اللغةُ والهُويةُ روحُ الأمة!
بقلم: سيد علي رأس العين
من الناحية السوسيولوجية يمكن القول إن هناك علاقةً وثيقةً بين اللغة باعتبارها وعاءً للفكر والهوية التي هي روح الانتماء إلى جماعة ما في أمّة ما يقول محمد الطيبي في كتابه (العرب الأصول والهوية) \”إن اللغة ومن منظور أنتربولوجيا اللغة تمثل وعاء الجماعة بها تدرك ذاتها الجماعية التي تتطور من خلال أشكال التعبير إلى هوية ثقافية متميزة وهذه تقريبا فكرة مورغان في تعريفه للقبيلة من وجهة نظره هي وإن تربطها أواصر الدم فإنها نظام سياسي لأهله له حدود ترابية ومنطوقات وقيادات\”
ولو ألقينا نظرةً على الدراسات الأكاديمية الحديثة لوجدنا أن علاقة اللغة بالهوية قد طُرح من زوايا مختلفةٍ فلسفيةٍ وتاريخيةٍ واجتماعيةٍ وانتربولوحيةٍ ونفسيةٍ وإيديولوجيةٍ يقول الأستاذ الشريف كرمة من جامعة تلمسان \” واللغة رمز التعايش المشترك وبها يتم توثيق روابط الوحدة الجماعية وتدوين سجل الأمة وحماية تاريخها وحفظ ذاكرتها ما يضمن التفاعل الحضاري بين الخلف والسلف وتبقى اللغة أهم وسيلة تواصل\”.
لا ريبَ أن مسألة اللغة وارتباطها بالهوية لا تفتأ تشغل الفلاسفةَ والباحثين لما لها من أهمية في تاريخ الوجود الإنساني وما تعاقب عليه من حضاراتٍ وأممٍ غابرة تركت آثارها إلى يومنا هذا ذهب الباحث عيسى برهومة إلى أن \”اللغة هي التأشيرة التي تعلو بها أقوام وشعوب، وتنحط بها أقوام وشعوب أخرى، فارتباطها بالثقافة وثيق عضوي، وشبّه الهوية واللغة والثقافة بمثلث يقوم عليه عماد الأمم والشعوب، إذا ضعف أحد الأضلاع أو اهتز أو سقط تهاوت الأضلاع الأخرى إلى التهاوي والسقوط. وأشار إلى الاختلاف القائم بين المهتمين بقضايا اللغة والهوية حول العلاقة بينهما، إذ ينقسمون إلى فريقين، أحدهما محافظ يرى أن الأولى بنا أن نثمّن الأصول والجذور التي انطلقنا منها، ونتمسك بها ونرعاها ونحييها، وفريق يرى أن مثل هذا التماسك يتعارض مع عجلة التطور والتقدم\” وهنا يجب أن نطرح سؤالا في غاية الأهمية من جانب تاريخي إبستيمولوجي أنطولوجي ..ما الذي أسهم في الحفاظ على الوجود الإنساني عبر مراحله التاريخية والأنتربولوجية في تلك الحضارات المتعاقبة تباعا ؟
لا شك في أن العامل الرئيس في ذلك هو اللغة وفي تصوري لا يمكن أن نستبعد هذا العامل الذي يشكل حجر الزاوية في موضوعنا هذا والإجابة عن هذا السؤال لا تكون إلا بإماطة اللثام عن مفهوم اللغة ولو بإيجاز شديد ولا أريد أن أسهب وأطنب في تعريف اللغة من الناحية اللغوية فقط اكتفي بتعريفها من الجانب الاصطلاحي في شيء من الاقتضاب إذ يرى ابن جني أن اللغة «أصوات يعبر بها كل قومٍ عن أغراضهم» وهذا أجمل تعريف عثرت عليه من جملة تعاريف عند علماء اللغة العرب ويذهب ابن خلدون أيضا إلى أن «اللغة -في المتعارف عليه- هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني، فلابد أن تصير ملكة مقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحهم». وهنا نلاحظ كيف يتفق ابن جني وابن خلدون في مفهومهما للغة مشيرين إلى الطبيعة الصوتية للغة، وإلى الوظيفة الاتصالية التي يسندها لها جماعة من البشر، وقد روي عن ابن سنان الخفاجي أنه عرّف اللغة بقوله: «ما تواضع القوم عليه من الكلام» ومهما اختلفت او تباينت مفاهيم اللغة عند العلماء فإن اللغة في عمومها هي حالة سيكولوجية واجتماعية وحضارية فمن الناحية السيكولوجية هي جملة من الإشارات المعبّرة عن حالات الإنسان الفكرية والإرادية والشعورية أو هي حالة تحليل الصور والمفاهيم والأفكار العالقة في الذهن ولقد راقني تعريفُ بسيطُ للغة لسابير إذ يرى أنها طريقة إنسانية بحتة غير غريزية لتواصل الأفكار والانفعالات والرغبات بواسطة الرموز المنتجة إنتاجا إراديا يقول سابير \” إن اللغة تتحكم كثيرا بأفكارنا المتعلقة بالمسائل الاجتماعية ومن الخطأ تصور أن الإنسان يتكيف مع واقعه دون استخدام اللغة أو أن اللغة مجرد وسيلة لحل مشاكل الاتصال والتفكير ، إن العالم الواقع مبني بطريقة لاواعية على أساس عادات الناس اللغوية و على أساس استعمالاتهم للغة الأم\”
أمّا الهُويةُ (بضم الهاء) l\’identité فهي مصطلحُ دخيلُ على الفكر العربي ظهر مع عصر التنوير الغربي وزاد الحديث عنه في عصر العولمة الثقافية والحداثة وما بعدها وعليه فالهُوية في مفهومها الأكاديمي البسيط الذي يكاد يكون متفقا عليه في الفكر العربي والغربي عموما هي إحساس المرء بوجوده وكيانه وشعوره بالانتماء إلى مجتمعٍ ما أو حضارةٍ ما ومما يُؤسف له أن مفهوم الهُوية في عصرنا هذا أصبح يشكل قلقا وجوديا لدى الجماعات والأفراد في المجتمعات والأمم وكل هذه المعطيات فرضها الوضع العالمي الراهن المتغير سياسيا وثقافيا واقتصاديا وهذا من نتائج العولمة والحداثة والمثاقفة وغيرها من المفاهيم
لقد ارتبط مفهوم الهوية بالوجود الإنساني ولو ألقينا نظرة خاطفة على فلسفة العصور الوسطى لوجدنا مفهومها مرتبطا بالوضع الديني ثم ارتبط مفهومها بعد ذلك بجوانب أخرى ليس هذا مقام تفصيلها على أن هناك أبعادا تقوي وتعزز الشعور بالانتماء إلى قوم أو جماعة أو مجتمع أو أمة وأهم هذه الأبعاد كلها هو البعد الأنطولوجي بمعنى أن يكون هناك وجود وكينونة لهذا الفرد الذي يساوره إحساس الانتماء والانصهار في زمرة بشرية ما لذلك أكد الفيلسوف مارتن هيجر أسبقية البعد الأنطولوجي أو الهوية الأنطولوجية عن باقي الهويات الأخرى
ومن مقومات الهوية نذكر اللغة والتاريخ والثقافة والعادات والتقاليد والمصير المشترك وغيرها من المقومات المهمة لتعزيز هذا الشعور الإنساني والحقيقة أنه لا يمكن التعبير عن كل هذه المقومات إلا باللغة لذلك ترتبط اللغة بالهوية ارتباطا وثيقا لا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بينهما تقول الدكتورة إيناس بوبس محروس في هذا السياق تعد اللغة لدى الشعوب المتقدمة المتحضرة شأنا قوميا وسياديا لا يجوز المساس به بأي شكل من الأشكال، يدخل في سياق الأمن الوطني والقومي لدى الشعوب المرتبطة ببعضها باللغة والتاريخ والحضارة، فالحفاظ على اللغة والاعتناء بها يغدو في هذه الحال واجب
