الحضارة والثقافة في ندوة فكرية حوارية
عبداللطيف بطاح
” تحية طيبة للمحاضرين الكريمين: د. قاسم عبد عوض المحبشي/ د. عبد الحكيم الكعبي.
مسرور بالحضور معكم لهذا اللقاء الفكري الماتع الذي يسلط الضوء على موضوع حيوي له أهمية داخل الحقبة الراهنة، ونأمل في أن نوفق في تقديم تعقيبا مركزا على المحاضرة التي تقدم بها الدكتورين نظرا لغناها وتناولها الموضوع من زوايا مختلفة.
• تعقيب على المحاضرة؛
يبدو من المهم في بداية هذا التعقيب الإشارة إلى أن موضوع الندوة له أهمية خاصة، تتجلى في تطرق المداخلات وبتفصيل لمفهوم الحضارة داخل السياقات الثقافية المختلفة، إذ إن إشارة الدكتور قاسم قد اعتبرت المفاهيم الفلسفية بما فيها مفهومي الثقافة والحضارة وغيرها من المفاهيم الأخرى أشياء مجردة، تعبر عن مجموع العناصر الجوهرية والمشتركة بين الكائنات، لذلك شكل المفهوم البداية الحقيقة لفعل التفلسف، على حد تعبير جيل دولوز، بل إنه شكل مرحلة وطور التدشين لهذا النمط من التفكير، الذي اعتبر أن الحاجة إليه لا ترتبط بالمساعدة على التفكير فقط، وإنما ضرورته نابعة من أهمية الانخراط في المهمة المنطوة به، على رأسها مهمة خلق وإبداع المفاهيم، وهو الأمر الذي يمنح له _أقصد الفكر الفلسفي_ وظيفة دون أن يمنحه امتياز وتفوق، نظرا لوجود سبل أخرى لنسج الأفكار والإبداع.
وفق هذه الرؤية، وبامتلاك الإنسان خاصية اللغة، بوصفها مظهرا ثقافيا، على حد تعبير الأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي ستروس، الذي أكد في مؤلفه: الفكر والتاريخ، فكرة جوهرية مؤداها أن الإنسان يعتبر كائنا ثقافيا لأنه يتميز عن سائر الكائنات بكونه كائنا ناطقا بلغة تميزه عن سائر الموجودات، إذ يحقق من خلالها التواصل والتفاهم، فاللغة المنطوقة حسبه هي العلامة المميزة للثقافة الإنسانية، إنها الحد الفاصل بين الطبيعة والثقافة، من خلالها نحقق التواصل والتفاهم بغية بناء الحضارة، ومن دونها ننحط إلى مرتبة الحيوانية.
وفق هذا التصور، تغذو كل الكلمات التي يستعملها الإنسان بامتلاكه خاصية اللغة مجرد مفاهيم مجردة، لا وجود لها في الواقع المحسوس، وهي بهذا، تستدعي الحاجة إلى ممارسة قدر من التفلسف، في أفق فهمها وفهم ذواتنا والعالم، وممارسة الفعل المعقلن النابع من تفكير نقدي حر ومثمر، وهذا ما تم التطرق إليه في الندوة من قبل الدكتورين المحترمين. وهو الأمر نلمسه في تجربة سقراط وتلميذه أفلاطون الفلسفية خصوصا حين اعتبارا أن المعرفة الحقة تبدأ بالإحساس ثم الظن ثم الاستدلال ثم التعقل والتجريد، بما هو أساس يقوم عليه التفكير الفلسفي ولا زال يقوم عليه إلى حدود هذه اللحظة، لذلك أكد الدكتور قاسم قبل قليل بعدم وجود علم قادر على إشباع حاجة وضع حد للمفاهيم التي نفكر بها ومن خلالها أكثر من الفكر الفلسفي؛ لأن طبيعة المفاهيم التي تدور فلكه أكثر تجريدية مقارنة مع المفاهيم المتفق حولها في مجال الرياضيات والفيزياء.
على هذا الأساس، اعتبر الدكتور قاسم المفاهيم الفلسفية ككائنات تاريخية مرتبطة أشد الارتباط بسياقاتها الثقافية، لها نظامها الخطابي وحقلها التأويلي وأفقها الدلالي الخاص بها.
لكل هذه الأسباب علينا إن أردنا إعطاء الشرعية لسلطان العقل قصد فهم خبايا العالم وتأويلها، احترام هذه الخصوصية التي تتميز بها المفاهيم الفلسفية، خصوصا ونحن بصدد مناقشة مفهوميي الثقافة والحضارة، نظرا لتعدد معانيهما بتعدد السياقات والعصور.
