النسوية و المسرح النسوي الجزائري
حجم الخط:
بقلم د.أحسن تليلاني.
عشية انطلاق المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي بإشراف وزارة الثقافة والفنون الجزائرية الذي سينعقد بعنابة من 27 إلى30 نوفمبر 2022 ، ارتأيت أن أقدم هذه المساهمة حول مسألة المسرح النسوي الجزائري.
إننا نجد مصطلح المسرح النسوي بتسميات مختلفة منها المسرح النسوي أو النسائي ، المسرح الأنثوي أو المؤنث ، مسرح الحريم أو الناعم ، المسرح الجنوسي أو الأيروسي ، مسرح المرأة … و هي كلها مصطلحات تختلف و تتباين لتحاول التعبير عن ذلك النشاط المسرحي الذي تنتجه المرأة ، و ليس ذلك المسرح الذي يكون موضوعه المرأة ، و قد يعجبك رأي الناقد ( علي عواد ) عندما يحاول التفريق بين مصطلحي ( المسرح النسائي ) و ( المسرح النسوي ) فيرى أن الأول يشير إلى النشاط المسرحي الذي تقوم به فرق مسرحية تديرها نساء ، حتى و إن كان جمهورها خليطا من الجنسين ، و تغلب على إنتاجاتها العروض التي تؤلفها و تخرجها كاتبات و مخرجات متمرسات ، و يستند هذا التحديد إلى منهج تلك الفرق المسرحية في العمل و الإدارة ، أي إلى ما يحدث وراء خشبة المسرح ، لا إلى ما يقدم عليها . أما المصطلح الثاني فإنه يشير إلى التجارب المسرحية التي تحمل وجهات نظر نسائية بحتة ، أو تنطلق من النظرية النسوية – أو مبادئ الحركة النسائية المنظمة التي تسعى إلى نصرة المرأة في جميع المجالات – و تشكل محاولات لتحدي التقاليد المسرحية الذكورية التي تسعى إلى قولبة صورة المرأة ، و تعكس الأبنية الاجتماعية التي تحصرها في الأدوار الثانوية و التابعة …و في معظم الحالات تكون هذه النتاجات المناهضة لقهر المرأة من إبداع نساء خرجن من معطف الحركة النسائية.
و الحقيقة أن موضوع المرأة و المسرح في الوطن العربي عامة و منها الجزائر ، هو من الموضوعات المسكوت عنها في مختلف الكتابات و الدراسات الثقافية ، و ذلك على الرغم من أن هذا الموضوع يطرح نفسه بإلحاح على كل باحث في نشأة المسرح العربي و في راهنه و رهاناته .
إن المسرح فن غربي وافد إلى الوطن العربي في العصر الحديث في سياق ما يعرف بحركة النهضة ، و لعل من الأسباب المثيرة التي قدمها بعض الباحثين لتفسير غياب فن المسرح عن المشهد الثقافي العربي في الأزمنة السابقة لعصر النهضة: عدم سماح العرب للمرأة بالتمثيل أو بممارسة فن المسرح ، الذي تعده بعض العقليات المتخلفة خروجا عن مقتضيات الحياء و الحشمة ، وفي هذا الإطار يمكن أن نتذكر تلك التجربة الثقافية المرة التي كابدها أحد رواد المسرح العربي ، و هو المرحوم (أبو خليل القباني) حيث لم يتحمل شيوخ دمشق إقباله على فن المسرح الذي عدوه خروجا عن العادات والتقاليد ، مما جعل بعض المشايخ يقدمون على طرح هذه القضية أمام السلطان ( عبد الحميد الثاني ) في خطبة الجمعة صارخين بقولهم : ( أدركنا يا أمير المؤمنين ، فإن الفسق والفجور قد تفشيا في الشام فهتكت الأعراض وماتت الفضيلة ووئد الشرف واختلطت النساء بالرجال).
إن الدارس المتتبع لمراحل تطور المسرح الجزائري لا بد و أن يتوقف عند قضية الصعوبات التي واجهها هذا المسرح الناشئ بخصوص استقطاب عنصر المرأة و مشاركتها في الأعمال المسرحية التي كانت تقدم للجمهور ، حيث يعترف رائد المسرح الجزائري ( علالو ) بهذه المشكلة فيذكر في الصفحة07 من مذكراته ما نصه : ” كان نقص العنصر النسائي الذي نحتاج إليه للتمثيل مشكلة مطروحة بحدة ، إذ لم يكن هناك نساء يمثلن في المسرح ، فكنا نضطر إلى استعمال الرجال في أدوار النساء ، و قد برز في مسرحية جحا صديقنا دحمون الذي قام بدور حيلة زوجة جحا ، و قد تردد كثيرا في التضحية بشنباته الشقر التي كان يعتز بها كثيرا ، و لكن حبه للفن تغلب في الأخير على اعتزازه بشنباته”
و مما تقدم يمكن أن نستنتج حقيقتين على الأقل هما :
– الغياب التام للمرأة عن المشاركة في الأعمال المسرحية ، مما جعل القائمين على تلك الأعمال يلجؤون إلى تكليف الممثلين الرجال بأداء أدوار النساء .
– اقتصار المشاركة المحتشمة للمرأة في الأعمال المسرحية لاحقا على التمثيل و الغناء دون الكتابة و الإخراج ، و من الممثلات الرائدات في هذا المجال نذكر ( ماري سوزان ) زوجة الفنان ( رشيد قسنطيني ) ، كما نذكر الفنانة ( كلثوم ) بوصفها السيدة الأولى في الريبيرتوار المسرحي الجزائري.
لقد ظلت مشاركة المرأة في حمل الخطاب المسرحي الجزائري و إنتاجه محدودة ، و قد اقتصرت هذه المشاركة إن وجدت على التمثيل و الأداء ، غير أن السنوات الأخيرة قد أفرزت لنا بروز بعض المبدعات في مجال الإخراج المسرحي المحترف على غرار الأختين ( حميدة و فوزية آيت الحاج ) ، و كذلك الفنانة ( صونيا ) التي قدمت عديد المسرحيات المهتمة بمشاكل المرأة مثل مسرحية ( فاطمة ) و مسرحية ( حتى التم ) ، و هما مسرحيتان يمكن إدراجهما ضمن إطار المسرح النسوي بامتياز ، لكونهما تشخصان معاناة المرأة و نضالاتها ضد التسلط الذكوري الظالم . و على الرغم من كون هؤلاء الثلاثة (حميدة و فوزية و صونيا ) يشتغلن بتسيير و إدارة المسارح الجزائرية المحترفة في كل من بجاية و تيزي وزو و سكيكدة على التوالي ، إلا أن هذا الحضور لم يعبر عن نفسه ببروز فرق مسرحية جزائرية نسائية .
إن صورة هذه المشاركة المحتشمة نجدها أيضا في مجال الكتابة للمسرح ، حيث مازالت المبدعة الجزائرية بعيدة عن هذا الميدان ، فباستثناء الاقتباسات التي قد نجدها عند هذه الفنانة أو تلك من العاملات في بعض المسارح المحترفة ، أو من الناشطات في حركة مسرح الهواة ، تبقى الكتابة للمسرح تكاد تقتصر على أصوات قليلة عبر نصوص أكثر شحا و قلة نذكر منها تجربة ( آسيا جبار ) في ( الفجر الأحمر سنة 1967) و ( صوفي عمروش ) في ( جبل الأموات ) بالنسبة لاستخذام الفرنسية ، أما باللغة العربية فيمكن ذكر تجربة ( زهور ونيسي ) في ( دعاء الحمام ) التي قدمها المسرح الجهوي بتيزي وزو سنة 2007، و ( فوزية لارادي) في مسرحية (السطح و النجوم و الحروف..ساهرة ) و غيرها.
شهادة النشر والتوثيق الأدبي المعتمدة
هذا العمل منشور وموثق رسمياً في مجلة إمزاد الثقافية ويحمل رمز تحقق رقمي فريد.