباحث
تعتبر لالة ستي من الأولياء المشهورين في تلمسان وقد زاد من سمعتها موقعها الذي يتبوأ هضبة تطل على المدينة هي الآن منتجع سياحي يستقطب الزوار من مختلف أنحاء الوطن [1].
والمصادر التي بين أيدينا لم تذكر لنا شيئا حول سيرتها ما عدا الروايات الشعبية الرائجة التي تناقلها الباحثون والكتاب من غير تأكيد على مدى صحتها.
والمشهور أنها إحدى ثلاث بنات لسيدي عبد القادر الجيلاني، الأولى هي لالة ستي التلمسانية واسمها الحقيقي عائشة (أو فاطمة أو الضاوية)، ثم الجوهر دفينة منطقة سيدي يوشع، ورحمة دفينة منطقة بني منير بندرومة [2].
وعلى الرغم من أن الشيخ الجيلاني لم يزر تلمسان؛ فقد كرمه أهلها بأن أقاموا له ضريحا رمزيا في أعالي المدينة ذا هندسة غاية في الروعة، يدل على المكانة السامية التي يحظى بها الشيخ وطريقته في هذا البلد. وهنا يرد إلى الذهن التساؤل حول الظروف التي حدت ببنات الشيخ للسفر إلى هذه البقعة القصية من الأرض ولأية غاية، خاصة أن كتب التراجم التي أرخت لسيرته لم تشر أي منها إلى هذا الجانب [3].
وللإجابة على هذا التساؤل نعود إلى استقراء بعض المصادر التي حاولت الخوض في هذه الإشكالية :
1 ـ أشار الباحث حسين البودخيلي إلى أن لالة ستي ذُكرت في كتاب العشماوي (التحقيق في النسب الوثيق) بعد ذكر بنات الشيخ عبد القادر الجيلاني، كما ذكرها الشيخ الطيب بن عبد السلام في كتابه (النسب) على أنها من حفيداته. وأضاف أن بعض الرواة يقولون أنها زوجة سيدي أحمد بن يوسف الملياني. وانتهى إلى أنه من المحتمل أن تكون هجرتها إلى المغرب بسبب غزو التتار لمدينة بغداد عام 1258 م [4].
2 ـ بينما يفترض الدكتور أمين الزاوي أن تكون لالة ستي ابنة للشيخ عبد القادر الجيلاني وقد أتيح لها الاجتماع بسيدي بومدين في مجالس والدها الأمر الذي حرضها على أن تقصد مدينة تلمسان لتحقيق رغبتها في لقاء هذا المتصوف (الذي أثار إعجابها بعلمه وبشخصيته وبجماله أيضا) حيث بلغت مشارف المدينة عام 1201 م [5].
3 ـ وكتب الدكتور التيجيني بن عيسى أن لالة ستي (كانت حية في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر الميلادي، متصوفة على الطريقة القادرية المنسولة إلى الشيخ الولي عبد القادر الجيلاني، وقد نسج حولها سكان المدينة الأقدمون أساطير وحكايات خيالية عديدة) [6].
4 ـ هذا؛ ويذكر برتروان رواية أخرى مخالفة من أن والدتها هي بنت وزير كبير من بغداد تم استقباله من قبل ملك تلمسان [7].
5 ـ أما ابن مريم المليتي (توفي عام 1611 م)؛ فلم يذكرها في كتابه (البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان)، وهذا أمر يثير الاستغراب نظرا لعنايته بسير كافة أولياء المدينة وكراماتهم، مما يدل على أنها لم تكن مشهورة في زمانه [8].
وهكذا؛ فنحن لا ندري على أي أساس ارتبطت هذه الولية بالشيخ عبد القادر الجيلاني الذي من الثابت أنها ليست إحدى بناته كما وضحناه من مصدر سيرته؛ فهل يعود ذلك إلى انتسابها للطريقة القادرية كما هو مذكور، أم هي إحدى حفيداته جاءت من العراق يحملها الشوق إلى مدينة تلمسان مثوى سيدي أبي مدين شعيب الذي سمعت كثيرا عن علاقته بجدها الذي كان يجله ويقدره ؟
ـ 2 ـ
وقد ورد أنه خلال الحصار الذي ضربه المرينيون على مدينة تلمسان بين أعوام (1299م/1307 م) فقد قرر ملك تلمسان في النهاية تسليم مفاتيح المدينة بعد أن اشتدت وطأة الحصار ونفذت المؤن، غير أن لالة ستي طلبت منه أن يمنحها بقرة وقامت بإطعامها جيدا حتى ظهرت عليها علامات النعمة، ثم تظاهرت بأنها هربت منها إلى أن وقعت بين أيدي جيش المحاصرين، الذين حملوها إلى سلطانهم فتأكد من أن أهالي المدينة لا زالوا بخير ويمكنهم الصمود لمدة أطول، عندها قرر أن يرفع الحصار ويعود أدراجه إلى مدينة فاس [9].
وفي رواية أخرى أن لالة ستي طلبت كمية من الماء وتظاهرت بغسل الملابس ونشرها أمام مرأى الجنود الذين تأكدوا بأن للمدينة مصادر أخرى للمياه غير تلك التي كانت تزودها من الخارج وقاموا بقطعها، عندها تأكدوا بأنه لا طاقة لهم بهذه المدينة المنيعة.
والمتأمل في هذه الرواية يستنج بدون عناء أنها خيالية :
فالتباين واضح بين الفترة التي عاش فيها الشيخ وتاريخ الحصار، حيث يفترض أن ابنته (لالة ستي) المذكورة عاشت مدة طويلة تفوق معدل أعمار البشر، وعلى فرض أنها عاشت خلال تلك الفترة؛ فالمعلوم أن الحصار رفع عن المدينة بعد مقتل السلطان يوسف بن يعقوب المريني من قبل أحد عبيده، وليس بسبب الموقف الساذج لهذه السيدة الصالحة [10].
أما هذه الأسطورة التي حيكت حولها وغيرها من الأساطير التي ضربنا صفحا عن ذكرها؛ فهي من قبيل مظاهر التكريم التي يجل بها الناس صالحيهم وأولياءهم؛ فينسجون حولهم حكايات ترتفع بهم إلى مقامات مبالغ فيها من السمو يمتزج فيها الخيال بالواقع، أو يربطونهم بمناسبات وحوادث تاريخية لا علاقة لهم بها في الواقع.
المصادر :
ـ د. التيجيني بن عيسى ـ معجم أعلام تلمسان ـ منشورات كنوز تلمسان 2011
ـ د. لخضر عبدلي ـ التاريخ السياسي لمملكة تلمسان في عهد بني زيان ـ د م ج وهران 2007
ـ د. عبد الرزاق الكيلاني ـ الشيخ عبد القادر الجيلاني : الإمام الزاهد القدوة ـ دار القلم دمشق 1994
ـ محمد حاج صادق ـ مليانة ووليها سيدي أحمد بن يوسف ـ د م ج الجزائر 1964
ـ د. أمين زاوي ـ فصل المقال في ما بين لالّة ستّي وسيدي بومدين من أوهام ـ جريدة الشروق 2011.03.16
ـ حسين البودخيلي ـ لالة ستي المدفونة بتلمسان ـ موقع الطريقة القادرية المحمدية 15/12/2015 .
– Kissay Zaoui – La Légende de Lalla Setti de Tlemcen Youtube 15/10/2019
– Tlemcen et sa Région – Imp A.Thiriat Toulouse 1921
– Mataval-Berthoin – Lalla Setti – Tlemcen et sa Région N° 18 du 1° Trimestre 1954
[1] ـ اسم لالة ستي (يتكون من لفظتين : لالة وتعني سيدة بالبربرية، وستي التي تحمل نفس المعنى العربي)
-Tlemcen et sa Région P 57
ـ وحسب الدكتور أرزقي فراد في مراسلة خاصة؛ فإن هذا الاسم أمازيغي بامتياز : لالة معناه سيدة، وستي معناه الجدة .
[2] ـ قصي زاوي ـ أسطورة لالة ستي التلمسانية، د.أمين زاوي ـ فصل المقال فيما بين لالة سني وسيدي بومدين من أوهام .
[3] ـ تزوج الشيخ عبد القادر الجيلاني (1077 م/1165 م) من أربع نساء وأنجب منهن تسعة وأربعون ولدا، سبع وعشرون ذكرا واثنتان وعشرون أنثى، ولكن لم يبق له منهم سوى ثلاثة عشر ذكرا وبنتا واحدة هي أمة الجبار فاطمة. المصدر : د. عبد الرزاق الكيلاني ـ الشيخ عبد القادر الجيلاني : الإمام الزاهد القدوة ص 269.
[4] ـ مقال بعنوان : لالة ستي المدفونة بتلمسان.
ـ تزوج الشيخ أحمد بن يوسف (1436 م/1524 م) من أربع نساء بينهن واحدة تسمى : ستي بنت عمرو بن أحمد المشرفي التراري وهي غير لالة ستي ولية تلمسان.. مجرد تشابه في الأسماء بسببه وقع اللّبس على الباحثين. أنظر : محمد حاج صادق ـ مليانة ووليها سيدي أحمد بن يوسف ص 78.
[5] ـ مقال بعنوان : فصل المقال في ما بين لالّة ستي وسيدي بومدين من أوهام.
ـ ذكر هذا الأخير أن لالة ستي ولدت حوالي 1150 م وتوفيت حوالي عام 1222 م ولا أدري من أين استقى هذه المعلومة المهمة .
[6] ـ معجم أعلام تلمسان ص 191 .
[7] – Mataval-Berthoin – Lalla Setti P67
[8] ـ أشار ابن مريم في ترجمة سيدي محمد البطيوي التلمساني إلى أنه كان في ابتداء أمره يتعبد في مسجد ستي الواصلة . البستان ص 274 .
[9] ـ في رواية أخرى ذكر برتروان أن الأمر يتعلق بمعزة وحيدة كانوا يحتفظون بها كمصدر للحليب .
– Mataval-Berthoin – Lalla Setti P68
[10] ـ د. لخضر عبدلي ـ التاريخ السياسي لمملكة تلمسان في عهد بني زيان ص 112.
