قراءة انطباعية في رواية سائح في أرض الله

قراءة انطباعية في رواية سائح في أرض الله
5
(3)

سائح في أرض الله رواية لابن عاشور بلقاسم انطباعات لخضر دحماني .
…………………………
كيف السبيل إلى تناول رواية تتناول شخصية سامقة في العلم والجهاد والزهد والعرفان؟ ..إنها شخصية سيدي أبي مدين الغوث…بلغت هذه الشخصية حد الاسطورة ..فكثرت أقوال وروايات التقديس حدا تجاوز كل الحدود.
أوهام وشطحات ومبالغات يقف امامها المؤمن الموحد حيران…
فكيف السبيل الى تنقية سيرته وقد سارت ببركاته وكراماته الركبان، وحفظت الذاكرة الشعبية كل كبيرة وصغيرة عنه ،وأضافت لها الليالي ..ومجالس الذكر والتصوف ما لا يتصور ؟
السبيل الوحيد هو العودة الى المراجع الموثوقة.وإثبات اليقين منها وإبعاد الشوائب والإضافات…وهذه هي سيرته في رواية كاتبنا الأديب ابن عاشور بلقاسم ..وقد تحرى الإنصاف دون غلو أو شطط أو مبالغة.
وتبدأ السيرة الذهبية المباركة بوصف الحالة الاجتماعية والتاريخية لقطنيانة بالأندلس، والظروف السياسية، وتكالب الافرنج على على الفردوس المفقود..آنئذ..
في هذه الظروف ولد للعائلة طفل آخر يضاف إلى أفواه فاغرة تحتاج إلى ما يقيم الأود…
كانت ولادته سهلة؛ مما أثار الدهشة والفضول..وعلم الاب بالخبر فتفاءل خيرا وبركة ..وفال سأسميه شعيبا وسيكون لابني هذا شأن عظيم .
وتوالت الايام ..وفقد الطفل والديه وتولى الأمر أخوه ..فطالبه بالرعي .عوض الالتحاق بالكتاب …
فكان يقود قطيع ألاغنام الى المراعي الخصبة ..ويعود بها شبعى كما لم تتعود من قبل ..وقد تفادته وهابته الذئاب والوحوش مما كان يدخل العجب والسرور على أخيه القاسي…وعند الفجر .《دأبت أن أوقف القطيع حيال المسجد حتى أستمتع بأذان الفجر وأتماهى مع تلاوة القرآن الكريم وأنا لا أفهم منه شيئا لكن كان يبعث طمأنينة في قلبي وسكينة في غنيماتي التي كانت تحني رؤوسها ذليلة.. لا تثغو ولا تتململ. لا أحد يفهم لغتها إلاي .كنت أجد في نفسي غما لأني لا أحفظ شيئا من القرآن ولا أعرف كيف أصلي….》
ألف التوقف قرب المسجد.. رفقة غنيماته قبل الانطلاق الى المروج الشاسعة
فلم يخف شقيقه الاكبر دهشته من هذه البركةفقد غدت الشاة(تثني وأحيانا تثلث)..والماعز لا تلد أقل من ثلاثة جديان.
مما أغرى أخاه بترك شعيب للرعي بدل ان يلحقه بالكتاب.
……………..
لاحظ الغلام الفساد الذي كان ساريا في المجتمع ،والبدع التي طبعت كل المناسبات، وقارن بينها وبين السكينة والهيبة والوقار والعفاف عند أهل القرآن …فقرر:
《 فكرت في الفرار بجلدي إلى بلد يحقق رغبتي في التعلم والجلوس إلى الفقهاء في حلقات الذكر والمديح والسماع…والوقار》
.ولكن أنى له الفرار من أخيه الذي استشاره فمنعه
.وحاول مرارا الهروب ولكن أخاه رصد له عيونا تراقبه….فكان يلحق به ويعيده قهرا وقد استفاد من بركته ….تكررت محاولاته …فانسل في جوف الليل قائلا《انا لم أهرب من أحد…بل فررت إليه..إلى الله…》
《قطعت مسافات طويلة ..فعن لي أن أستريح من وعثاء الركض..فجلست على صخرة أودع موطني وإخوتي بنظرة وحسرة.