لا يزال مفهوميي الثقافة والحضارة من المفاهيم المختلف حولها، حتى إن بعض الفلاسفة والباحثين، اعتبر أن الثقافة والحضارة مصطلحان لهما معنى واحد، وذهب البعض الأخر إلى أنهما يختلفان عن بعضهما البعض، إذ بينوا أن الحضارة تقتصر على التقدم المادي للمجتمع المناقض لحياة البداوة، كما أنها لا تكون حكرا على أجناس معينة دون غيرها، فهي ملك الأمم التي تأخذ بأسباب العلم على اختلاف العصور، بينما الثقافة تقتصر على أفكار وعقائد الإنسان، رغم أن المحلل النفساني، النمساوي الأصل سيجموند فرويد، أعطاها دلالة قدحية، حين اعتبر الثقافة قوة تستخدم العقل لتنفيذ أغراضها بوسائل ملتوية قصد معارضة رغباتنا، وهو الأمر الذي أدى بنتشه، إلى وصفها بأنها ضرب للحياة من جذورها، خصوصا وأنها تتورط مع الفكر الكنسي في إضفاء الرداءة والطابع الروحي على الحياة.
لعل الاستقرار وإعطاء القيمة المثلى للإنسان من أهم شروط قيام الحضارة، التي يكون فيها الفرد منتجا ونافعا اجتماعيا، دون أن يبقى منعزلا مهددا بالأخطار الطبيعية التي كانت موجهة إليه لحظة غياب الثقافة والحضارة، هذه الأخيرة، تمكننا من عيش الحياة المشتركة وتجعل من مهمتها الأسمى حماية الإنسان من حياة الطبيعة والبداوة.
تفرض علينا الحضارة كما الثقافة درجة معينة من اليقظة قصد ترويض الجانب الطبيعي والغريزي في الإنسان، فشعور الإنسان بأنه مهدد دوما بخطر الموت هو ما جعله يدخل في مشروع بناء الثقافات والحضارات، بل هو ما جعله يعمل على أنسنة الطبيعة، لكن، أي معنى لمفهومي الثقافة والحضارة اليوم؟ وهل لهما وجود في ظل تفشي نظام العولمة؟ وهل نحن في نسير نحو طريق الانهيار الحضاري؟

أجمع العديد من الباحثين أن أهم أسباب انهيار الحضارة، يعود بالأساس إلى تردي منظومة القيم الإنسانية والأخلاقية وفشلها في الاستجابة لحاجيات العصر، الأمر الذي أدى إلى فقدان القدرة على التطور والإبداع في ببعض الحضارات، بحيث عندما يعجز المجتمع على مواجهة تحدياته المادية والاجتماعية، يدخل مرحلة الانهيار.
ربما هذا هو ما يفسره داخل الحقبة المعاصرة تلك الثنائية الحاضرة في الحقل الثقافي؛ بين ثقافة شعبية، يغلب عليها الطابع العفوي التلقائي غير الحضاري الذي يجسد في تجارب المجتمعات الشعبية تاريخيا في مختلف أصعدة الحياة، وثقافة عالمة تتميز بطابعها المؤسسي الحضاري، الذي يخضع لرقابة الأنا والوعي، ويعطي الثقة لسلطان العقل في تدبير شؤون المجتمع برمتها.
جذير بالذكر، في ذات السياق، أن الحضارة العربية كان لها خصال عظيمة، وإن كانت أيام ازدهارها أقل مرتبة في النظم السياسية والاجتماعية مقارنة مع باقي الحضارات، فقد كانت الأعلى آنذاك علما وفنا وفلسفة.
غير أن المقارنة الأولية اليوم بينها وبين مختلف الحضارات والثقافات الغربية، تنبهنا إلى أن حضارتنا أصبحت تنحو نحو طريق الانهيار، نظرا لتدهور الخدمات العامة داخل المجتمع، إضافة إلى تفشي أعمال العنف داخله في ظل التطورات التقنية التي فرضت على الواقع العربي مخاطر جديدة ومتنوعة، وذلك بسبب سيادة النظم الرأسمالية الصناعية، التي نتج عنها عدة مشاكل، يمكن عدها بمثابة عوامل الانهيار الحضاري، منها: التغير المناخي، التدهور البيئي، إزالة المساواة بحكم الأقلية …إلخ
إن إمكانية انهيار الحضارة العربية اليوم ليس أمرا حتميا، نظرا لغزو حضارتهم ولغتهم وتعاليم دينهم العالم بأسره، كما نبه إلى ذلك غوستاف لوبون، في مؤلفه: حضارة العرب، إذ نجده يقول: “إن الأمم التي فاقت العرب تمدنا قليلة إلى الغاية، وإننا لا نذكر أمة، كالعرب، حققت من المبتكرات العظيمة في وقت قصير مثل ما حققوا، وإن العرب أقاموا دينا من أقوى الأديان التي سادت العالم … وإنهم أنشأوا، من الناحية السياسية، دولة من أعظم الدول التي عرفها التاريخ، وإنهم مدنوا أوربا ثقافة وأخلاقا، فالعروق التي سمت سمو العرب وهبطت هبوطهم نادرة، ولم يظهر، كالعرب، عرق يصلح أن يكون مثالا بارزا لتأثير العوامل التي تهيمن على قيام الدول وعظمتها وانحطاطها”. بهذا القول نكون قد أنهينا ما لدينا، وأجدد شكري للجميع”