فلمحت عن بعد شبحا يعدو في اتجاهي ،يمتطي صهوة حصان وقد سل سيفا …..
لم أر السيف بل رأيت المحنة.رأيت البلاء حل بساحتي في هيئة أخ.هددني بالقتل في هذا الخلاء..في محاولة لإرغامي على التراجع عن قراري 》
ولكن الغلام تجرأ عليه هذه المرة ..داعيا الله ان يقيه شره.
فهز الاخ سيفه وهوى به على أم رأسه ..فاعترضه بعصا كان يحملها ..فانكسر السيف .وبقيت العصا سليمة…فبهت الاخ …واقشعر بدنه ..فعرف أنه أمام إنسان مبارك…فهوى على يدي أخيه يقبلهما ويضمه إلى صدره وهو يقول:
امض أخي .امض حيث شئت …
…………………………
وهنا تبدأ الرحلة الشاقة لشيخنا الى الساحل ..فلقي الأهوال قبل ان يقيض الله السبيل الى العبور ومن ثم إلى فاس ..فجامع القرويين، وتلقي العلم على أساطين الفقهاء والعارفين …..
………………………
ويخوض كاتبنا في سيرة الشيخ في أناقة وتشويق .وجاذبية تحلق مع العارفين والبركات والكرامات .مقدما زبدة سيرة الغوث مستعملا ضمير المتكلم تارة وضمير الغائب تارة أخرى.وعلى لسان جاره ومريديه أطوارا أخرى.في حبكة شيقة تشدك الى الرواية شدا.
ولا سبيل إلى تلخيص فصول الرواية فقد كتبت لتقرأ …لا لتلخص..وكيف يلخص اريج العطر وجمال النفس وسمو الروح وعلو الهمة .وبركات العارفين وكراماتهم ؟؟؟
لقد توج كل فصل بدرة من درر العارفين .أو حكمة من حكم أبي مدين الغوث فكانت إكليلا مرصعا بالدرر واستهلالا موفقا يسمو بالقارئ إلى جو ملائكي شفاف .فيقرأ منتشيا بالروحانية .وكأن الرواية دعوة…وكأن فصولها عظات وعبر .فإذا القارئ يجدد عهده مع الاستقامة ***** مآخذ ********
يا قدس ما ذرفت دما إلا سقاه دمي.
في الأرض قد طويت يميني دونما ندم
قطعت ولكن ظل سيف العزم مشتعلا
يمضي بنور الحق في ظلماء كل ظلم
أبو مدين الغوث
*كنت اود أن لو طال فصل جهاد الشيخ مع صلاح الدين الايوبي ..في محاربة الصليبين …فقد أبلى بلاء حسنا . وساهم في إذكاء الهمم ..رفقة من التحق بالجهاد من أهل المغرب العربي..وقد ترك أوقافا بالقدس الشريف…وحي المغاربة مازال رمزا للحمة الوثيقة بين جناحي الامة.
خصوصا في هذه الظروف المريرة التي تمر بها الأمة .
وسيظل ويبقى حي المغاربة عصيا على الأعداء…ورمزا للشهامة والتضحية .
………….
《ما استقر قلبي في أرض ،حتى وجدت فيها من يطلب وجه الله،فعندها كان المقام مقاما : لا للسكنى؛ بل للسكون . أبو مدين الغوث 》
هذا المقام الذي اختاره الله مثوى للشيخ …في أعالي تلمسان ..لم تسترسل فيه وكنت أتمنى أن لو أخذ عناية بالغة وقسطا أوسع وأشمل .
*فدفين تلمسان ..رمز لانتمائها الروحي .أصبح مزارا تشد إليه الرحال ..فيه الأبوة والسؤدد وتشمله السكينة في أعالي العباد كأنه حارس أمين على تلمسان أن تضل أو تتيه…فهناك مظلة العباد تجمع في ظلها الشريعة والحقيقة والعبادة والتقوى يفوح أريجها …. أسوة حسنة لمن أراد خير الدنيا والآخرة.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عداد التقييمات: 3

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *